Friday, 20 January 2017


أسد سرمان ووديانه مختار روبو الرحنويني 
(8)


 وفي لقائنا مع أسد سرمان ووديانه الشيخ مختار روبو بن علي الملقب بأبي منصور وصل الحديث إلى الحكومة الصومالية في تلك الفترة التي كان يقودها فخامة الرئيس الشيخ شريف شيخ أحمد، وذلك عقب المكالمة الهاتفية التي جرت بين الشيخ مختار وبين أحد النواب في البرلمان الصومالي الذي ينحدر من القبيلة التي ينتمى إليها أبو منصور، والغريب أنّ النائب هو الذي اتصل بالشيخ مخبراً بأن عملية استخراج جواز السفر لأحد الإخوة الأشقاء لأبي منصور في قدم وساق، غير أنّه اسستفسر إذا كان يكتب باسم الأخ الصريح أو يطرأ عليه بعض تغييرات، مثلا حذف اسم العائلة حتى لا يتضرر الأخ، ولكن الجواب كان قوياً من قبل الشيخ وعكس ما كان يعتقد المحترم النائب بحيث قال أبو منصور " لماذا يحذف اسم أبيه وجده وليس أخي مذنباً أو عليه أي إشكال، ولمن يريد أن يعاقبني فليواجهني مباشرة دون غيري من الأبرياء "، وعرفتُ أنّ الأخ هذا رجع لتو من دولة جنوب إفريقيا بحيث لم تعجب له ، وكان يريد الذهاب إلى إحدى الدول الآسوية لغرض التعليم.... هكذا كان الأمر... ولما عرفتُ سبب الرحلة والسفر لهذا الأخ ذهب دهني وكل تفكيري برهة إلى أؤلئك من أهلنا الذين لا يجدون من يقف بجنبهم أو يساعدهم في البحث عن لقمة العيش أو على الأقل ما يسدون رمغهم فضلاً عن رحلة التعليم والرفاهية، ومثل أؤلئك  كثر من أقصى شمال بلاد الصومال الكبير إلى أقصى جنوب البلاد.. ولا حول لهم ولا قوة إلا بالله ، وحسبنا الله ونعم النصير والوكيل
.وبعد تلك المكالمة الهاتفية وجهتُ إلى ابن عمنا الشيخ مختار بعض أسئلة وكلها تنصب على علاقته بالحكومة الصومالية في تلك الفترة، ولكنّ صاحبنا فضل أن يتحدث عن زميله في الدرب الشيخ شريف شيخ أحمد بحيث أطنب الحديث حول شخصية الرئيس والاحتكاك معه أيام المحاكم وثورة الشعب وخاصة في مواجهة أمراء الحرب وتطهيرهم من العاصمة مقديشو التي كانت بمثابة مركز انطلاقهم الرئيسي،
بالإضافة إلى احتكاك ابن روبو بالشيخ شريف عندما نزحا إلى دولة إرتيريا فراراً من الأحباش وحلفائهم الذين دخلوا العاصمة واستولوا على أغلب الأراضي التي كانت تحت سيطرة المحاكم في القطر الجنوبي. وقد أقر أبو منصور شجاعة الرجل – أي الشيخ شريف - وتمرده عندما يستصعب عليه الأمر، بالإضافة إلى فصاحته وحبه للحوار والطرح لوجهات النظر المختلفة على الطاولة ... وقال أكنّ له كل تقدير واحترام لسياسته في أيام المحاكم وتنظيف العاصمة من المجرمين وأهل المصلحة وأتباعهم الذين كان يعترضون عملية تحرير المدينة من كل البراثين والشياطين. ولكن من ناحية أخرى استاء أبي منصور تصرفات الشيخ شريف في إرتيريا وعدم مبالاته في تحرير البلاد من الأحباش وخاصة العاصمة التي بمثابة زمر الحرية وكرامة الأمة بعد أن استعادت