Friday, 10 April 2026

الشيخ مريد حاج صوفي الشاشي في ذمّة الله

البقاء لله وحده سبحانه وتعالى، فقد وري جثمان أحد مشايخنا الكرام، الشيخ مريد حاج صوفي الشاشي، الثرى اليوم الجمعة الموافق 10 أبريل 2026 في مقابر الشيخ صوفي، بعد أن وافته المنية أمس في مقديشو. وكان الفقيد في الفترة الأخيرة ملازمًا للكرسي المتحرك. نسأل الله أن يتغمّده بواسع رحمته، وأن يُلهم أهله وذويه والأمة الإسلامية الصبر والسلوان . ويذكر كاتب هذه السيرة أنه عاصر تلك الفترة، وكان حينها طالبًا في المرحلة الإعدادية، وقد حضر دروس الشيخ واستمع إلى تفسيره لعدد من السور.

فمن هو فضيلة الشيخ مريد حاج صوفي؟

 

هو الشيخ مريد حاج صوفي محمد دينله شغاله الشاشي المقديشي، ووالدته الحاجّة نوره حاج إدريس عثمان نور الشاشية. وُلد عام 1950م في مقديشو، وتحديدًا في حي حمر ويني، حيث نشأ وترعرع، ثم انتقل لاحقًا إلى مدينتي مركة وبراوة.

منذ صغره، عُرف بحبّه للعلم والعلماء، فكان يواظب على حضور حلقات العلم، ومنها حلقة الشيخ نور الدين علي المجيرتيني رحمه الله. بدأ الشيخ مريدي بحفظ القرآن الكريم في مسجد "آي أيداي" (Aay Aydaay) في حي حمر ويني، بالقرب من منزل الشيخ محمد أحمد محمود المعروف بـ"شيخ أبا" رحمه الله، حيث أتمّ معظم حفظه على يد الشيخ عمر المعروف بـ"باب عمر" من قبيلة الشاشية، وكان إمامًا للمسجد، وذلك في سن الخامسة عشرة.

تتلمذ الشيخ مريدي بعد ذلك على يد الشيخ محمد أحمد (شيخ أبا)، فدرس عليه علوم النحو من كتابي "الآجرومية" و"العمريطي"، والفقه من "أبي شجاع" و"الزبد" على مذهب الإمام الشافعي، كما أخذ عنه التفسير وبعض علوم القرآن، ودرس في الحديث كتاب "رياض الصالحين" كاملًا. وفي العقيدة، تعلّم "العقيدة السنوسية" و"عقيدة العوام"، كما درس في الأخلاق والتربية كتاب "تعليم المتعلم". واطّلع كذلك على كتب التصوف، مثل "إحياء علوم الدين" للإمام الغزالي، وبعض الأذكار من كتاب "الأذكار" للإمام النووي.

وقد تأثرت مسيرته العلمية تأثرًا كبيرًا بشيخه "شيخ أبا"، الذي كان له دور بارز في تربيته العلمية والتربوية منذ الصغر، وهو من أبرز شيوخ قبائل بنادر. كما تأثر بمنهجه العقدي، غير أنه اطّلع لاحقًا على مؤلفات أخرى، مثل "العقيدة الواسطية" لابن تيمية، وكتب ابن القيم، مما جعله يتأثر أيضًا ببعض ملامح المنهج السلفي، خاصة في مسائل الأسماء والصفات.

التحق بعد ذلك بحلقات علمية أخرى في مقديشو، من أبرزها حلقة الشيخ محمد معلم حسن، حيث درس عليه التفسير كاملًا في مسجد الشيخ عبد القادر (المعروف بمسجد مقامك)، كما أخذ عنه جزءًا كبيرًا من "ألفية ابن مالك" في النحو، واستفاد من محاضراته التي تناولت قضايا العالم وأخلاق المسلم.

كما لازم حلقة الشيخ إبراهيم سولي، فدرس عليه "رياض الصالحين" و"اللؤلؤ والمرجان". وتتلمذ أيضًا على الشيخ شريف عبد النور، فدرس عليه كتب الحديث مثل "صحيح البخاري"، و"عمدة الأحكام"، و"بلوغ المرام"، و"البيقونية"، إضافة إلى أصول الفقه من خلال كتاب "جمع المتون"، سواء مباشرة أو عبر الأشرطة العلمية المسجلة.

أما في التعليم النظامي، فقد التحق الشيخ مريد بالدراسة بعد أن اشتدّ عوده، فبدأ المرحلة الابتدائية عام 1962م في مدرسة معلم جامع، ثم المرحلة المتوسطة عام 1967م، وأكمل الثانوية في مدرسة هولوداغ بين عامي 1970 و1974م، وكانت الدراسة باللغة الإيطالية. بعد ذلك التحق بمعهد (SIBA)، حيث درس الإدارة، ونال شهادة المعهد خلال عامين.

