أسد سرمان
ووديانه مختار روبو الرحنويني
5
![]() |
| د/ محمد حسين معلم |
وقد فاجأني الرجل بحديثه الصريح غير قابل للتأويل
وانتقاداته الشديدة لحركته على الرغم من أنّه لم يعلن الانسحاب عنها.. وعندما
تأكدتُ موقف الرجل وأنّ هناك أزمة حادة بين قادة الحركة وكوادرها استرسلتُ الحديث
غير خائف، بل وأصبحتُ فضولياً يبحدث كل صغيرة وكبيرة
وما يجري في داخل الجماعة
التي تسيطر على أراضي شاسعة ولكنّ صناع قرارها مختلفين وأن بعض منهم خائفين.
واستمر الحديث وتحدث تصرفات الحركة في تلك الفترة وما
ارتكبت من أعمال العنف ضد المدنيين لأهلنا في المناطق التي تسيطر الحركة، وخاصة
العاصمة ، وقبل أن أواصل الحديث والأسئلة فاجأني الرجل مرة أخرى بقوله: " ألا
تعرف يا دكتور أنّ عملية فندق شامو وكذا ورشة الجلود warshada hargaha iyo saamaha من ضمن صناعة حركة الشباب دون علمنا رغم أنني كنت الناطق الرسمي
للحركة ، وعرفنا فيما بعد من خطط هذه العملية الفظيعة، ولم أكن وحدي ممن ينكر على
ذلك وإنما كان هناك بعض القياديين الآخرين، وأعلنا بأننا لن نقبل هذا التصرف ...ولما تأكدت المجموعة التي خططت هذه
الأعمال بمعارضتنا وعدم سكوتنا صارعوا إلى نفي الأمر بل واستنكاره، مع معرفتنا
فيما بعد بأن الحدث كان أمر قد دبر بالليل، وقد أخبرت بعض الإخوة ولو تمّ تبني
الحركة لهذه الأعمال سوف يكون ردي عنيفاً وعبر الوسائل الإعلامية مما سوف ندخل في
مرحلة جديدة.
وسألتُ بعد هذا الكلام الخطير مباشرة " يا فضيلة
الشيخ أليس معنى ذلك بأن الحركة رغم قوتها ونفوذها الواسع هشة في داخلها، ضعيفة في
سياساتها ..؟" ..وقبل أن أنهي الحديث قال أبو منصور: أقول لك بالحقيقة إن
حركة الشباب الموحدة انتهت وما يربط الآن بعضها بعض إلا بشيئين هما: الأول ميناء
كسمايو، والثاني أسير الفرنسي الذي لدى حوزة الحركة، وهذا يفسر بأن الأمر كله اقتصادي وليس تحقيق رضا
الله والجنة كما كنا ننادي ونردد من قبل، ثم توقف برهة فحاول رد هاتفه الذي رن ّأكثر
من مرة، فأخرج ثلاثة جوالات (موبيلات) مختلفة – كعادة أهل الصومال وكان لديه ثلاث هواتف
نقالة مختلفة ولكنها قديمة جداً، وهي عبارة عن ثلاث الشركات للإتصال المنتشر في
البلاد وخاصة في الجنوب، مثل هرمود، نيشن، وتليكم Hormuud, Nation, telecom وسمعت أن الحركة تفضل أنواع الموبيلات القديمة على الهواتف
القديمة على الرغم من استطاعتهم في ذلك، لأنها – حسب رأيهم – يصعب التنصل فيها،
وهو ما يردد كثير من الناس في الصومال. وكان ردّ الشيخ مختار على من اتصل به غير مطول، بحيث كان متحمساً بما كان يجري بيني وبينه
من الحديث.
