وفاة فضيلة الدكتور الشيخ أحمد
حاج محمد شيخ ماح في مكة المكرمة رحمه الله
انتقل إلى رحمة
الله فجر اليوم فضيلة الدكتور الشيخ أحمد حاج محمد شيخ ماح الصومالي في مكة
المكرمة – حرسها الله – أحد أعلام مكة، وأستاذ دار الحديث
الخيرية، كما كانت له
جهود علمية ودعوية في مجتمعه المكي سواء في معاهدها أو في حلقاتها
العلمية في بعض زواياها العلمية في الحرم أو في بيته. فالشيخ أحمد ماح توفي - رحمه
الله - بعد معاناته مع مرض أقعده لفترة طويلة، وأتذكر أنّ آخر زيارتي لمكة المكرمة قمتُ بزيارته مع أستاذي فضيلة الدكتور سعد موسى الموسى - حفظه الله – أحد أساتذة جامعة أم القرى، فور سماعنا بمرض الشيخ سارعنا لزيارته ، ورغم أنّ الشيخ ماح كان مقعداً على الكرسي إلا
أنّه كان في صحة وعافية ، وهمته عالية، بل كان نشطاً يشاطرنا مطارحات علمية، وأحوال
الأمة الإسلامية، كما كان حريصاً على أحوال المسلمين في الغرب.
هذا، .. فضيلة الشيخ أحمد ماح ينحدر من منطقة أوطيغلي aw-dheegle في إقليم شبيلي
سفلى ( جنوب الصومال) وخاصة قبيلة بغدي bogadi أحد فروع قبائل دغل ، وأحد علماء الصومال الذين قضوا جلّ حياتهم في طلب العلم ، فضيلته ينحدر من أسرة دينية حيث كان أبوه من كبار شيوخ المنطقة
المعروفين. ومن هنا لم يكن غريباً بأن
يشدّ رحلة لطلب العلم في شبابه إلى منطقة الحجاز، وكان من الأوائل من أهل الصومال الذين التحقوا
بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية في السعودية ، ولما أكمل دراسته شرع في
استكمال الرحلة العلمية حيث التحق بكلية الشريعة الدراسات الإسلامية بمكة التابعة
آنذاك لجامعة ملك عبد العزيز، ونال منها درجتى الماجستير والدكتوراه ، إضافة إلى التزامه بحلقات العلم
التي كانت منعقدة بالحرمين الشريفين مثل حلقة الشيخ على هندي وحلقة الشيخ سعيد
الإيثوبي بمكة. عرفته في منتصف الثمانينات
حينما أصبحت أحد طلبة العلم بمعهد اللغة العربية بمكة التابعة بجامعة أم
القرى ، ورغم أنه كان مقطوع اليد إلا أنه كان مجتهداً كثير النشاط وكان يعول عائلة كبيرة إلى
جانب مواصلته لرحلته العلمية في الدراسات العليا. وبعض تخرجه واستكماله
الدراسة أصبح مدرساً بدار الحديث بمكة. فضيلة الشيخ الدكتور أحمد حاج محمد شيخ ماح
إلى جانب إلمامه بعلم الفقه وأصوله الذي تخصص فيه ، كان
أيضاً عالماً بعلم الحديث وعلومه بحكم التزامه بحلقات العلماء المشهورين في هذا
المجال. والدكتور كان أيضا عالماً وخبيراً بعلم الطب بالأعشاب، كان يوصي للناس
الالتزام بطب الأعشاب الطبيعي.
ورغم ظروف الشيخ
الصعبة المحيطة به ومسؤولياته المتنوعة والعبأ
العائلي الكبير، إلّا أنه كان يشارك مع أمته الهموم ، وكان جزءاً من مجتمعه المكي، وخاصة مع أهل
منطقة القرن الإفريقي، وكان دائماً ناصحاً ومعيناً للدعاة في منطقة القرن
الإفريقي، وقد عرف فضيلته بعلاقاته الواسعة، بحيث كان الناس يحبونه ويكرمونه، فكان دائماً يجتمع معهم
ويكثر لقاءهم ويستشيرهم، سواء كانوا عرباً وعجماً.
وكما كان الشيخ محبوباً
لدى أهل العلم وطلبته في الحجاز، لا سيما زملاؤه من أهل الصومال في مكة المكرمة، مثل
الشيخ عبد القادر محمد عبد الله المشهور بشيخ عبد القادر غري، بحيث يعتبر
من أقرب زملائه، فكان دائما يجتمع معه ويكثر لقاءه
ويستشيره ، كما كان الشيخ عبد القادر يتبادل معه الاحترام والتكريم ويكثر زياراته
ويمازحه، ومن زملائه ورفقائه الأقربين: الشيخ محمد خيري عمران الرحنويني اللوايي، الشيخ عبد
الكريم علي فارح الشيخالي، والدكتور أحمد حاج عبد الرحمن محمد حرسي الذي اغتيل في مدينة
بوصاصوا الخامس من ديسيمبر عام 2011م رحمه الله
جمبعاً. ومن أقرانه وزملائه: الدكتور أحمد
شيخ عبد اللطيف عثمان الغري، والدكتور حسن نور حسن الأبغالي، والدكتور يوسف محمد علمي الشيخالي، والدكتور أحمد حاج
محمد عثمان جوليد السليماني (أحمد إمام)، الشيخ عثمان معلم يوسف الغلدي، والشيخ آدم حسن حسين الغري، وغيرهم كثير.
