إسهامات علم الصرف في الصومال بين المدرستين
التقليدية والنظامية
(الحلقة
الأخيرة)
ولا شك أنّ علوم العربية تكمل بعضها بعضًا، وأنّ النحاة القدامى
كانوا على وعيٍ بالعلاقة التي تجمع علم الصرف بعلم الأصوات، لأنّ علاقة الصرف
بالصوت وثيقة وعلاقة متلازمة؛ حيث لا يستغني أحدهما عن الآخر.
وفي هذه الناحية فعلماء اللغة قديمًا كانت دراستهم لمادة الصرف وثيقة
الصلة بعلم الأصوات، ولم يفصلوا بينهما لقوة العلة الجامعة بينهما، فما الصرف إلا
تقلُّبٌ لأوجه الكلمة، هذا التقلب ينتج عن تحولات صوتية خاصة كالإدغام والإعلال
والحذف؛ لذلك يمكن "اعتبار علم الصرف من بين أقرب علوم اللغة إلى الصوتيات؛
إذ إن كثيرًا من المباحث الصرفية تقوم على أساس صوتي؛ (فهي مباحث صرفية صوتية)،
فإذا كان علم الصرف يدرس بناء الكلمة، وما يعتريها من تغيرات، فإن هذه التغيرات
التي تمس بنية الكلمة ذات طبيعة صوتية غالبًا، كالإعلال والإبدال، والحذف
والزيادة، والإدغام والإمالة والوقف.. [1]
وفيما يتعلق بعلم الصرف أنجز الدكتور فوزي أيضاً رسالة علمية لطيفة أطلق
عليها:
- السائل والمجيب في فنّ الصرف
وهنا قام فضيلة الدكتور فوزي – كغيره من الباحثين - بتسهيل تعليم علم
الصرف بطريقة أكاديمية عالية، عرضه على طريقة سؤال وجواب فيما يتعلق بفنّ الصرف،
وهدف الباحث إنّما هو تيسير فهم الكتاب وتسهيل حفظه حتى يثبت القلب في فهماً وحفظاً.
والحق يقال ليست هذه الجدارة اللغوية ما يستغرب في حق الدكتور فوزي
لأنّ سعادته أخذ علم الصرف من مجموعة من العلماء المهاهرين في هذا الفن، بالإضافة
إلى عدد من كتب الصرف المعروفة، مثل:
- كتاب لامية الأفعال لبدر
الدين، أخذه على يد الشيخ أحمد حسن عثمان
صالح.
- كتاب شذ العرف في فنّ
الصرف، تتلمذ فيه على يد الأستاذ عبد
الناصر محمد معلم.
- كتاب فنّ الصرف، وكتاب الكافي، تلقّى الكتايبن من الشيخ محمود.
ومن الدراسات الأكاديمية التي قدمها الباحثون في مجال الصرف وفنونه
في مراحل الدراسات العليا:
- تحليل معاني أبنية المصادر القياسية والسماعية في سورة الإسراء –
دراسة صرفية وصفية تحليلية
لفضيلة الشيخ عبد القادر
شيخ محمد آدم المعروف بـ الشيخ عكاشه، وهذه الدراسة عبارة عن بحث تكميلي مقدم إلى
قسم الدراسات العربية بكلية الدراسات الإسلامية واللغة العربية لنيل درجة
الماجستير في اللغة العربية من الجامعة الإسلامية في أوغندا.
- الأبنية الصرفية في سورة
الأعراف – دراسة صرفية وصفية تحليليلة
وهذا البحث قدمه أيضاً
فضيلة الشيخ عبد القادر شيخ محمد آدم ( عكاشه)، والدراسة ضمن البحوث العلمية لنيل
درجة الدكتواه في اللغة العربية قسم اللغة العربية بالجامعة الإسلامية العالمية
للدراسات الشرعية والإنسانية بجمهورية النيجر.
- المسح اللغوي في الصومال
وتأثير اللغة العربية في اللغة الصومالية
للباحث الراحل الأستاذ عبد
الرزاق حسين حسن – رحمه الله - أحد اساتذة الجامعة الوطنية الصومالية ، ورئيس قسم
اللغة العربية، وبعد انهيار كيان الدولة الصومالية في عام 1990م تحول من العاصمة
إلى شمال الشرق للبلاد وخاصة مدينة بوصاصو حيث ركز على التعليم والأعمال الخيرية ،
وقضى جل وقته في ذلك، وقد توفى في منتصف شهر أغسطس عام 2022م.
وقد قسم الباحث دراسته إلى
أربعة فصول ، استهل في البداية لمحة قصيرة عن بلاد الصومال جغرافيا ، وفي الفصل
الثاني تناول المؤلف فيه تأثير اللغة العربية في الصومالية على المستوى
الصوتي سواء في الصوامت الصوائت: وفي الفصل الثالث تحدث فيه عن اللغة العربية في
الصومالية على المستويين الصرفي والنحوي . وتناول في الفصل والرابع والأخير سبل
تأثير اللغوي ونماذج من ذلك.
وقام بطبع هذا الكتاب مركز
الوثائق للدراسات الإنسانية بجامعة قطر- الدوحة ، في عام 1411هـ الموافق عام 1991م
، ويقع الكتاب حوالي 155 صفحة.