ثم أخذتُ الحديث ووجهدتُ إليه سؤالاً لم يكن في حسبانه
بحيث قلتُ له: متى كانت آخر مرة التقيتم بالأمير؟ وكنتُ أقصد أمير حركة الشباب
المجاهدين السيد أحمد عبدي غدني المعروف مختار أبو زبير... ثم بعد هذا السؤال سكت
صاحبنا برهة ولم يعلق بلقب الأمير، مع أنّي كنتُ أحسّ منه بعض مضايقات، وقال لي لو
كان السؤال متى كان فراقهم لكان أحسن أن توجه إليّ يا دكتور، ولكن ... فأخذتُ
الحديث قبل أن يواصل صاحبنا وفرفعتُ صوتي بحيث قلتُ له: يا فضيلة الشيخ ليس عندي
خبر بأنّه حدث فيما بينكم خلاف أوصل إلى هذا الحد من النزاع والحراب.
ثم قال: المهم آخر لقاء وجلسة اجتمعنا معه كانت جلسة مستديرة مكونة أربعة أشخاص هم: أحمد عبدي غدني، وإبراهيم حاج جامع ميعاد المعروف بإبراهيم أفغان والمشهور في داخل حركة الشباب بأبي بكر الزيلعي، وفؤاد محمد خلف المعروف بفؤاد شنقلو وأنا، وكان الحديث عبارة عن مساجلة وجدال هادئ بيني وبين أحمد غدني فقط دون غيرنا، لاسيما كنتُ أعاتب عليه في انحرافه وتفرده في الأمر، وكنت أفهم جيدا بأنها سوف تكون اللقاء الأخير ولذلك ركزت عليه بعض الأسئلة في غاية أهمية، كما كان قصدي إقامة حجة عليه وتحمل المسؤولية بانقلابه الديني والسياسي والطريق المعوج الذي قاده الحركة أمام الله بدعوى طاعة ولي الأمر، وقتل وإهلاك كل من يعترض كلامه وتصرفاته، وكان بانتظاري أن يرد أحمد غدني علي انتقاذي وعتابي عليه، وبدلاً من ذلك التزم الصمت مطأطأ رأسه، .. في حين كنتُ أرى على وجوه إبراهيم أفغان وفؤاد شنقلو دهشة كبيرة لشدة غضبي وكلامي الشديدين، وخشونة لساني الحاد وعنفوان حديثي المتواصل كوابل من السيل تجاه من كان يُظَنٌّ بأنّه جبل لا أحد يزحزحه أو شخص ينهى ويأمر ولاأحد يقول له كلاماً جافاً وحاداً... وواصل الحديث بحيث ذاكراً: " وأغرب من ذلك كله عندما قلتُ له – أي غدني – إذا كانت للخوارج خصال معروفة ومتفق عليه بين العلماء فإنّ فيك بعض منها.... والأمر مثل النفاق الذي ينقسم إلى قسمين: علمي وعقدي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم حينما ذكر آية المنافق وعدد بعص صفات منها، فلا شك فمن يتصف صفة من الصفات التي ذكر بها الحبيب صلى الله عليه وسلم سوف يتصف بالنفاق وليس بالضرورة بأن يكون ذلك الشخص أو فلان منافقاً حقيقياً... وهكذا الخارجي، فمن تبدوا عليه وعلي تصرفاته بعض سمات الخوارج وعلاماته " .... ، وأردف أبو منصور قوله : "ولكن السيد أحمد غدني كان هادئاً مبتسماً غير منزعج وقال: اسمع يا أبا منصور فاعلم إذا كان فيّ خصلة من خصال الخوراج فأنا أميرك، وأميرك خارجي فماذا تقول؟... فجاء جوابي فوراً بحيث أجبتُ سؤاله: " ليستَ أميراً لي في تلك النواحي يا أخي ولن أقبل على ذلك مهما كان الأمر، ونصيحتي لك ما أقوله لك الآن، يا أخي اتق الله ولا تكن سبباً في مزيد من إراقة الدماء بيننا وبين الآخرين ، بل وفيما بيننا، وإذا رفضت نصيحتي فاعلم أنّه سوف يبقى حولك بعض شرذمة قليلة وسوف تتقاتلون فيما بينكم، أما أنا فسوف ترون موقفي. انتهى كلام ابن روبو"، وعلى لسان حاله:
