أسد سرمان
ووديانه مختار روبو الرحنويني
(8)

وفي لقائنا مع أسد سرمان ووديانه الشيخ مختار روبو بن
علي الملقب بأبي منصور وصل الحديث إلى الحكومة الصومالية في تلك الفترة التي كان
يقودها فخامة الرئيس الشيخ شريف شيخ أحمد، وذلك عقب المكالمة الهاتفية التي جرت
بين الشيخ مختار وبين أحد النواب في البرلمان الصومالي الذي ينحدر من القبيلة التي
ينتمى إليها أبو منصور، والغريب أنّ النائب هو الذي اتصل بالشيخ مخبراً بأن عملية
استخراج جواز السفر لأحد الإخوة الأشقاء لأبي منصور في قدم وساق، غير أنّه اسستفسر إذا
كان يكتب باسم الأخ الصريح أو يطرأ عليه بعض تغييرات، مثلا حذف اسم العائلة حتى لا
يتضرر الأخ، ولكن الجواب كان قوياً من قبل الشيخ وعكس ما كان يعتقد المحترم النائب
بحيث قال أبو منصور " لماذا يحذف اسم أبيه وجده وليس أخي مذنباً أو عليه أي
إشكال، ولمن يريد أن يعاقبني فليواجهني مباشرة دون غيري من الأبرياء "،
وعرفتُ أنّ الأخ هذا رجع لتو من دولة جنوب إفريقيا بحيث لم تعجب له ، وكان يريد
الذهاب إلى إحدى الدول الآسوية لغرض التعليم.... هكذا كان الأمر... ولما عرفتُ سبب
الرحلة والسفر لهذا الأخ ذهب دهني وكل تفكيري برهة إلى أؤلئك من أهلنا الذين لا
يجدون من يقف بجنبهم أو يساعدهم في البحث عن لقمة العيش أو على الأقل ما يسدون رمغهم
فضلاً عن رحلة التعليم والرفاهية، ومثل أؤلئك كثر من أقصى شمال بلاد الصومال الكبير إلى أقصى
جنوب البلاد.. ولا حول لهم ولا قوة إلا بالله ، وحسبنا الله ونعم النصير والوكيل
. وبعد تلك المكالمة الهاتفية وجهتُ إلى ابن عمنا الشيخ مختار بعض أسئلة وكلها تنصب على علاقته بالحكومة الصومالية في تلك الفترة، ولكنّ صاحبنا فضل أن يتحدث عن زميله في الدرب الشيخ شريف شيخ أحمد بحيث أطنب الحديث حول شخصية الرئيس والاحتكاك معه أيام المحاكم وثورة الشعب وخاصة في مواجهة أمراء الحرب وتطهيرهم من العاصمة مقديشو التي كانت بمثابة مركز انطلاقهم الرئيسي،
بالإضافة إلى احتكاك
ابن روبو بالشيخ شريف عندما نزحا إلى دولة إرتيريا فراراً من الأحباش وحلفائهم الذين
دخلوا العاصمة واستولوا على أغلب الأراضي التي كانت تحت سيطرة المحاكم في القطر
الجنوبي. وقد أقر أبو منصور شجاعة الرجل – أي الشيخ شريف - وتمرده عندما يستصعب
عليه الأمر، بالإضافة إلى فصاحته وحبه للحوار والطرح لوجهات النظر المختلفة على
الطاولة ... وقال أكنّ له كل تقدير واحترام لسياسته في أيام المحاكم وتنظيف
العاصمة من المجرمين وأهل المصلحة وأتباعهم الذين كان يعترضون عملية تحرير المدينة
من كل البراثين والشياطين. ولكن من ناحية أخرى استاء أبي منصور تصرفات الشيخ شريف
في إرتيريا وعدم مبالاته في تحرير البلاد من الأحباش وخاصة العاصمة التي بمثابة
زمر الحرية وكرامة الأمة بعد أن استعادت عافيتها من قبضة القبليين ومجرمي الحرب،
وكان هوى الرجل مع الزعامة بأي طريقة وبأي ثمن طالما يطمئن نصيبه من تقسيم الكعكة
والنيل بقطف ثمرة الشعب الذين قاوموا المحتل وبدلوا لأجله الرخيص والنفيس في
الكفاح المسلح المعروف– على حد قول ابن روبو – وهذا الأمر لم يعجبه أبو منصور وأدى
الأمر إلى ابتعاده عن التحالف الصومالي الذي تمّ تأسيسه في عاصمة إرتيريا أسمرا من
أطراف مختلفة.