بعد ذلك عمل الشيخ مريدي مدرسًا في عدد من المدارس، منها مدرسة "قرطه" ثم "علولة" عام 1974م، في خدمة وطنه. ثم التحق بالوظيفة الحكومية، حيث عمل في القصر الرئاسي ضمن جهاز القيادة الحكومية في فرع الحسبة والمراقبة، وذلك من عام 1976م حتى عام 1981م. وبعدها ترك الوظيفة الحكومية ليتفرغ للأعمال الحرة والتجارة، خاصة في مجال الأدوات المنزلية والملابس، حيث تنقّل بين عدد من العواصم والمدن، منها الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، وكينيا، وتنزانيا، وزامبيا، وتايلاند.

ومن ناحية أخرى، تزوّج الشيخ مريدي حاج صوفي من السيدة رقية علي ميي، ورُزق منها بسبعة أبناء، ثلاث بنات وأربعة أولاد.

أما عن دوره في الدعوة الإسلامية في الصومال، فقد بدأ الشيخ مريدي نشاطه الدعوي في مرحلة مبكرة من شبابه، حيث كان يدرّس الفقه الشافعي، مثل كتاب "أبي شجاع"، في مسجد الشيخ عبد القادر بمقديشو، وذلك للشباب من روّاد الصحوة الإسلامية، عقب دروس التفسير التي كان يلقيها الشيخ محمد معلم حسن. كما كان يدرّس علم النحو في المسجد نفسه، وفي مساجد أخرى، معتمدًا على كتب مثل "الآجرومية"، و"العمريطي"، و"ملحة الإعراب"، و"الكواكب الدرية"، و"قطر الندى"، و"بلّ الصدى"، و"ألفية ابن مالك"، إضافة إلى علم الصرف من خلال كتب مثل "لامية الأفعال" و"فتح اللطيف". وكان ذلك كله يجري ضمن نظام الحلقات العلمية المعروف في الصومال.

كما تولّى إلقاء دروس تفسير القرآن الكريم في جامع الشنغاني بحي الشنغاني، بعد درس شيخه محمد معلم حسن. وكانت الدعوة الإسلامية في تلك الفترة، خاصة بين الشباب، تتمحور إلى حد كبير حول حلقات الشيخ محمد معلم. وعندما تم اعتقاله، رأى طلابه ضرورة استمرار الدعوة، فوضعوا برنامجًا لتوزيع الدروس في مختلف مناطق العاصمة، وكان من نصيب حي الشنغاني أن يتولى الشيخ مريدي هذا الدور.

وفي عام 1977م، شنّت الحكومة الصومالية حملة جديدة ضد الدعوة الإسلامية، خاصة في مقديشو، مما أدى إلى تراجع النشاط الدعوي في المساجد، وهجرة عدد كبير من دعاة الصحوة، ولا سيما الذين كانوا يدرّسون التفسير على منهج شيخهم محمد معلم حسن. وقد خلّف ذلك فراغًا كبيرًا في الساحة الدعوية، ولم يبقَ إلا عدد قليل من الدعاة، منهم الشيخ مريدي حاج صوفي والشيخ شريف أبا نور.

ورغم هذه الظروف الصعبة، واصل الشيخ مريدي نشاطه الدعوي دون أن يتأثر كثيرًا بالضغوط. إلا أن دروسه انتقلت من مسجد الشيخ عبد القادر إلى مسجد "أربع ركن" القديم، بناءً على طلب من الشيخ محمد جوليد كارشي، الأمين العام للشؤون الدينية بوزارة الشؤون الدينية والعدالة، الذي منحه ترخيصًا رسميًا لمواصلة التدريس، في ظل تشديد الحكومة على ضرورة حصول الدعاة على إذن رسمي.

وبعد التشاور مع بعض زملائه، وافق الشيخ على هذا الترتيب حفاظًا على استمرار الدعوة. وقد بدأت دروسه في مسجد "أربع ركن" بشكل محدود، لكنها سرعان ما تحولت إلى واحدة من أكبر التجمعات الدعوية للشباب في العاصمة. واستمر هذا النشاط حتى صدر قرار من رئيس جهاز المباحث بإيقاف الدروس، مع تهديد شديد للشيخ بعواقب وخيمة في حال عدم الامتثال.

ويذكر كاتب هذه السيرة أنه عاصر تلك الفترة، وكان حينها طالبًا في المرحلة الإعدادية، وقد حضر دروس الشيخ واستمع إلى تفسيره لعدد من السور، من سورة الحج حتى سورة الأعراف، حيث كان الشيخ قد بدأ التفسير من سورة الناس وصولًا إلى سورة الأعراف قبل إيقافه.

