أسد سرمان
ووديانه مختار روبو الرحنويني
10
والتاريخ الحركي والاحتكاك الجهادي للشيخ مختار روبو
والذي أشرنا في السطور الماضية لا شك بأنّ ذلك كان له أثره الكبير في حياته
الدينية كما كان له انعكاساته العظيمة على منهج تفكيره ونمط سلوكه وتصرفاته فيما
بعد.
وقد اكتسب من ذلك خبرة كبيرة وحنكة عالية فيما يتعلق بالشؤون الحرب والقتال
مع الخصم، لاسيما حرب الشوارع ومباغتة الخصوم ومفاجأتهم، بل ونستطيع القول بأن ذلك قد أخذت
مساحة واسعة في حياة الرجل، منذ ريعانة شبابه ... ولوحظ حتى عندما ذهب إلى مجالات
أخرى غير مجال الحربي والقتال، مثل الميادين الاجتماعية والدعوية كان لا ينسى
صاحبنا أن يحقق حلمه الأول في أرض المعركة والجهاد، ويكفينا أن نشير إلى أنّه حينما
رآى أهلنا في مناطق الجنوبية يتضررون بالمجاعة ومأسي الإنسانية ألزم نفسه في الخوض
مع العاملين في الشؤون الإغاثة ومساعدة المتضررين، نتيجة ما كان يتمتع بالمرونة
الفائقة في التعامل مع الناس ولطفهم، وبذلك انشغل بالتعاون مع بعض الهيئات
والمؤسسات الإسلامية سواء كانت المحلية أو الإقليمية، بدءاً بجمعية حنين الخيرية
الصومالية ومروراً بالهيئة العليا ومؤسسة الحرمين الخيرية السعوديتين بغية مساعدة
المتضررين بالمجاعة التي نتجت عقب الحروب الأهلية...
غير أنّه سرعان ما عاد إلى
فكرة الجهاد وتحقيق حلمه القديم وخاصة عندما رافق أحد قادة حركة الإتحاد في الشؤون
الأمنية السيد عبد الله أحمد سهل السعدي الذي وصل إلى مدينة بيدوا في منتصف
التسعينات، علماً أن سهل كان يٌعدّ من المتحمسين للجهاد وإنشاء الإمارة الإسلامية
في البلاد، وقد قضى نحبه وهو في ميدان القتال ومحاربة الأحباش في منطقة الأوغادين
مآزراً بمجاهدي حركة الإتحاد الإسلامي في أغادين قبل استسلامهم لخصومهم.
ومن الغريب أنّ هذا الرجل – أي أبو منصور مختار روبو - الذى يجري في عروقه الجهاد ومحاربة العدو لم يكن
يرى محاربة الأحباش – العدو التقليدي والتاريخي لأهل الصومال – وخاصة مهاجمة عقر
دارهم وانفاذ العمليات الجهادية في داخل أراضي الحبشية أو حتى ذلك الإقليم
الصومالي الذي ما زال تحت احتلال الحبشي حتى يومنا هذا.. قال لي هذا الكلام بكل
الوضوح عندما التقينا في عام 2011م في منطقة الآبار بضواحي مدينة مقديشو، وقبل أن
يجيب سؤالي تجاه الأسباب التي جعلته يرى هذا
الرأي استرجع أبو منصور بذاكرة الحروب التي قاض الشعب الصومالي بقيادة
المحاكم الإسلامية ضد القوات الإيثوبية في الأعوام 2007م و 2008م في عاصمة مقديشو
وضواحيها عندما اجتاحت القوات الحبشية على المدن الصومالية واحدة تلو أخرى حتى
الوصول إلى العاصمة وانتشار الجيش الإيثوبي فيها، وقال أبو منصور في هذا السدد:
" لا تنسى فضيلة الدكتور محمد بأننا ما زلنا نتذكر بتلك الحرب التي انتصر
فيها الشعب الصومالي بجميع فئاته سواء في الداخل والخارج، وقد أرغمنا العدو
المهاجم لأراضينا التراجع والانسحاب من بلادنا العزيزة، ولكن لا تنسى مرة أخرى
بأنّ كل ذلك تمّ بفضل الله سبحانه وتعالى ثم بفضل مآزرة الشعب وخاصة أهل الجنوب
وكان أغلبهم من قبيلة هوية الذين رفضوا هذا الاحتلال والإهانة، ولكن اليوم الأمر
غير ذلك ومختلف تماماً ...
إذاً ما الذي تغير في وجة نظر أبي منصور ابن روبو ؟ .. طالما البلد هو البلد، والشعب ما زالوا في أرضه لم يرحل وملازماً بكبريائه
ونخوته الوطنية المزروعة في وجدانه، بل ومصحوبة بهذه الروح الوطنية وتجري في
عروقهم إذا تعوذوا الشيطان الرجيم قبل الشيطان الأليم من بني جنسنا، ولا سيما عندما تلتحم صرخات النساء وعويل الأطفال مع دعوات العلماء المباركة والأناشيد الأدباء الحماسية بغية دفع المقاتلين والمجاهدين إلى أرض المعركة وميدان القتال..
كما حصل من قبل مع الأحباش في أكثر من ملحمة قتالية..
وأهل الابداع والأدب يرتجزون ومرددين بالأمس القريب كلماتهم الحماسية:
يحسِبون يا وطني بأننا كالأعواد الهشة إذا
داسوا علينا ننكسِر!!
