Friday, 12 January 2024

الأمن الصومالي جزء من الأمن القومي العربي وليس جزء من الأمن الحبشي


ما من شك بأنّ الأمن الصومالي جزء من الأمن القومي العربي، كما أنّ الأمن العربي لا يستقر إذا كانت الصومال متوترة غير مستقرة، بل أكثر من ذلك فإن الاستقرار في الشريط البحري (الأحمر والمتوسط) كان عبر التاريخ بمثابة الحزام الأمني للمنطقة العربية برمّتها، كما شكلت الدول والممالك الإسلامية فيما بعد على شاطئ البحر الأحمر طرازاً إسلامياً تمثل جوهرة عقده مدينة “زيلع الصومالية”.

ومنذ محاولات الأحباش وهجمات قراصنتهم على سواحل جدة في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان المسلمون على حذر من هؤلاء، وقد أمر ابن الخطاب بإيفاد حملة بحرية للقضاء على نشاط القرصنة. أما في عهد خليفة عبد الملك بن مروان رحمه الله  فقد رأى محاصرة الأحباش على السواحل وبالتالي خطط على إبعاد خطرهم بحيث سيطر الأسطول الأموي على جزر دهلك الصغرى والكبرى لحدّ هجمات القراصنة لسفن المسلمين، وذلك حتى لا تعود هيمنتهم على المنطقة مثلما سيطروا على اليمن في فترة قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ومحاولاتهم بهدم الكعبة بقيادة أبرهة الأشرم.

وحينما غزت دولة البرتغال على منطقة شرق إفريقيا بعد دورانها حول رأس الرجاء الصالح بقيادة الملاح “فاسكو دي جاما” بغية الوصول إلى المحيط الهندي والتخلص من سيادة العرب للطرق التجارية التقليدية، وقد استطاع البرتغاليون الإتصال بالملك الحبشي المسيحي ليتعاون معهم في مشروع احتلال مكة والمدينة والزحف تجاه السلطنات الإسلامية المطرزة على طول الساحل.نعم كان هدف البرتغال الهجوم على الحجاز وهدم الكعبة ونبش قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، بالإضافة إلى الوصول إلى الهند والشرق الأقصى مباشرة دون الحاجة إلى توسط المسلمين في نقل التجارة، لسيطرة المياة الإقليمية ثم لتحقيق الحصار الاقتصادي على العالم الإسلامي من ناحية الجنوب، في ذلك الوقت كان الشعب الصومالي هو الشّعب الوحيد في منطقة شرق إفريقيا الذي اعترض الأسطول البرتغالي في مدينة براوي ولم تتمكن هؤلاء الاقتحام بالمدن الساحلية الصومالية على غرار ما فعلوا على ممباسه وكلوة ولامو ومليندا وزنجبار، وبمجرد وصول الأسطول البرتغالي إلى سواحل إفريقيا الشرقية قصفوا بمدافعهم ونيرانهم حتى أخضعوهم وأرغم السكان على دفع الضريبة لملك البرتغال.

أما عند محاذاة سفن البرتغال بمدينة مقديشو ققد خافوا منها لما رأو المنارات والمآذن الشاهقة ظناً منهم بأنها قلاع للحرب، واكتفوا فقط إطلاق المدافع عليها، ثم واصلوا الزحف نحو اليمن والحجاز واصطدموا مع الأسطول المملوكي اليمني في بحر العرب الذي انهزم أمام البرتغال، وبالتالي فرض الأسطول البرتغالي حصاراً قوياً عليهم لمنع السفن القادمة من الهند من الدخول إلى  البحر الأحمر والمواني العربية، كما أنّهم استخدموا أعنف أساليب القرصنة ضد التجار والحجاج المسلمين واستولى على بعض السفن العربية.

من هنا أخذت الخلافة العثمانية مسؤوليتها تجاه العالم الإسلامي وعلى رأس ذلك حماية الحرمين الشريفين، بل توغل الأسطول العثماني إلى المنطقة بعد أن تهيأ لمصارعة البرتغال وكونت الجبهة الإسلامية، ثم تأمين البحر الأحمر، لعمل الحزام الأمني حول الحرمين الشريفين، واستطاع العثمانيون كبح جماح البرتغاليين وعدم وصولهم إلى الأماكن المقدسة، ومن هنا فشلت جميع المحاولات البرتغالية الحبشية للوصول إلى الحرمين الشريفين. من ناحية أخرى استطاع بنو عثمان وقف الزحف الشيعي الصفوي الذي كان متعاوناً بالبرتغاليين مثلهم مثل الأحباش، وكان العثمانيون يرون بأنّ عليهم مسؤولية حماية المسلمين من الخطر المسيحي، كما تولّو مسؤوليتهم تجاه حماية المذهب السني من خطر الزحف الشيعي المتطرف..

وليس من الغرابة  في شئ أن تطمع إثيوبيا مرة أخري في عام 2024م، الإستيلاء علي ميناء زيلع للتلاعب بأمن المنطقة العربية خدمة لأجندات توسعية لايهدف إلا إلي القضاء على مقدرات الأمة العربية وفي مقدمتها الصومال . ولهذا يكون التساؤل الطبيعي ” ما أشبه الليلة بالبارحة، وكأنّ التاريخ يعيد نفسه.

