إسهامات علم الصرف في الصومال بين المدرستين التقليدية والنظامية (15)
المنطقة الشرقية:
وفي منطقة الشمال الشرقي لم تقل نشاطاً وحيويةً من المناطق الأخرى في الأراضي الصومالية، والمتتبع للحياة العلمية يلاحظ أنّ المنطقة اشتهرت بكوكبة من العلماء والفقهاء الذين ظهروا في ساحات العلم والمعرفة في القرنين الماضيين، وبالذات في المدن الساحلية كحافون وأيل وقندله وغيرها، ومن هؤلاء الأعلام:
الشيخ محمد يوسف
القاضي الشيخ على محمود آدم
القاضي شريف محمد علي
الشيخ صالح حلديد السواخروني
الشيخ علي عبد الرحمن فقه المشهور ( الشيخ علي
المجيرتين)
الشيخ نور الدين بن أحمد علو ( رائد المدرسة السلفية في
عهده)
ورغم ما مرت به المنطقة من حالات صعبة غير مستقرة في هذه الفترة إلا أنّه مع هذه الظروف القاسية
استمرت الأمة في مواصلة نشر العلم وعقد حلقات متنوعة تحت رعاية العلماء ومجالسهم
العلمية في المدن والقرى والأرياف، الأمر الذي أدى فيما بعد الى ازدهار العلم.
وسوف نضرب بعض النماذج من هذه المجالس والحلقات التي لها علاقة بفن الصرف علي سبيل
المثال لا الحصر، مثل:
- حلقة القاضي شريف محمد علي في حافون، ولم تكن هذه الحلقة تخصص لتدريس فن الصرف فحسب
، وإنّما كانت – إلى جانب ذلك – تُعنى بفنون علوم اللغة العربية ككل كالنحو وغيره.
وقد استفاد من هذه الحلقة بعض طلبة العلم في المنطقة، ومن هؤلاء فضيلة الشيخ أبو
محمد نور الدين علي بن أحمد المجيرتيني ( فرع علي
سليمان) رحمه الله.[1]
هذا، الجدير بالذكر أنّ الشيخ نور الدين علي بن أحمد
أعطى جلّ همّه تحصيل العلم وتعليمه حتى شدّ رحاله إلى أماكن مختلفة من داخل البلاد
وخارجها، وبدايات رحلاته العلمية الداخلية كانت في مدينة حافون حيث سافر إليها عام
1343ه، وانضم إلى مدرسة تحفيظ القرآن الكريم على يد معلم عمر محمد، وفي الوقت نفسه بدأ دراسة كتاب " سفينة
الصلاة" وكتاب " أبو شجاع" على يد الشيخ محمد علي حريد الحافوني
الذي أعطاه الله عمراً طويلاً، كما درس كتاب " المنهاج القويم " على يد
الشيخ محمد يوسف ، وكان يحضر دروس القاضي الشيخ علي محمود آدم الذي كان يدرِّس
كتاب المنهاج أيضاً، وحضر كذلك دروس القاضي شريف محمد علي في التفسير والعلوم
العربية - كما أشرنا آنفاً - ودروس الشيخ محمد محمود شرماكي في النصف الأخير من التفسير، وسمع
من الشيخ محمد علي محمد الربع الثالث من منهاج الطالين، وأخذ من القاضي الشيخ
إبراهيم عمر بكتاب " فتح المعين" وكتاب " متن الأجرومية " كل
ذلك يدل على ثراء منطقة شمال الشرقي للبلاد ونشاطها العلمي وكثرة علمائها في مختلف
العلوم والمعرفة في تلك الفترة وبخاصة مدينة حافون التي ذكرها المسعودي في كتابه
مروج الذهب ومعادن الجوهر في وقت مبكر.