وفي مجال التأليف والابداع، فقد ترك الشيخ عدة مؤلفات
في الفقه وأصوله،مثل:
- كتاب الفرائض
والوصايا من الحاوي الكبير للإمام الماوردي الوصايا لأبي الحسن على بن محمد
الماوردي 364 – 450هـ.
علماً أنّ هذا
الكتاب جزء من موسوعة:
الحاوي الكبير، ويليه بهجة الحاوي ، والزاهر في غريب ألفاظ الشافعي
وبعد طبع الكتاب أصبح موسوعة في الأحكام الفقهية على مذهب الإمام الشافعي للشيخ علي بن محمد الماوردي، مع تعرض لمذاهب الفقهاء، وأدلتها ومناقشتها، ويليه كتاب (بهجة الحاوي) لزين الدين أبو حفص، عمر بن الوردي، وهو نظم لكتاب الحاوي، وكتاب (غريب ألفاظ الشافعي) لابن منصور محمد أحمد الأزهري . واستطاع فضيلة الدكتور الشيخ أحمد ماح محمد شيخ كما ذكرنا سابقا إخراج هذا الكتاب وتحقيقه مع مجموعة من الباحثين مثل : محمود مطرجي ، ياسين ناصر محمود ، عبد الرحمن عبد الرحمن ، وشميلة الأهدل. وبعد طبع الكتاب أصبح عبارة عن عدد مجلدات وفي 11332 صفحة ، وقد نشر بدار الفكر في دمشق بالسوريا. والكتاب الذي أخرج الشيخ أحمد ماح وزملاؤه يتناول حول الفقه الإسلامي وأصوله.
وينبغي
أن نشير إلى أنّ عمل الشيخ أحمد ماح لكتاب " الفرائض
والوصايا من الحاوي الكبير للإمام الماوردي" عبارة عن دراسة وتحقيق لنيل درجة
الدكتوراه في الفقه والأصول من جامعة أم القرى بمكة من الكلية الشريعة والدراسات
الإسلامية فرع الفقه والأصول عام 1408هـ/1909م. والكتاب ينقسم إلى قسمين. القسم الأول قام بالباحث دراسة حول
الكتاب ومؤلفه من ذكر اسمه وكنيته ولقبه ونشأته وحياته وشيوخه وتلاميذه ، ومنزلته
العلمية وأثاره العلمية. أما من حيث دراسة الكتاب فقام الباحث دراسة الكتاب الحاوي
الكبير ، كتاب الفرائض وكتاب الوصايا ، مبيناً منهج المؤلف ومصادره ، ونسخ الخطبة
التي اعتمد عليها في أثناء تحقيق جزء من كتاب الحاوي الكبير ( كتابا الفرائض
والوصايا). أما في القسم الثاني من الرسالة فخاص بالنص المحقق من كتاب
الفراض وكتاب الوصايا من كتاب الحاوي الكبير للإمام الماوردي – رضي الله عنه_
والمعروف أن كتاب الفرائض قسم مؤلفه إلى مقدمة وأبواب ، وتناول الإمام الماوردي في
مقدمة تسع مسائل وسبع وعشرين
فصلاً، أما الأبواب التي ذكرها
في كتابه هي
أبواب:
المواريث
والعصبة وميراث الجد والمشركة وميراث ولد الملاعنة وولد الزنا وميراث المجوس
وميراث الخنثى وذوي الأرحام. أما كتاب
الوصيا حسب ما قسمه المؤلف يتكون من مقدمة وعددة أبواب، فجاء في المقدمة ترجمة وافية عن
الماوردي وسبع وتسعون فصلا. ثم تناول في باقي الكتاب، الوصية والمرض الذي تجوز فيه العطية وما لا يجوز وما يجوز
للوصيّ أن يصنعه في أموال اليتامى. وفي الختام
كتب هذه الدراسة الشيخ أحمد بعض النتائج التي توصل إليها أثناء دراسته أجزاء من
كتاب الحاوي الكبير. وتقع هذه الرسالة في ثلاثة مجلات كبيرة ، وعدد صفحاتها 236
صفحة.
ومن مؤلفات الشيخ أحمد حاج محمد ماح:
- كتاب حجية
الإجماع في الشريعة الإسلامية
وهو كتاب نفيس
يشمل علي مقدمة وبابين وخاتمة، فذكر في المقدمة أسباب اختيار الموضوع وبيان منهجه
في البحث وخطة البحث، إضافة إلى كلمة عامة عن الأدلة الشرعية في الإسلام. وأما الباب الأول فتحدث الباحث حقيقة الإجماع وتعريفه وأركانه
والاتفاق وبم يتحقق به ، كما بين حقيقة المجتهد، ثم ذكر المتفق عليه وبيان أنه هل
يختص بالأمور الدينية. أما الباب الثاني والأخير، فتناول الباحث في حجية الإجماع
يعم كل الأمور، وبيان آراء الأصوليين فيه، وشروطه. وفي الختام ذكر ما تمخض عنه
البحث من نتائج. والكتاب يقع حوالي 241 صفحة وهو عبارة عن رسالة ماجستير في الفقه
والأصول من كلية الشريعة بجامعة عبد العزيز، فرع مكة 1400هـ.
هذا .. فسوف سيصلى على المرحوم بإذن الله فجر يوم الأحد الموافق ٥ / ٥ / ١٤٤٥ه بالمسجد الحرام، ويدفن بمقبرة المعلاة، تغمده الله بواسع رحمه، وإنا لله وإنا إليه راجعون.