Saturday, 18 November 2023

 


وفاة فضيلة الدكتور الشيخ أحمد حاج محمد شيخ ماح في مكة المكرمة رحمه الله

انتقل إلى رحمة الله فجر اليوم فضيلة الدكتور الشيخ أحمد حاج محمد شيخ ماح الصومالي في مكة المكرمة – حرسها الله – أحد أعلام مكة، وأستاذ دار الحديث الخيرية، كما كانت له جهود علمية ودعوية في مجتمعه المكي سواء في معاهدها أو في حلقاتها العلمية في بعض زواياها العلمية في الحرم أو في بيته. فالشيخ أحمد ماح توفي - رحمه الله - بعد معاناته مع مرض أقعده لفترة طويلة، وأتذكر أنّ آخر زيارتي لمكة المكرمة قمتُ بزيارته مع أستاذي فضيلة الدكتور سعد موسى الموسى - حفظه الله –  أحد أساتذة جامعة أم القرى، فور سماعنا بمرض الشيخ سارعنا لزيارته ، ورغم أنّ الشيخ ماح كان مقعداً على الكرسي إلا أنّه كان في صحة وعافية ، وهمته عالية، بل كان نشطاً يشاطرنا مطارحات علمية، وأحوال الأمة الإسلامية، كما كان حريصاً على أحوال المسلمين في الغرب.  

هذا، .. فضيلة الشيخ أحمد ماح ينحدر من منطقة أوطيغلي aw-dheegle في إقليم شبيلي سفلى ( جنوب الصومال) وخاصة قبيلة بغدي bogadi   أحد فروع قبائل دغل ، وأحد علماء الصومال الذين قضوا جلّ حياتهم في طلب العلم ، فضيلته ينحدر من أسرة دينية حيث كان أبوه من كبار شيوخ المنطقة المعروفين. ومن هنا لم يكن غريباً  بأن يشدّ رحلة لطلب العلم في شبابه إلى منطقة الحجاز، وكان من الأوائل من  أهل الصومال الذين التحقوا بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية في السعودية ، ولما أكمل دراسته شرع في استكمال الرحلة العلمية حيث التحق بكلية الشريعة الدراسات الإسلامية بمكة التابعة آنذاك لجامعة ملك عبد العزيز، ونال منها درجتى الماجستير والدكتوراه ، إضافة إلى التزامه بحلقات العلم التي كانت منعقدة بالحرمين الشريفين مثل حلقة الشيخ على هندي وحلقة الشيخ سعيد الإيثوبي بمكة. عرفته في منتصف الثمانينات  حينما أصبحت أحد طلبة العلم بمعهد اللغة العربية بمكة التابعة بجامعة أم القرى ، ورغم أنه كان مقطوع اليد إلا أنه كان مجتهداً كثير النشاط وكان يعول عائلة كبيرة إلى جانب مواصلته لرحلته العلمية في الدراسات العليا. وبعض تخرجه واستكماله الدراسة أصبح مدرساً بدار الحديث بمكة. فضيلة الشيخ الدكتور أحمد حاج محمد شيخ ماح إلى جانب إلمامه بعلم الفقه وأصوله الذي تخصص فيه ، كان أيضاً عالماً بعلم الحديث وعلومه بحكم التزامه بحلقات العلماء المشهورين في هذا المجال. والدكتور كان أيضا عالماً وخبيراً بعلم الطب بالأعشاب، كان يوصي للناس الالتزام بطب الأعشاب الطبيعي.

ورغم ظروف الشيخ الصعبة المحيطة به ومسؤولياته المتنوعة والعبأ العائلي الكبير،  إلّا أنه كان يشارك مع أمته الهموم ، وكان جزءاً من مجتمعه المكي، وخاصة مع أهل منطقة القرن الإفريقي، وكان دائماً ناصحاً ومعيناً للدعاة في منطقة القرن الإفريقي، وقد عرف فضيلته بعلاقاته الواسعة، بحيث كان الناس يحبونه ويكرمونه، فكان دائماً يجتمع معهم ويكثر لقاءهم ويستشيرهم، سواء كانوا عرباً وعجماً.

وكما كان الشيخ محبوباً لدى أهل العلم وطلبته في الحجاز، لا سيما زملاؤه من أهل الصومال في مكة المكرمة، مثل الشيخ عبد القادر محمد عبد الله المشهور بشيخ عبد القادر غري، بحيث يعتبر من أقرب زملائه، فكان دائما يجتمع معه ويكثر لقاءه ويستشيره ، كما كان الشيخ عبد القادر يتبادل معه الاحترام والتكريم ويكثر زياراته ويمازحه، ومن زملائه ورفقائه الأقربين: الشيخ محمد خيري عمران الرحنويني اللوايي، الشيخ عبد الكريم علي فارح الشيخالي، والدكتور أحمد حاج عبد الرحمن محمد حرسي الذي اغتيل في مدينة بوصاصوا الخامس من ديسيمبر عام 2011م رحمه الله جمبعاً. ومن أقرانه وزملائه: الدكتور أحمد شيخ عبد اللطيف عثمان الغري، والدكتور حسن نور حسن الأبغالي، والدكتور يوسف محمد علمي الشيخالي، والدكتور أحمد حاج محمد عثمان جوليد السليماني (أحمد إمام)، الشيخ عثمان معلم يوسف الغلدي، والشيخ آدم حسن حسين الغري، وغيرهم كثير.

وفي مجال التأليف والابداع، فقد ترك الشيخ عدة مؤلفات في الفقه وأصوله،مثل:

- كتاب الفرائض والوصايا من الحاوي الكبير للإمام الماوردي الوصايا لأبي الحسن على بن محمد الماوردي 364 – 450هـ.