لا خير في ود امرئ متملق *** حلو اللسان وقلبه يتقلب
يعطيك من طرف اللسان حلاوة *** ويروغ منك كما يروغ الثعلب
اترك هلا بك *** وكيف الحال وشلونك
وفي الحيقيقة كنتُ أستغرب كلام أبي منصور دون خوف ووجل، بل واستنكرتُ عليه وصفه لأحمد غدني بالخوارج، لأنّ إذا فتح هذا الباب فسوف يدخل كثير ممن يظنّ نفسه بعيداً عن الفكرة، وكان في شهر يوليو عام 2011م، وحتى في تلك اللحظة لم نسمع منه بأن صرح علناً عبر الوسائل الإعلامية بأنّه انسحب من الحركة، بل قال لي كلاماً واضحاً نفاذه : " ورغم كل ما ذكرته لك من الانحراف والفتنة التي اقترف بعض منا فأرى بأنّه لا يوجد من هو أحسن من حركة الشباب ظالما الفساد انتشر في كل مكان والأصابع الخارجية لها دور في تحريك أمر بلدنا.
والحق بأنني تحيرتُ في الأمر لأني كنتُ أعرف بأنّ صاحبنا لم يكن آمناً من قبل الحركة التي كان يحبها ويزكيها، وكان دائماً يحمي نفسه من قبل قادة الحركة وغيرهم الذين كانوا يتربصون باغتياله، بل وقد عرفتُ فيما بعد بأنّ البعض أرادوا قتله أكثر من مرة أثناء معركة شرسة مع القوات الأجنبية، وكأنّه يواجه عدواً من أمامه وآخر من ظهره ولكن الأخير من البيت الشبابي... وهكذا فرق الضالة والمبتدعة عندما يبتعدون عن السنة وعن مجالس العلماء العاملين تقتل بعضها ببعض، وتستبيح حرمات الله سبحانه وتعالى ظلماً وجوراً، أو جهلاً وتأويلاً.
ومسكين ابن روبو يواسي نفسه بسراب وعلى عيونه رماد ولسانه يردد مجازاً:
خليلي جريت الزمان وأهله ... فما نالني منهم سوى الهم والعنا
وعاشرت أبناء الزمان فلم أجد ... خليلا يوفي بالعهود ولا أنا
ومع ذلك كله كان أبو منصور يعرف أموراً كثيرةً لها علاقة بالحركة، ويتوقع بما سيحدث في المستقبل القريب، وقد تحقق ما ذكره في تلك الفترة فيما بعد، وذلك عندما قام أمير الحركة أحمد غدني بقتل بعض رجالاته مثل إبراهيم أفغان ومعلم برهان وغيرهما، أما فؤاذ شنقلو ما زال حتى الآن خائفاً شارذاً، ولعله – أي فواذ يؤكد أو ينفي – أو يصحح - ما ذكر به أبو منصور في الجلسة السابقة التي كان فؤاذ جزءاً منها.
أما أسد سرمان ابتعد عن المجموعة منذ 2011م عند ما استعصى الأمر دون حدوث التغيير أو حلاً مناسباً لمسير الحركة كما أراد ابن روبو وغيره من المعتدلين _ إذا كان هناك معتدلون_ وارتحل إلى مسقط رأسه بلاد سرمان، وعلى لسان حاله ينشد:
إذا لم أجد خلاً تقياً يؤانسني ... وفوحدتي خيرٌ وأشهى من غويلٌ أعاشره
وأجلس وحدي للعبادة آمناً ... أقرّ لعيني من جليسٌ أحاذره
والحديث له بقية.






