ورغم كل هذه الضغوط، لم يتوقف الشيخ عن الدعوة، بل واصل نشاطه في نشر العلم، ولكن بشكل سري وحذر، حيث كان يدرّس مختلف العلوم الشرعية، من فقه وتفسير وحديث ونحو، محافظًا على رسالته العلمية والدعوية في أصعب الظروف.

وبعد فترة، ومع ضعف قبضة الحكومة، استأنف الشيخ مريدي نشاطه الدعوي في العلن، فعاد إلى التدريس بنظام الحلقات العلمية المعروفة. وركّز في هذه المرحلة على تدريس عدد من الكتب، من أبرزها كتاب "تاج الأصول"، وذلك في مسجد "النبوي" بجوار دنوداج (Danwadaag). كما درّس علم النحو في عدة مساجد، منها مسجد بنكاريه في حي بولو حوبي، ومسجد شريف في حي ودجر، إضافة إلى مسجد مرواس في حي حمر ويني.

وقد اعتمد في تدريس النحو على كتب مثل: تحفة السنية في شرح الآجرومية، والعمريطي، وملحة الإعراب، والكواكب الدرية، وقطر الندى، وألفية ابن مالك. كما درّس علم الصرف من خلال كتب مثل: لامية الأفعال وفتح اللطيف، كما ذُكر سابقًا.

وعندما اندلعت الحرب الأهلية في الصومال وانهار النظام الحكومي، لم يتوقف الشيخ عن الدعوة، بل ازداد نشاطه. وفي هذه المرحلة، تركزت جهوده في جامع مرواس الكبير في حي حمر ويني بمقديشو، حيث أصبح إمامًا وخطيبًا وداعية. واهتم بتدريس العلوم الشرعية لتعليم وتثقيف الشباب، وعلى رأسها علوم التفسير والحديث، من خلال كتب مثل: عمدة الأحكام، وابن جمرة، ورياض الصالحين. كما درّس السيرة النبوية من خلال كتب مثل: الرحيق المختوم وصور من حياة الصحابة.

ويُذكر أن جامع مرواس كان يتكوّن من عدة طوابق؛ فقد خُصص الطابق الأرضي للصلاة والدروس والمحاضرات، بينما كان الطابق الثاني مقسمًا إلى قسمين: قسم لتحفيظ القرآن الكريم (خلوة) للبنين والبنات كلٌّ على حدة، وقسم آخر لمدرسة نظامية في المرحلة الابتدائية. وقد كان الشيخ مريدي هو المؤسس لهذه المشاريع التعليمية، سواء خلوة التحفيظ أو المدرسة النظامية التي عُرفت باسم مدرسة الإمام أحمد بن حنبل، والتي استمرت في عملها حتى بعد سفره إلى الخارج واستقراره في كينيا، وتحديدًا في مدينة ممباسا.

وقد حظيت هذه المدرسة بدعم مادي ومعنوي من عدد من الجهات الخيرية، منها: لجنة القارة الإفريقية التابعة لجمعية إحياء التراث الإسلامي في الكويت، وهيئة الإغاثة الإسلامية العالمية في السعودية، ومجمع العلماء الصومالي.

وخلال مسيرته الدعوية والعلمية، تتلمذ على يد الشيخ عدد كبير من الشباب، الذين أصبحوا لاحقًا من حملة العلم والدعوة. ويذكر كاتب هذه السيرة أنه كان من بين هؤلاء الذين نهلوا من علم الشيخ، إلى جانب عدد كبير يصعب حصره.

والمجهود العلمي والدعوي الذي بذله الشيخ مريدي لم يقتصر في داخل الأراضي الصومالية فحسب، وإنّما امتدّ أيضاً إلى آفاق شرق إفريقيا، لا سيما بعد نزوحه إلى ممباسا، المدينة الساحلية لدولة كينيا، أو في نيروبي العاصمة، بحيث لم يفارق الشيخ الدعوة إلى الله ونشر العلم.

مؤلفاته – كتاب النحو

كان للشيخ مريدي اهتمام بالتأليف، ومن ذلك كتابه في علم النحو، الذي كان مخطوطًا حين التقى به كاتب هذه السيرة في 21/8/1995م الموافق 25/3/1419هـ في نيروبي – كينيا، ولا يدري إن تم طبعه أم لا. ويتناول هذا الكتاب علم النحو وما يتصل به، وقد استلهمه المؤلف من كتاب الآجرومية لابن آجروم (المتوفى سنة 723هـ).

ورغم أن الشيخ اشتهر بعنايته بالقرآن الكريم وعلومه، ولا سيما علم التفسير، فإنه كان متمكنًا أيضًا من علوم الآلة، وخاصة النحو والصرف. وكان يرى أن المفسر لا يمكنه أداء مهمته على الوجه الصحيح دون إلمام راسخ بهذين العلمين، وهو ما يفسّر اهتمامه بوضع مؤلف في هذا المجال.