- أصول اللغة الصومالية في
العربية
لمعالي شريف صالح محمد علي –
رحمه الله – وكتابه هذا عبارة عن مقدمة لدراسة
لغوية مقارنة بين اللغة العربية والصومالية ، وجٌلّها دراسة معجميّة ترمي إلى
إظهار الروابط الموجودة بين اللغتين العربية والصومالية على مستوى الفصيحة واللهجة
. وبصورة
خاصة اللهجات العربية الجنوبية قديماً وحديثاً. هذا وتضمن كتابه -رحمه الله - إلى جانب ذلك دراسة لجوانب من علم الصرف حيث تناول في الفصل الثالث من الكتاب ما له علاقة بظاهرة القلب والإبدال وصور التصحيف
بصفة عامة للألفاظ العربية ودراسة ظاهرة التصحيف وخصائصها البِنيَوية والصرفية. وللمعجم منهج خاص عند البحث عن الكلمة والوقوف على طريقة نطقها الصحيح. وفي الفصل الرابع من هذا الكتاب تحدث المؤلف
عن الأصوات الصومالية لتجلية بعض ملامحها المميزة ومقارنتها بالأصوات العربية . وبالتحديد تحدث عن المخزون الفونيمي والخصائص المميزة لبعض الصوامت،
والنبر والنغم والتنغيم . وفي الفصل
الخامس عالج أوجه التشابه بين اللغتين العربية والصومالية وطبيعة الازدواج في
الصومالية التي يتضافر فيها المعجم العربي ؟؟؟بأخر الصومالي
موازياً له ، والعكس صحيح. أما الفصل
السادس فيبحث فيه عن تأثير القرآن الكريم في اللغة الصومالية ، وتعدد
مستويات هذا التأثير بدءاً من الفلكلور الشعبي إلى لغة العلم والدين والحرف.
مركزاً على التعابير اللغوية المشتركة بين اللغتين ، واستعرض المؤلف لبعض الأمثلة
والنماذج قوامها 16 نموذجاً ، وعن حديثه عن صلة الصومالية بلغة القرآن أشار إلى
انتمائهما إلى جذور واحدة ، قائمة على بيئة خضارية ، وعرض طرقاً وأمثلة توضح
هذه العلاقة على سبيل الألغاز والتمارين الذهنية ، وأكثر هذه الأمثلة تنتشر في
الأقاليم الجنوبية وخاصة في مناطق " جوبا العليا". واختتم المؤلف في هذا الفصل
بالحديث عن الصيغة الشعرية لإيصال الخبر.
ولا غرابة في هذا الاطلاع الواسع للمؤلف على هذه الدقائق اللغوية
حيث إنّ المؤلف شريف صالح شريف تنحدر عائلته
من احدى وعوائل جمل الليل المعروفة في شرق إفريقيا لاسيما قطر بنادر الصومالي
وسواحله الجنوبية. وقد درس العلوم العربية من نحو وصرف على أيدي أساتذة أكفاء، فعلم
النحو - مثلاً - درس من كتاب الأجرومية علي يد الشيخ حسين معلم الهدمي فرع لِكْسِي (Liksi ) ، كما درس علم الصرف من كتاب اللامية الأفعال علي يد الشيخ حسن
الشيخ علي الحسني، الذي شرح له وسهّل له حفظها ، غير انّ تمكنه وتعمقه في هذا الفن
وقواعده كان سببه أنه تتلمذ علي يد أحد الشيوخ من قبيلة أيمد ( Emat) الرحنوينية ، ودرس كتابى ملحة الأعراب و الكفراوي علي يد الشيخ عبد
الله الأجوراني من قبيلة أجوران (Ajuuraan) المشهورة في جنوب البلاد ، ، كل ذلك قد تم في بيت أبيه ، وهكذا واصل
رحلته العلمية.
وفي ختام هذه السلسلة من المقالات حول إسهامات أهلنا في علم الصرف؛
في السطور السابقة ناقشنا بعض الجهود العلمية لأهل الصومال في علم الصرف سواء كانت
هذه الجهود العلمية ما صدرت بمبادرة من قِبل العلماء الأوائل أنفسهم من خلال
حلقاتهم العلمية، وإنتاجهم العلمي تجاه فنّ الصرف، أو ما ساهمها الباحثون بدورهم
من خلال دراساتهم العلمية واطروحاتهم الأكاديمية حول الصرف في اللغة العربية
والصومالية في المستوى المعياري الفصيح أو اللهجي
في إطار البحث العلمي في أقسام
الدراسات العليا للجامعات ، وما قدمناه في هذا المضمار إنّما هو من باب ضرب
الأمثلة وطرح النماذج المتوفرة لدينا من البحوث والدراسات الأكاديمية التي تناولت
علم الصرف بأي وجه من الوجود العلمية، ولا ندّعي – والكمال لله - بأننا أحطنا الجهود العلمية التي أنجزها الباحثون في
مختلف المراحل الدراسات العليا من الدبلوم والماجستير والدكتواه وما شابه ذلك،
لأنّ الحصر والإطاحة أمر صعب يتطلب إلى مسح كامل وشامل في المعاهد والجامعات
العربية وغيرها في العالم.
وعموم الدراسة التي قدمناها هنا تدل على مدى اهتمام أهل الصومال
باللغة العربية عبر العصور المختلفة، بما في ذلك الصرف الذي يشكل أساسا ً من الأسس
المهمة في اللغة العربية قديماً وحديثاً، بل إنّ كل من اشتغل باللغة العربية – من
نحوي أو لغوي - يحتاج إليه ولا يستغني عنه.
ونعتقد بأنّ بحثنا هذا المتواضع سوف يكون مفتاحا – إلى جانب علم
الصرف- للدراسات والبحوث في جميع المجالات اللغوية كلها للنهل منها ولمزيد من
الإثراء فيها.
- محمد رضا الجزاري:
العلاقة بين علم الصرف وعلم الأصوات، مقال نشر في 28/2/1443هـ الموافق 6/8/2021م
في شبكة الألوكة الأدبية واللغوية.