علماً أنّ هذا الكتاب جزء من موسوعة:  

الحاوي الكبير، ويليه بهجة الحاوي ، والزاهر في غريب ألفاظ الشافعي

وبعد طبع الكتاب أصبح  موسوعة في الأحكام الفقهية على مذهب الإمام الشافعي للشيخ علي بن محمد الماوردي، مع تعرض لمذاهب الفقهاء، وأدلتها ومناقشتها، ويليه كتاب (بهجة الحاوي) لزين الدين أبو حفص، عمر بن الوردي، وهو نظم لكتاب الحاوي، وكتاب (غريب ألفاظ الشافعي) لابن منصور محمد أحمد الأزهري . واستطاع فضيلة الدكتور الشيخ أحمد ماح محمد شيخ كما ذكرنا سابقا إخراج هذا الكتاب وتحقيقه مع مجموعة من الباحثين مثل : محمود مطرجي ، ياسين ناصر محمود ، عبد الرحمن عبد الرحمن ، وشميلة الأهدل. وبعد طبع الكتاب أصبح عبارة عن عدد مجلدات وفي 11332 صفحة ، وقد نشر بدار الفكر في دمشق بالسوريا. والكتاب الذي أخرج الشيخ أحمد ماح وزملاؤه يتناول حول الفقه الإسلامي وأصوله.

وينبغي أن نشير إلى أنّ عمل الشيخ أحمد ماح لكتاب " الفرائض والوصايا من الحاوي الكبير للإمام الماوردي" عبارة عن دراسة وتحقيق لنيل درجة الدكتوراه في الفقه والأصول من جامعة أم القرى بمكة من الكلية الشريعة والدراسات الإسلامية فرع الفقه والأصول عام 1408هـ/1909م. والكتاب ينقسم إلى قسمين. القسم الأول قام بالباحث دراسة حول الكتاب ومؤلفه من ذكر اسمه وكنيته ولقبه ونشأته وحياته وشيوخه وتلاميذه ، ومنزلته العلمية وأثاره العلمية. أما من حيث دراسة الكتاب فقام الباحث دراسة الكتاب الحاوي الكبير ، كتاب الفرائض وكتاب الوصايا ، مبيناً منهج المؤلف ومصادره ، ونسخ الخطبة التي اعتمد عليها في أثناء تحقيق جزء من كتاب الحاوي الكبير ( كتابا الفرائض والوصايا). أما في القسم الثاني من الرسالة فخاص بالنص المحقق من كتاب الفراض وكتاب الوصايا من كتاب الحاوي الكبير للإمام الماوردي – رضي الله عنه_ والمعروف أن كتاب الفرائض قسم مؤلفه إلى مقدمة وأبواب ، وتناول الإمام الماوردي في مقدمة تسع مسائل وسبع وعشرين فصلاً، أما الأبواب التي ذكرها في كتابه هي أبواب:

المواريث والعصبة وميراث الجد والمشركة وميراث ولد الملاعنة وولد الزنا وميراث المجوس وميراث الخنثى وذوي الأرحام. أما كتاب الوصيا حسب ما قسمه المؤلف يتكون من مقدمة وعددة أبواب، فجاء في المقدمة ترجمة وافية عن الماوردي وسبع وتسعون فصلا. ثم تناول في باقي الكتاب، الوصية والمرض الذي تجوز فيه العطية وما لا يجوز وما يجوز للوصيّ أن يصنعه في أموال اليتامى. وفي الختام كتب هذه الدراسة الشيخ أحمد بعض النتائج التي توصل إليها أثناء دراسته أجزاء من كتاب الحاوي الكبير. وتقع هذه الرسالة في ثلاثة مجلات كبيرة ، وعدد صفحاتها 236 صفحة.

ومن مؤلفات الشيخ أحمد حاج محمد ماح:

- كتاب حجية الإجماع في الشريعة الإسلامية

وهو كتاب نفيس يشمل علي مقدمة وبابين وخاتمة، فذكر في المقدمة أسباب اختيار الموضوع وبيان منهجه في البحث وخطة البحث، إضافة إلى كلمة عامة عن الأدلة الشرعية في الإسلام. وأما الباب الأول فتحدث الباحث حقيقة الإجماع وتعريفه وأركانه والاتفاق وبم يتحقق به ، كما بين حقيقة المجتهد، ثم ذكر المتفق عليه وبيان أنه هل يختص بالأمور الدينية. أما الباب الثاني والأخير، فتناول الباحث في حجية الإجماع يعم كل الأمور، وبيان آراء الأصوليين فيه، وشروطه. وفي الختام ذكر ما تمخض عنه البحث من نتائج. والكتاب يقع حوالي 241 صفحة وهو عبارة عن رسالة ماجستير في الفقه والأصول من كلية الشريعة بجامعة عبد العزيز، فرع مكة 1400هـ.

هذا .. فسوف سيصلى على المرحوم بإذن الله فجر يوم الأحد الموافق ٥ / ٥ / ١٤٤٥ه بالمسجد الحرام، ويدفن بمقبرة المعلاة، تغمده الله بواسع رحمه، وإنا لله وإنا إليه راجعون.