عافيتها من قبضة القبليين ومجرمي الحرب، وكان هوى الرجل مع الزعامة بأي طريقة وبأي ثمن طالما يطمئن نصيبه من تقسيم الكعكة والنيل بقطف ثمرة الشعب الذين قاوموا المحتل وبدلوا لأجله الرخيص والنفيس في الكفاح المسلح المعروف– على حد قول ابن روبو – وهذا الأمر لم يعجبه أبو منصور وأدى الأمر إلى ابتعاده عن التحالف الصومالي الذي تمّ تأسيسه في عاصمة إرتيريا أسمرا من أطراف مختلفة. 
وما عدا ذلك كان أبو منصور يستمتع ذكرياته أيام المحاكم وعلاقته بالشيخ شريف وتفهم الأخير بالكفاح وكسر شوكة قطاع الطرق...وقال أبو منصور في هذا السدد " .. شريف شيخ أحمد كان يتفهم الدور العسكري الذي كنتُ أخوض في سبيل تأديب قطاع الطرق واللصوص في العاصمة وخاصة عندما فتحنا الطريق الرئيسي للمدينة وهو شارع مكة المكرمة والذي يربط بين المطار والقصر الجمهوري، علماً أنّ هذا الشارع وغيره كان مغلقاً قرابة بضعة عشر سنة نتيجة النزاع القبلي بين المليشيات المناوئية التي كانت تجد سندا ومساعدة من بعض قيادات القبائل وساسة الجبهات الموالين للأحباش..".
والحق أننا نتذكر تصرفات أسد سرمان الجريئة وأقواله العنيفة ذات اللهجة الشديدة التي أثارت حفيظة النفوس أعداء الأمة رغم أنّه كان نائب مسؤول الأمن للإتحاد المحاكم الإسلامية، ولكنه كان يتصرف بتصرف المسؤول الأول والأخير ، بحيث لم يكن يعطي الاعتبار والاهتمام بالسيد يوسف محمد زياد المعروف بـ (يوسف إنطو عدي) ، وقد كان يوماً مشهوراً في العاصمة عندما نادى أبو منصور بأعلى صوته في رابعة النهار عند فتحه لشارع مكة المكرمة عبر وسائل الإعلام قائلاً  " بعد اليوم لا يوجد في العاصمة قط أسود فضلا عن قط أبيض.."
( Maanta wixii ka danbeeyo waa dhammaatey awoodii mukulaal modow iyo mid cadba ).
وقال أبو منصور هذه الكلمات النارية عندما وصل إلى حي حمروين في وسط العاصمة ماراً بشارع مكة المكرمة، وطلب من المجتمع وخاصة لمن لديه مظلومية أن يرفعوا شكاويهم إلى العدالة دون خوف ووجل، واختتم كلمته بعض عبارات رقيقة ذات مدلول إسلامي ووطني عند ما قال : " انتهى زمن الخوف والغطرسة ... ". وهكذا أصبح هذا الطريق الذي يعتبر شريان الحياة وقلب العاصمة مفتوحاً على مصراعيه منذ ذالك اليوم حتى الآن، ومع ترحيب كبير من أهل الصومال في هذه الخطوة إلا أنّه هناك من لم تعجب بذلك سوءا في داخل البلاد وخارجها، أؤلئك الذين استاؤوا استتاب أمن العاصمة وإعادة عافيتها من جديد بفضل جهود المحاكم الإسلامية في عضون فترة وجيزة، مما أكد بأن الأمة تستطيع أن تقف على رجليها بدون مساندة بأيادي خارجية إذا أخلصت النوايا واتحدت الجهود الوطنية. وهذا الأمر قصم طهر المجرمين وأصحاب القطرسة والكبرياء الانتهازين ذات مصالح خاصة، وبهذه الجرأة والتصرفات العنيدة استحق صاحبنا بلقب " مؤذب الموريان ومخيف الأحباش" .