وما عدا ذلك كان أبو منصور يستمتع ذكرياته أيام المحاكم
وعلاقته بالشيخ شريف وتفهم الأخير بالكفاح وكسر شوكة قطاع الطرق...وقال أبو منصور في
هذا السدد " .. شريف شيخ أحمد كان يتفهم الدور العسكري الذي كنتُ أخوض في
سبيل تأديب قطاع الطرق واللصوص في العاصمة وخاصة عندما فتحنا الطريق الرئيسي للمدينة
وهو شارع مكة المكرمة والذي يربط بين المطار والقصر الجمهوري، علماً أنّ هذا
الشارع وغيره كان مغلقاً قرابة بضعة عشر سنة نتيجة النزاع القبلي بين المليشيات
المناوئية التي كانت تجد سندا ومساعدة من بعض قيادات القبائل وساسة الجبهات
الموالين للأحباش..".
والحق أننا نتذكر تصرفات أسد سرمان الجريئة وأقواله
العنيفة ذات اللهجة الشديدة التي أثارت حفيظة النفوس أعداء الأمة رغم أنّه كان
نائب مسؤول الأمن للإتحاد المحاكم الإسلامية، ولكنه كان يتصرف بتصرف المسؤول الأول
والأخير ، بحيث لم يكن يعطي الاعتبار والاهتمام بالسيد يوسف محمد زياد المعروف بـ (يوسف
إنطو عدي) ، وقد كان يوماً مشهوراً في العاصمة عندما نادى أبو منصور بأعلى صوته في
رابعة النهار عند فتحه لشارع مكة المكرمة عبر وسائل الإعلام قائلاً " بعد اليوم لا يوجد في العاصمة قط أسود فضلا
عن قط أبيض.."
( Maanta wixii ka danbeeyo waa dhammaatey awoodii mukulaal modow
iyo mid cadba ).
وقال أبو منصور هذه الكلمات النارية عندما وصل إلى حي
حمروين في وسط العاصمة ماراً بشارع مكة المكرمة، وطلب من المجتمع وخاصة لمن لديه
مظلومية أن يرفعوا شكاويهم إلى العدالة دون خوف ووجل، واختتم كلمته بعض عبارات
رقيقة ذات مدلول إسلامي ووطني عند ما قال : " انتهى زمن الخوف والغطرسة ...
". وهكذا أصبح هذا الطريق الذي يعتبر شريان الحياة وقلب العاصمة مفتوحاً على
مصراعيه منذ ذالك اليوم حتى الآن، ومع ترحيب كبير من أهل الصومال في هذه الخطوة
إلا أنّه هناك من لم تعجب بذلك سوءا في داخل البلاد وخارجها، أؤلئك الذين استاؤوا
استتاب أمن العاصمة وإعادة عافيتها من جديد بفضل جهود المحاكم الإسلامية في عضون
فترة وجيزة، مما أكد بأن الأمة تستطيع أن تقف على رجليها بدون مساندة بأيادي
خارجية إذا أخلصت النوايا واتحدت الجهود الوطنية. وهذا الأمر قصم طهر المجرمين وأصحاب
القطرسة والكبرياء الانتهازين ذات مصالح خاصة، وبهذه الجرأة والتصرفات العنيدة
استحق صاحبنا بلقب " مؤذب الموريان ومخيف الأحباش" .