 

 

 

 

 



Saturday, 15 July 2023

 

وفاة الكاتب الصومالي القدير والعالم القانوني السيد محمود علي توريري

  

   
                           المرحوم محمود علي توريري           

توفي يوم الخميس الموافق 13/7/2023م في مقديشو - الصومال، سعادة الدكتور محمود علي توريري رحمه الله عن عمر يناهز 82 عامًا بعد صراع طويل مع المرض، وننعى إلى الأمة وفاة هذا العالم الجليل الذي ترك بصماته العلمية في الساحة الأكاديمية وكذا في الساحة السياسية، وقد نُشر له عدد من الكتب ، إضافة إلى عشرات من الدراسات والمقالات. وعُرف بمحاولاته الاصلاحية، وموافقه المعارضة للأنظمة والكيانات السياسية في البلاد عقب انهيار الدولة الصومالية، وطالما كان سعادته يناشد المجتمع المحلي والدولي معاً عدم المصاص والتفريط في السيادة الوطنية، أو الغدر للحرية والاستقلال التي تنعم البلاد، بالإضافة إلى ذلك كان – رحمه الله – يحدر خرق القانون والافراط بحقوق الإنسان الصومالي وغيره.
فمن هو محمود علي توريري؟

السيد محمود علي توريري من قبيلة الأبغال – من برالي ضمن مجموعة أغون يري- وأمه مكة محمود الأبغالية ولكن فرع غبلي من أغون يري. من مواليد عام 1941م في  قرية عيل برف   Ceel Baraf  قرب منطقة مهداي Mahaday   في محافظة الشبيلي الوسطى.  وبدأ التعليم  وهو صغير في قريته بمدارس تحفيظ القرآن الكريم وعمره خمس سنوات لأن أباه كان معلما للقرآن، ثم بعد ذلك انتقل إلى العاصمة مقديشو حيث عاش مع أخته فاطمة محمود علي ، وفور وصوله إليها التزم حلقات تحفيظ القرآن الكريم في حي شنغاني   Shingaani  كما كان يواصل تعليم اللغة العربية في المدارس العربية في البلاد في تلك الفترة في أوائل الخمسينات ضمن المدراس الأهلية في البلاد.

وفي عام 1954م كان ضمن البعثة  التعليمية التي اختارتهم المملكة اليمنية في عهد الإمام أحمد بن يحيى ، ومن ثم وصل إلي مدينة عدن والتحق بمدارسها في حي تواهي التي كانت مدرسة ابتدائية ثم بعد عام واحد سافر إلى مدينة تعز مقر المملكة حيث واصل دراسته التعليمية حتى أنهى المتوسطة . وقد صادف الأستاذ محمود توريري أن تخلى عنه زملاؤه في الدراسة من أهل الصومال بحيث قررو الرجوع إلى الصومال فبقي وحيدة في اليمن فسافر إلى الصنعاء وأتمّ دراسته الثانوية ،ثم التحق بكلية الشريعة واللغة بدار العلوم في اليمن التي كانت وحيدة في البلاد آنذاك. وخلال وجوده في اليمن كان يشارك مع زملاءه بالنشاط التعليمي والأدبي ، حيث أصبح شاعرا موهوبا وكان يلقى الأشعار في المحافل الثقافية ، من هنا تعرف عددا كبيرا من المثقفين المسؤولين في اليمن بحكم أن الناس كان يقدرون الشعر والشعراء، بل أصبح فيما علما من أعلام الأعلام رغم صغر سنه ومن غير أهل اليمن، وكان يستدعي في المحافل ليلقي الخطب والشعر، وخلال ذلك  تعرف الشعراء اليمنيين مثل الشاعر اليمني بردوني وأمثاله فارتفعت شهرته وداع صيته حتى وصل اسمه إلى أسماع الملك الإمام أحمد فاستدعاه فعرض عليه الجوائز إلا أنه رفض،ثم بعد ذلك خير الإمام هذا الشاب أن يطلب منه ما يشاء وأيضا رفض ذلك وبين بأن وجوده في اليمن ما هي إلا بتفضل الإمام حيث أعطاه المنحة الدراسة التي يعش بها في اليمن. وفي تلك فترة التقى السيد محمود توريري الملك سعود ملك المملكة العربية السعودية وألقى شعرا لترحيه فأعجب الملك لهذا الشاب فعرض عليه أن  يسأل ما يريده،  ولكنه كعادته فرض العرض أيضا لاسيما المال والتعليم الجامعي الذي عرض عليه الملك ليتعلم في السعودية ، لأن توريري كان يرى أن مصر أحسن من السعودية ، وذلك في أواخر الخمسينات . كما التقى خالد بن حسونة الأمين العام لجامعة الدول العربية في حفل بهيج أعدها سفير مصر في اليمن ، وفي هذا اللقاء عرض حسونة عليى توريري أن يذهب معه إلى مصر ليعطيه منحة دراسية  فقبل توريري الدعوة حيث وافق علي ذلك العرض ثم بعد ذلك أعطا السيد حسونة تذكرة سفر إلى القاهرة عن طريق الجو للسيد محمود توريري ، وانتشر خبر مجيئه في أوساط الطلبة الصومالين والذين أخبروا فيما بعد إلى بعض جهات معينة كالسفارة الإيطالية – صاحبة الوصاية للصومال حتى في تلك اللحظة – وتم استقبال توريري في المطار ، بحيث أرسل الطلاب مندوبا لاستقباله ، كما استقبله مندوب الجامعة العربية ومندوب سفارة إيطاليا في القاهرة ، فتنازع كل منهم إلى من يرافق توريري وينزل عليهم ضيفا، فقالت الجامعة العربية نحن استضفناه فنحن أحق بأن يرافقنا. أما مندوب سفارة إيطاليا قال : هو من رعايانا لأنه يحمل جواز سفر إيطاليا – لأن الصومال - وكما ذكرنا سابقا - لم تكن لها كيان سياسي معترف به المجتمع الدولي بل كانت تحت وصاية إيطاليا – فلما انكشف على أنه يحمل جواز سفر إيطالي أصبح مع سيارة إيطاليين ولم يعرف إلى أين أخذوه ، ولكنهم خدعوا ووضعوا في سفينة  تجارية وهو لا يدري هدفهم في ذلك ، فطافت السفينة إلى سواحل السودان وغيرها حتى وصلت إلى سواحل الصومال وبالذات مدينة مقديشو فاستلم به شرطة بلاد من الصوماليين والإيطاليين فوضعوه في السجن – سجن أريان تالي – Oryantaale  الواقع جنب فيات Fiat  لمدة اسبوع بسبب أنّه كان يعارض الاستعمار الإيطالي عبر خطبه وكتابه عند ما كان في اليمن.