Monday, 2 January 2017



مفارقة الحرية بين المشرق والمغرب
في الغرب ( إسكندينافيا مثلاً ) الحرية تأخذ مسافة كبيرة .... وفي المشرق ( البلدان العربية مثلاً ) تقريباً ليس لها شرف وانتماء.
في النرويج: الحرّ من تحرر قلبه قبل فكره وقلمه....
وفي الصومال: لا ينال بها إلا من تحررت لغمة عيشه قبل فكره وقلمه!.
هل الحرية حلال عليهم.....حرام علينا؟ أليست تلك قسمة ضيزى ؟!
من كان أولى أن يتحلى بها ويجعلها ديدنه وحلمه؟ ألسنا نحن – مسلمون أفارقة عرب صوماليون -  ولكن في بلادنا يصعب حصولها وتحقيقها
لا شك أن الحرّ الحقيقي في نظرنا من تحرر قلبه جميع ما عدا الله سبحانه وتعالى وخضع لخالقه.. ولكن ما الفائدة من يدعي الإيمان والعقيدة الصحيحة وهو لا يستطيع أن يقاوم ما يكره، أو يرفض ما لا يريده خوفا من أن تنقطع صلة سيده ورئيسه وقائده ومديره في العمل والجامعة والجمعية والجماعة والوزارة حتى لا تصبح مصير حياته إلى الكارثة، أو خوفاً من أن ينقطع رزقه ومصاريفه من هذه الجهة أو ذاك؟

والغرب عموماً والنرويج خصوصاً تحرروا من هذه الكارثة والمصيبة التي تأثر على حياة الناس ونفسياتهم عندما وطئوا سلطة المسؤولين في كل مكان وميدان، بل وأعطوا العمال والموظفين الحرية والحقوق التامة غير منقوصة مهما كانوا من خلال القانون والنقابات.
ورغم أن بلاد الصومال وغيرها من البلدان المشابهة تفتقد هذه القوانين والنقابات الاجتماعية يستطيع المرء أن يعيش الحالة النفسية الطيبة والمستريحة إذا:
علق قلبه لله وحده دون غيره وأيقن ما تحمل الآيات القرآنية حق اليقين .." الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ، وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ، وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ، وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِين، وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ".
والحقّ أنّه من تزود تعاليم ربنا سوف يتجاوز كل المطبات التي تضعه الساسة والكتل الإجتماعية والدينية ، ولو باسم الحزب الديني أو ذاك الذي يرفع شعار الوطنية وحفظ الأمن القومي.. وكذلك عوائق شياطين الإنس والجن ولو رفعوا لافتات التقدم والازدهار، أو سياسة التهديد والوعيد والقمع. والمرء يستطيع أن يتجاوز جميع هذه المطبات وغيرها طالما - هو - مرتبطاً قلبه وقالبه بالذي خلقه سبحانه وتعالى بدون منازع.

ونحن كلما ذكرنا الحرية وأشرنا إلى مدلولها  قالوا لنا بأنكم تقلدون الغرب، وقد أثركم الجو الغربي الذي تعيشون فيه، ولكن نداءنا  ومطلبنا واضح لا غبار عليه، ولكن لمن لديه التشنجات المتخلفة والتقاليد البالية لا يعي ما نصبوا إليه.
ومن الغريب من يحاول استعباد الناس ومحاولة اخضاعهم بسبب ظروفهم الاقتصادية والاجتماعية، أو مكانتهم الدينية والسياسية.. وما إلى ذلك مستغلاً بالخيال أو الظروف التي لا تدوم ولا تستمر. ونحن لا نشك بأنّ ذلك ما هي إلا عودة إلى الأعمال الجاهلية القديمة ، أو إلى الحالة البؤس الذنيئة، ولا يستقيم أن يمارسها الإنسان الحر الراغب في أن يعيش بالكرامة والعز والشرف.
وقد استنكر أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب العدوي – رضي الله عنه = بما فعل ابن عمرو ابن العاص في فترة إمارة أبيه بمصر مع غلام من الأقباط في سباق للخيول، فضرب ابن الأمير الغلام القبطي اعتمادًا على سلطان أبيه،
فلما بلغ القطبي وابنه إلى مقر الخليقة اشتكى ما حدث من الظلم والجبروت إلى عمر، فسرعان ما كتب عمر إلى عمرو بن العاص أن يحضر إلى العاصمة صحبة ابنه، فلما حضر الجميع عند الخليقة وناول الخليفة إلى الغلام القبطي سوطًا وأمره أن يقتص لنفسه من ابن عمرو بن العاص،فضربه حتى رأى أنه قد استوفى حقه وشفا ما في نفسه. ثم قال له أمير المؤمنين: لو ضربت عمرو بن العاص ما منعتك؛ لأن الغلام إنما ضربك لسطان أبيه، ثم التفت إلى عمرو بن العاص قائلاً: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟..
 فذاك تاريخنا الماضي الناصع في تلك العصور الزاهية في مصادنا التاريخية التي محبوسة في مجازن الكتب ورفوف المكتبات، وفي صدور المؤرخين وذاكرة الباحثين ... ولكن من ينصف المظلمين والضعفاء ويلتجأ إليه في عصرنا الحاضر في بلداننا والذين يشتكون ظلم الظالمين وجبروتهم في أوطانهم وجامعاتهم وجماعاتهم ووزاراتهم وتكتلاتهم الاجتماعية...