ولكننا كالأنغام إذا
داسوا
علينا
ننفَجِر
وقد برهنت معارك مقديشو مع الأحباش بأنّ الأمة تلتحم
بعضها ببعض عندما يدنس كرامتها ويستحل محاربها ويساء مقدساتها رغم الظروف الصعبة
التي كانت تشهد بلاد الصومال، والأوضاع السيئة وعدم قيادة حكيمة وواعية، ومع ذلك كان الشعب في قلب رجل واحد وملتحما بعضه
ببعض، ويوزعون بسخاء بصناديق الذخيرة على المقاتلين.. والكل كان يحسّ بالمسؤولية
الوطنية، حتى الجنود القدامى في الجيش الوطني الصومالي لم يتأخر بل كانوا يقومون
بتحريك جبهات القتال، وتنظيم هجمات المقاومة الوطنية، وترتيب صفوفهم ورفع
معنوياتهم الروحية والحربية.
ومن الصعب أن ننسى أؤلئك الخبراء الشجعان والذين تصدوا
السلاح الثقيل بعد ما أبدوا ببسالة ناذرة حتى تمكنوا من تدمير دبابات العدو عندما
أرغموهم في التقهقر والتراجع رغم العتات والعدد، بالتالي اختلطت أوراق العدو وملأ الرعب
في قلوبهم مما أدى إلى الهروب من أرض المعركة برغم ما كان يتمتع العدو من معدات
ثقيلة وأسلحة متطورة ..
وفي هذه الأيام عرفت الأمة بأنّ مقاومة الاحتلال ودفاع
الوطن لا يصمد بدون بنات الحواء ومن هنا النساء الصوماليات لم يتوانوا بأداء
واجباتهم سواء من تقديم الماء والدواء للمقاومة الوطنية وتخفيف آلامهم مع إطلاق
عبارة التشجيع والزغاريد لأجل رفع الهمة والروح القتالية... حتى يتمكن بالحضور في أرض
المعركة في مقديشوا عاصمة الإباء والصمود، وكانت المقاومة تستأنس الأناشيد
والأغاني الحماسية في الوسائل الإعلامية المحلية المتوفرة في أرجاء الوطن وأغلبها
كانت مستعارة من الحماسيات الوطنية في حرب الصومالية الإيثوبية في عام 1977م والتي
استبصل الجيش الوطني الصومالي، بل ولقن درساً
لا ينساه العدو بعد هزيمته على الرغم
من تدخل القوى الخارجية، ولو لا ذلك لكان خبرا آخر.
فيا ترى ما الذي تغير عند أسد سرمان الذي كان يلقب
المجاهد المعتدل ومرعب الأحباش ومؤدب المريان وقطاع الطرق .. إن صح التعبير - وكما
يعتقد نفسه - ؟
وبإجابة لهذا السؤال قال أبو منصور الشيخ مختار روبو
" ... كل ما ذكرته أوافق معك يا أخي محمد .. بأنّ الشعب متواجد في ساحته لم
يتغير، ولكن ألا تدري يا دكتور بأن هذا الشعب منهمك بضربات حركة الشباب
واعتداءاتها اليومية بدون تمييز وفي كل مكان، ألا تدري بأنّ هذا الشعب المسكين
المغلوب علي أمره ومحمول بحمل ثقيل ألقي على عاتقه بدون مبرر.. ولا أخفي عليك يا
سيدي خوفي وهواجسي بأن يكون كثير من شعبنا مع الصف العدو إذا احتذم بين الشباب
والعدو ، ليس بحب العدو الغازي ، وإنما كره من تسلط عليه ولم يسلم منه الكبير
والصغير، والنساء والرجال، بل أذاقوا الأمة ويلات من قتل وتشريذ ... مع أنّ هذا
الشعب الأبيّ قدم النفيس والغالي في سبيل تحرير الوطن من براثن الأحباش وأطماعهم
السياسية والاقتصادية، في حين أنّ حركة الشباب نست مآزتة شعبنا بمختلف فئاته وتوجهاته إلى جانب المجاهدين ونصرتهم
أيام الكفاح المسلح ضد المعتدي والمهاجم.. ".
واستأنف حديثه قائلاً : " إنّ أهلنا في جنوب
البلاد ولا سيما هؤلاء في العاصمة مثل قبيلة هوية كانت أكبر سند للمقاوة ، واليوم
ليس كذلك بسبب ما اغترف الشباب في حق هذه القبيلة وغيرها من شعبنا عندما قتل
المتطرفون روادهم ورجالاتهم .." .
وتعليل أبي منصور فيما ذهب إليه هو أنّ
القبائل الكبرى من أقصى حدود في الجنوب إلى مشارف مدينة جالكعيو مغضوب على حركة
الشباب.
ولم يكن يدري المسكين أبي منصور كما سيحدث بأنّ أهلنا
في مناطق بونت لاند سوف يكرهون أكثر من غيرهم عندما توغل المتطرفون إلى مناطقهم
المستقرة وارتكبوا القتل والفساد حتى أنهم لم ينج العلماء والدعاة إلى الله سبحاته
وتعالى والعباد الركع فضلا عن الأطفال الرضع.