وبعد فترة وجيزة أفرج السيد توريري من السجن عند ما تعهده عدم معارضه للسلطة المستعمر، بحيث كان يبث خطابات نضالية وخطب سياسية كلها تنصب على الكفاح والنضال ضد الاستعمار، ولكنه اختار الهدوء وعدم المعارضة، ثم خرج من البلاد خفية إلى اليمن بواسطة باخرة فوصل عدن ثم إلى تعز مقر الإمام ، ثم بعد فترة وجيزة وصل إلى صنعاء حيث كلية دار العلوم ، وبعد فترة وجيزة استطاع أن ينهي تعليمه من كلية دار العلوم عام 1959م، ثم بعد ذلك وجد منحة دراسية من الإتحاد السوفيتي، لأنّ الرجل كان له علاقات مع عدة السفارات، حيث يجتمع مسؤولي السفارة في اجتماعات، ومن بين ما تعلم مسؤوليين من سفارة الإتحاد السوفيييت ،وقد طلب مه منحة  دراسية ووافق على ذلك بشرط أن يكتب طلب في ذلك ، ولما قدم الطلب  عرض السفير على حكومته ووصلت موافقة ذلك ، ومن هنا شرع محمود علي توريري أن يذهب إلى روسيا، وكان قبل ذلك له علاقة قوية مع احدى النساء السوفيتات اللاتي جئن إلى اليمن لأجل تعليم العربية والترجمة ، وقد استفاد منها اللغة السوفيتية ، واستفادت بدورها اللغة العربية ، وقد كانا أحيانا كثيرة يخرجان إلى ضواحي صنعاء لأجل تحقيق ذلك . ومن هنا استطاع أن يجيد السوفيتية بكل سهولة وكان ذلك قبل وصوله بالاتحاد السوفييتي في عام 1959م والتحق بكلية القانون والاقتصاد بجامعة لممبا  Lamamba university  وأخذ منها بكارليوس والماجستير بدرجة الممتاز، حيث انهى بكارليوس في 1963م أما مرحلة الماجستير فكان في سنة 1965م واستطاع أن يقتصر الطريق سنوات دراسة في مرحلة الماجستير سبب تفوقه الدراسي. وعاصر توريري مع مرحلة التطور العلمي والتكنلوجي في روسيا.

ولما رجع إلى البلاد عمل في سلك المحاماه لشؤون الدولة، حيث كان يعد قوانين ويقدم لبرلمان ، كما عمل قسم الاتفاقيات الدولية في رئاسة الجمهورية، بالإضافة إلى مدافعة حقوق الدولية .

ثم بعد ذلك وجد منحة دراسية من قبل الحكومة الصومالية حيث ذهب إلى الاتحاد السوفييتي والتحق بجامعة موسكو، ومنها نال درجة الدكتوراه بعد أربع سنوات وانهى دراسته لهذه المرحلة  في عام 1977م ، ثم عاد إلى الوطن مواصلا عمله القانوني.

وفي أثناء ذلك طلبت الجامعة الوطنية أن يعمل لديها توريري كأستاذ عن طريق نظام الاعارة ، وبعد موافقة على هذا الأمر تحول عمله الرئاسة إلى الجامعة ، وقد عرض هذا الطلب رئيس الجامعة ووافقت الرئاسة بشرط أن يعمل  الجامعة صباحا، ثم يساعد الرئاسة مساءا.

انجازاته العلمية

استطاع الدكتور محمود توريري انجاز بعض كتب لها علاقة بالصومال، ومن هذه الكتب:

الحياد الايجابي وسياسة الصومال الخارجية

وهذا الكتاب تمّ طباعة الكتاب عام  1969م، ويتحدث المؤلف كتابه السياسة الخارجية لبلاد الصومال، وتطرق إلى مرحلة الاستعمار بمراحلها المتنوعة ولا سيما عهد الاستعمار الأروبي، وأثره على النواحي الاقتصادية والثقافية على السياسة الصومالية، كما أشار المؤلف إلى الحركة الوطنية الصومالية في بداية الأربعينات والخمسينات.  وتناول في السياسة الخارجية للجمهورية الصومالية في الحكومات المدنية الدستورية، وما تستند إليه هذه السياسة من دعائم وأسس تهدف إلى الوحدة  الوطنية وإقرار السلام العالمي والتعاون الدولي، ويهتم بصفة خاصة بتتبع مسلك الجمهورية الحقيقي ومواقفها كدولة نامية من التكتلات الدولية التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية، وتمسكها بسياسة عدم الانحياز ومدى تطبيقها العلمي لهذه السياسة ، ويتميز الكتاب عن غيره من الكتب عن الصومال في أنه موضوعي إلى حد كبير، وأنه على أساس دراسة الحوادث الجزئية في مختلف الميادين السياسية والاقتصادية لجمع خيوط واستنتاجات ينسج منها حججه ويقيم عليها براهينه في التعبير عن وجهة النظر لسياسة الصومال، ولا يقوم على الاندفاعات العاطفية والحملات الهوجاء والأفكار السطحية التي لا تستند إلى واقع أو حقائق، وإنما يركز على الحقائق والوقائع المجردة المقتبسة من مصادر أكثر صومالية سواء أكانت صحفاً أم خطباً أم قونين أم مراسيم. و ذكر المؤلف بعض تصرفات المسئولين المنافية لروح ومبادئ الدستور مع ذكر سياساتهم الايجابية. والكتاب بعرض النقاط الجوهرية الهامة للسياسة الخارجية الصومالية وما يتعلق بها من استعراض موجز للمؤثرات والانعكاسات في هذه السياسة . كما أن الكتاب يحمل طابع العرض الموضوعي الذي يتوخى الحجة والمنطق، والكتاب يتكون 12 فصلاً، وقد اعتمد المؤلف على المصادر والمراجع الكثيرة في اللغة العربية واللغات الأروبية الأخرى، بالإضافة إلى الوثائق المهمة والجرائد والمجلات الوطنية والعالمية. والكتاب حوالي 342 صفحة ومن إصدارات مطابع وزارة الاستعلامات الصومالية في مقديشو عام 1969م.