والحرية والعدالة تحلم عودة الفاروق والذي تمثل الشاعر في عدل عمر:
عندَ غيري يُقهَرُ المُستضعَفُ العافي ويُظلمْ
عند غيري جبهةٌ بالإثمِ ، بالباطلِ ، تُـلطَم
نزَوَاتُ الجاهليَّةْ
ورِياحُ العُنجُهِيَّهْ
قد دَفنَّاها ، أقَمنا فوقها صَرحاً جديدا
وتساوَى النَّاسُ:
أحراراً لَدَينا وعَبيدا
يأخُذُ الحقَّ القَضاءْ
وهوَ - لا أنتَ- الذي يُنفِذُ عندي ما يشاءْ ...

والحقّ أنّ الحرية زينة للحياة وأحسن ستر يستتر بها الإنسان من سوءته الظاهرة والباطنية، لأنّ الحر من أكل الحلال وزهد عن الحرام، وخالف هواه وابتعد شهواته... وهذه الزينة خالصة للأحرار الذين آمنوا بالله ورسوله يوم القيامة.
ولكن من حرم هذه الزينة وجعلها صعبة المنال فينا ونحن في دنيانا؟ .. لا تقولوا الحكام .. لأنّهم من صنعنا ومن جلدتنا وتربوا على تربيتنا منذ نعومة أظفارهم. ولا تقولوا الغرب.. أو فلان وعلان...بل ينبغي أن نصمد أمام كل من يريد أن يحول بيننا وبينها، مستأنسين قول الواحد الأحد الفرد الصمد: " قلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ"
وفي مجال الكتابة والبحث العلمي وابداء الرأي وما نراه الصواب، والبوح ما يريده الشخص، لا يتحقق إلا عبر نفق الحرية التي لا تتمّ إلا تحت الإيمان بالله وحده والتزام أوامره، وما عدا ذلك يكون عبودية لغير الله وانقياد لأصنام البشر من الدول والأشخاص، والدرهم والدينار،  وجميع الانتماءات الأخرى في عصرنا الحاضر حتى لو ادعى الشخص بأنه حر بلا قيود.
والطريق ليس مفروشاً بالزهور، وإنما هناك قيود سياسية وإجتماعية، وأخرى مزيفة لبست بلباس ديني وعقدي لذلك ينبغي الصمود أمام كل التحديات والعواصف الهائجة وكل ما يكون حجر عثرة أمام تحقيق ما نصبوا إليه تحقيقه في الأرض الواقع، لأنّ الحرية لها ثمنها ولا شك أنها تحتاج إلى إرادة مطلقة ومناعة قوية وحصن حصين ...وما أحسن أن يتحصن أحدنا بحصن سنة نبينا وحبيبنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ونردد صباحا ومساءا ما كان يردده المصطفى عليه السلام " اللهم لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد". 

ألا يكفينا قول ربنا سبحانه وتعالى مخبرا أنه مالك الضر والنفع ، وأنه المتصرف في خلقه بما يشاء ، لا معقب لحكمه ، ولا راد لقضائه : ( وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير ).   كما قال سبحانه: (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده).  
ويقول العلامة المفسر المحدث ابن كثير في تفسير هذه الآيات في سورة الأنعام: " وهو الذي خضعت له الرقاب ، وذلت له الجبابرة ، وعنت له الوجوه ، وقهر كل شيء ودانت له الخلائق ، وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه وعظمته وعلوه وقدرته الأشياء ، واستكانت وتضاءلت بين يديه وتحت حكمه وقهره".
ولمن لديه هذا الرصيد القوي ينبغي أن لا يتزحزح عن طريق الحرية حتى يأتيه اليقين، كما قال ربنا" واعبد ربك حتى يأتيك اليقين " أي الموت.  
يحيا الأحرار ومناضلي الحرية في كل زمان ومكان.