لمجتمع المدني والتحول الديمقراطي في الصومال

هذا الكتاب تناول التحول في العملية الديمقراطية في بلاد الصومال، ويستهدف معرفة مدى التطور والجمود والتقهقر في عملية التحول الديمقراطي في الصومال في الفترة من ( 1980 – 1995م)، وذلك  من خلال دراسة المتغيرات التي لها علاقة بالدولة والمجتمع المدني والقوى الخارجية وعملية التحول الديمقراطي. وعلى الرغم مما واجه المؤلف من صعوبات تحليلية ينجم معظمها من غياب المجتمع المدني الصومالي، فضلا عن غياب الدولة ومؤسساتها وما يلزم من ذلك من الوثائق كنتيجة من الحروب الأهلية إلا أنّه فد نجح – على نحو شديد من الموضوعية – في تقييم هذه المتغيرات وتأثيرها على دفع عجلة الديمقراطية أو تأخيرها. وقد قسم المؤلف كتابه إلى خمسة فصول، ويقع الكتاب في 146 صفحة وهو ضمن سلسلة دراسات مشروع المجتمع المدني والتحول الديمقراطي في الوطن العربي بغية رصد وتحليل واستشراق مسيرة المجتمع المدني والتحول الديمقراطي، وتنمية وتعظيم القدرات المعلمية والبحثية والتنظيمية العربية فيهما. وقام الدكتور سعد الدين إبراهيم بتقديم مهم، ومن إصدارات مركز ابن خلدون للدراسات الانمائية  الذي يرأسه – مع ودار الأمين للنشر والتوزيع في القاهرة عام 1995م.

قضية القرن الإفريقي

هذا الكتاب طبع بالقاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، عام 1979م، ويتناول المؤلف المعضلة والنزاع السياسي في منطقة القرن الإفريقي، وأولها
 النزاع الحدودي والقانوني بين الصومال وإيثوبيا.

الحياة الاجتماعية في اليمن

قرأت هذا الكتاب على شكل مخطوط وكان ذلك في عام 2002م في مقديشو عند مكتب الدكتور في حي حمر وين آنذاك ، وحسب علمي ما زال غير مطبوع. ويتناول الكتاب بعض أخبار الاجتماعية التي عاصرها المؤلف في اليمن في متصف القرن الماضي ، ولاسيما في بلاط الإمام في اليمن . وكان المؤلف يعيش في تلك الفترة بجوار الإمام لأنه كان يلقي الشعر وبعض القصائد يمدح بها الإمام والأسرة الحاكمة.

الديمقراطية وتجربة الصومال

هذا الكتاب ينتاول المؤلف التجربة الديمقراطية في الصومال وذلك في المرحلة التمهيدية السابقة على الاستقلال خلال فترة الوصاية ( من 1950 – 1960م) ثم في مرحلة النظام المدني الديمقراطي بعد الاستقلال ( من 1960 – 1969م). وفي البداية تحدث الباحث ما هية الديمقراطية ومبرراتها، وذكر نبذة عن تاريخ الديمقراطية عبر العصور ومعناها اللغوي والاصطلاحي وبداية أمرها ومكوناتها، وتحدث عن المجتمع الصومالي وتركيبته القبلية حيث كان هذا المجتمع معتاداً أن ينظر إلى وراء القبلية، حيث ظلت القبيلة هي المحور السياسي والاجتماعي الذي يدور حوله هذا المجتمع حتى عام 1941م، وخلال هذا البند ذكر المؤلف قيام الأحزاب السياسية في جنوب البلاد وشماله، ثم تناول الديمقراطية والثفاقة السياسية الصومالية ، ووصاية الأمم المتحدة على الصومال، والنظام الديمقراطي والاستقلال السياسي، وذلك بعد ان انتهت مرحلة الوصاية وانتهت معها تجربة الديمقراطية التمهيدية التي أدت إلى الاستقلال السياسي عام 1960م، وتحدث سعادت الدكتور النظرة المستقبلية كحل للأزمة الديمقراطية، واعتمد على المصادر والوثائق الأولية أفادت له معلومات نادرة إضافة إلى تجربته العلمية ومعاصرته بعد  الأحداث الواقعية. ونهاية هذا البحث اللطيف جاء تعقيب من قبل الدكتورة نجوى أمين الفوال – خبير أول المركز القومي للبحوث والاجتماعية،ونشر البحث ضمن مجموعة الأبحاث والعقيبات التي ألقيت في ندوة العلاقات العربية الأفريقية التي عقدها مركز البحوث والدراسات السياسية في القاهرة من 8 – 11 نوفمبر سنة 1992م،  وذلك بالاشتراك مع الجمعية الإفريقية والعربية للعلوم السياسية. ويأتي هذا البحث من صفحة 277 إلي 307، ونشر عام 1994م.

رحم الله الدكتور محمود علي توريري وأسكنه فسيح جناته وألهم ذويه الصبر والسلوان.

Friday, 19 May 2023

 

إسهامات علم الصرف في الصومال بين المدرستين التقليدية والنظامية

 (الحلقة الأخيرة)

ولا شك أنّ علوم العربية تكمل بعضها بعضًا، وأنّ النحاة القدامى كانوا على وعيٍ بالعلاقة التي تجمع علم الصرف بعلم الأصوات، لأنّ علاقة الصرف بالصوت وثيقة وعلاقة متلازمة؛ حيث لا يستغني أحدهما عن الآخر.

وفي هذه الناحية فعلماء اللغة قديمًا كانت دراستهم لمادة الصرف وثيقة الصلة بعلم الأصوات، ولم يفصلوا بينهما لقوة العلة الجامعة بينهما، فما الصرف إلا تقلُّبٌ لأوجه الكلمة، هذا التقلب ينتج عن تحولات صوتية خاصة كالإدغام والإعلال والحذف؛ لذلك يمكن "اعتبار علم الصرف من بين أقرب علوم اللغة إلى الصوتيات؛ إذ إن كثيرًا من المباحث الصرفية تقوم على أساس صوتي؛ (فهي مباحث صرفية صوتية)، فإذا كان علم الصرف يدرس بناء الكلمة، وما يعتريها من تغيرات، فإن هذه التغيرات التي تمس بنية الكلمة ذات طبيعة صوتية غالبًا، كالإعلال والإبدال، والحذف والزيادة، والإدغام والإمالة والوقف.. [1]

 وفيما يتعلق بعلم الصرف أنجز الدكتور فوزي أيضاً رسالة علمية لطيفة أطلق عليها:

- السائل والمجيب في فنّ الصرف

وهنا قام فضيلة الدكتور فوزي – كغيره من الباحثين - بتسهيل تعليم علم الصرف بطريقة أكاديمية عالية، عرضه على طريقة سؤال وجواب فيما يتعلق بفنّ الصرف، وهدف الباحث إنّما هو تيسير فهم الكتاب وتسهيل حفظه حتى يثبت القلب  في فهماً وحفظاً.

والحق يقال ليست هذه الجدارة اللغوية ما يستغرب في حق الدكتور فوزي لأنّ سعادته أخذ علم الصرف من مجموعة من العلماء المهاهرين في هذا الفن، بالإضافة إلى عدد من كتب الصرف المعروفة، مثل:

-  كتاب لامية الأفعال لبدر الدين،  أخذه على يد الشيخ أحمد حسن عثمان صالح.

-  كتاب شذ العرف في فنّ الصرف،    تتلمذ فيه على يد الأستاذ عبد الناصر محمد معلم.

- كتاب فنّ الصرف، وكتاب الكافي، تلقّى الكتايبن من الشيخ محمود.

ومن الدراسات الأكاديمية التي قدمها الباحثون في مجال الصرف وفنونه في مراحل الدراسات العليا:

- تحليل معاني أبنية المصادر القياسية والسماعية في سورة الإسراء – دراسة صرفية وصفية تحليلية

لفضيلة الشيخ عبد القادر شيخ محمد آدم المعروف بـ الشيخ عكاشه، وهذه الدراسة عبارة عن بحث تكميلي مقدم إلى قسم الدراسات العربية بكلية الدراسات الإسلامية واللغة العربية لنيل درجة الماجستير في اللغة العربية من الجامعة الإسلامية في أوغندا.

- الأبنية الصرفية في سورة الأعراف – دراسة صرفية وصفية تحليليلة

وهذا البحث قدمه أيضاً فضيلة الشيخ عبد القادر شيخ محمد آدم ( عكاشه)، والدراسة ضمن البحوث العلمية لنيل درجة الدكتواه في اللغة العربية قسم اللغة العربية بالجامعة الإسلامية العالمية للدراسات الشرعية والإنسانية بجمهورية النيجر.

- المسح اللغوي في الصومال وتأثير اللغة العربية في اللغة الصومالية

للباحث الراحل الأستاذ عبد الرزاق حسين حسن – رحمه الله - أحد اساتذة الجامعة الوطنية الصومالية ، ورئيس قسم اللغة العربية، وبعد انهيار كيان الدولة الصومالية في عام 1990م تحول من العاصمة إلى شمال الشرق للبلاد وخاصة مدينة بوصاصو حيث ركز على التعليم والأعمال الخيرية ، وقضى جل وقته في ذلك، وقد توفى في منتصف شهر أغسطس عام 2022م.

وقد قسم الباحث دراسته إلى أربعة فصول ، استهل في البداية لمحة قصيرة عن بلاد الصومال جغرافيا ، وفي الفصل الثاني تناول المؤلف فيه تأثير اللغة العربية في الصومالية على المستوى الصوتي  سواء في الصوامت الصوائت: وفي الفصل الثالث تحدث فيه عن اللغة العربية في الصومالية على المستويين الصرفي والنحوي . وتناول في الفصل والرابع والأخير سبل تأثير اللغوي ونماذج من ذلك.

وقام بطبع هذا الكتاب مركز الوثائق للدراسات الإنسانية بجامعة قطر- الدوحة ، في عام 1411هـ الموافق عام 1991م ، ويقع الكتاب حوالي 155 صفحة.

- أصول اللغة الصومالية في العربية

لمعالي شريف صالح محمد علي – رحمه الله – وكتابه هذا عبارة عن مقدمة لدراسة لغوية مقارنة بين اللغة العربية والصومالية ، وجٌلّها دراسة معجميّة ترمي إلى إظهار الروابط الموجودة بين اللغتين العربية والصومالية على مستوى الفصيحة واللهجة . وبصورة خاصة اللهجات العربية الجنوبية قديماً وحديثاً. هذا وتضمن كتابه -رحمه الله - إلى جانب ذلك  دراسة لجوانب من علم الصرف حيث تناول في الفصل الثالث من الكتاب  ما له علاقة بظاهرة القلب والإبدال وصور التصحيف بصفة عامة للألفاظ العربية ودراسة ظاهرة التصحيف وخصائصها البِنيَوية والصرفية. وللمعجم منهج خاص عند البحث عن الكلمة والوقوف على طريقة نطقها الصحيح. وفي الفصل الرابع من هذا الكتاب تحدث المؤلف عن الأصوات الصومالية لتجلية بعض ملامحها المميزة ومقارنتها بالأصوات العربية . وبالتحديد تحدث عن المخزون الفونيمي والخصائص المميزة لبعض الصوامت، والنبر  والنغم والتنغيم . وفي الفصل الخامس عالج أوجه التشابه بين اللغتين العربية والصومالية وطبيعة الازدواج في الصومالية التي يتضافر فيها المعجم العربي ؟؟؟بأخر الصومالي موازياً له ، والعكس صحيح.  أما الفصل السادس فيبحث فيه عن تأثير القرآن الكريم في اللغة الصومالية ، وتعدد مستويات هذا التأثير بدءاً من الفلكلور الشعبي إلى لغة العلم والدين والحرف. مركزاً على التعابير اللغوية المشتركة بين اللغتين ، واستعرض المؤلف لبعض الأمثلة والنماذج قوامها 16 نموذجاً ، وعن حديثه عن صلة الصومالية بلغة القرآن أشار إلى انتمائهما إلى جذور واحدة ، قائمة على بيئة خضارية ، وعرض طرقاً وأمثلة توضح هذه العلاقة على سبيل الألغاز والتمارين الذهنية ، وأكثر هذه الأمثلة تنتشر في الأقاليم الجنوبية وخاصة في مناطق " جوبا العليا". واختتم المؤلف في هذا الفصل بالحديث عن الصيغة الشعرية لإيصال الخبر.

ولا غرابة في هذا الاطلاع الواسع للمؤلف على هذه الدقائق اللغوية حيث  إنّ المؤلف شريف صالح شريف تنحدر عائلته من احدى وعوائل جمل الليل المعروفة في شرق إفريقيا لاسيما قطر بنادر الصومالي وسواحله الجنوبية. وقد درس العلوم العربية من نحو وصرف على أيدي أساتذة أكفاء، فعلم النحو - مثلاً - درس من كتاب الأجرومية علي يد الشيخ حسين معلم الهدمي فرع  لِكْسِي (Liksi ) ، كما درس علم الصرف من كتاب اللامية الأفعال علي يد الشيخ حسن الشيخ علي الحسني، الذي شرح له وسهّل له حفظها ، غير انّ تمكنه وتعمقه في هذا الفن وقواعده كان سببه أنه تتلمذ علي يد أحد الشيوخ من قبيلة أيمد ( Emat) الرحنوينية ، ودرس كتابى ملحة الأعراب و الكفراوي علي يد الشيخ عبد الله الأجوراني من قبيلة أجوران (Ajuuraan) المشهورة في جنوب البلاد ، ، كل ذلك قد تم في بيت أبيه ، وهكذا واصل رحلته العلمية.

وفي ختام هذه السلسلة من المقالات حول إسهامات أهلنا في علم الصرف؛ في السطور السابقة ناقشنا بعض الجهود العلمية لأهل الصومال في علم الصرف سواء كانت هذه الجهود العلمية ما صدرت بمبادرة من قِبل العلماء الأوائل أنفسهم من خلال حلقاتهم العلمية، وإنتاجهم العلمي تجاه فنّ الصرف، أو ما ساهمها الباحثون بدورهم من خلال دراساتهم العلمية واطروحاتهم الأكاديمية حول الصرف في اللغة العربية والصومالية في المستوى المعياري الفصيح أو اللهجي في إطار البحث العلمي في أقسام  الدراسات العليا للجامعات ، وما قدمناه في هذا المضمار إنّما هو من باب ضرب الأمثلة وطرح النماذج المتوفرة لدينا من البحوث والدراسات الأكاديمية التي تناولت علم الصرف بأي وجه من الوجود العلمية، ولا ندّعي – والكمال لله - بأننا  أحطنا الجهود العلمية التي أنجزها الباحثون في مختلف المراحل الدراسات العليا من الدبلوم والماجستير والدكتواه وما شابه ذلك، لأنّ الحصر والإطاحة أمر صعب يتطلب إلى مسح كامل وشامل في المعاهد والجامعات العربية وغيرها في العالم.

وعموم الدراسة التي قدمناها هنا تدل على مدى اهتمام أهل الصومال باللغة العربية عبر العصور المختلفة، بما في ذلك الصرف الذي يشكل أساسا ً من الأسس المهمة في اللغة العربية قديماً وحديثاً، بل إنّ كل من اشتغل باللغة العربية – من نحوي أو لغوي - يحتاج إليه ولا يستغني عنه.

ونعتقد بأنّ بحثنا هذا المتواضع سوف يكون مفتاحا – إلى جانب علم الصرف- للدراسات والبحوث في جميع المجالات اللغوية كلها للنهل منها ولمزيد من الإثراء فيها.

 

 



[1] - محمد رضا الجزاري: العلاقة بين علم الصرف وعلم الأصوات، مقال نشر في 28/2/1443هـ الموافق 6/8/2021م في شبكة الألوكة الأدبية واللغوية.