ولم يتوقف نشاط الشيخ في طلب العلم على هذا الحد وإنّما
أيضاً لازم دروس الشيخ آدم أحمد موسى في التفسير من كتاب " الجلالين"
بحاشية الصاوي وحاشية الجمل، كما استفاد
من حلقة الشيخ آدم أحمد موسى المذكور في مجال الفقه بحيث أخذ منه سماعا " ابن
القاسم علي الباجوري" وكتاب " الزبد" وكذا كتاب " منهاج
الطالبين مع شروحه، إضافة إلى العلوم العربية ، أما كتب الحديث فسمع منه كتاب
" الأربعين النووية" وكتاب " أبو جمرة" ، واستفاد من شيخه
أيضاً ما يتعلق بالتصوف مثل كتاب " تنبيه الغافلين" وكتاب " تنوير
القلوب " وكتاب " طهارة
القلوب" وكتاب " درة
الناصحين" وكتاب " دقائق الأخبار" وكتاب " كفاية الأتقياء.
وفي علم العقيدة فقد تلقى فضيلة الشيخ نور الدين بعض كتب العقيدة التي كانت منتشرة
في القطر الصومالي في تلك الفترة مثل كتب عقيدة العوام، والسنوسية، وجوهرة
التوحيد، وبدء الآمالي، والدريرية، والشيبانية ، والنسفية، والباجورية ، وكفاية
العوام ، وحياة الإسلام، وكلهم من علم الكلام ومن العقيدة الأشعرية التي
كانت منتشرة في البلاد.
لقد مكث فضيلة الشيخ نور الدين في مدينة حافون مدة غير
قصيرة طالباً للعلم وملازماً لحلقاتها رغم بُعدها من مسقط رأسه وموطن أسرته، لكثرة
علمائها ونشاط حركتها العلمية، ثمّ بعد ذلك سافر إلى مدينة أيل الساحلية أيضاً
وهناك واصل طلبه للعلم بحيث ألزم نفسه بالحلقات العلمية التي كانت تجري في المدينة
- أما مدينة أيل الساحلية فكانت أيضاً نشطة وعامرة حتى
اتجه إليها مجموعة من الطلبة الذين أتوا من مناطق نائية لطلب العلم، بحيث كانت
حركة السفن نشطة، والعلاقة بين سواحل الصومال واليمن وعمان لم تتوقف حتى عند ما
سيطر الاستعمار الأروبي على عمان واليمن والصومال، على الرغم من مراقبة الاستعمار
على هذا النشاط التجاري.
فثملاً وفي فترة الحكم الإيطالي الاستعماري على الصومال
كانت الباخرة الإيطالية المسمى " الأتريا " تأتي في كل شهر مرة واحدة من
فصلَى الشتاء والصيف فقط.
وفي الساحل الشرقي الصومالي قرية كان يسمى ملاحون العرب
باسم " وريقة السماء " وهي تقع شمال رأس عصير، ويقطنها قبيلة سواخرون (صواخ
رون) المجيرتينية، وكانت هذه القرية الساحلية مكان استراحة السفن التي تتجه إلى
اليمن ، وكذا من اليمن إلى سواحل الصومال والشرق الإفريقية.[2]
ومهما كان الأمر فإن مرسى أيل كانت نشطة ولم تتوقف رغم
الظروف الاستعمارية، بل كان أهل الصومال يستوردون بضائعهم في هذا المرسى المتواضع
الطبيعي، وكان لهم علاقة تجارية مع بعض
الموائي اليمنية وعلى رأسهم عدن ، كما كانت تجارتهم تصل إلى ساحل الأفريقي الشرقي
مثل زنجبار، ويصدرون منها وإليها ما هو لديهم من بضائع، مثل جلود والحيوانات
بأنواعها، والأسماء المجففة المعروفة في المناطق الشرقية.
ومن المعلوم أنّ أيل تقع على الساحل الشرقي بالقرب من
الجبل الممتد في البحر، ذلك الجبل المعروف باسم ( رأس الخيل)، أو ( رأس الخير) كما
يسميه أرباب السفن، وكما هو معروف في المجاري البحرية بهذا الاسم، وحينذاك كانت
المنطقة تحت حكم الاستعمار الإيطالي، وتسمى بالصومال الإيطالي، علماً أنّ أيل كانت
قرية صغيرة، ولها ميناء صغير لا تدخلها السفن الشراعية في الفترة الاستعمار
الأوربي لعدم توفر الحركة التجارية فيها، ما عدا الباخرات الكبيرة التي يمتلكها
الإووبيون، كما أشرنا من قبل.[3]
ومما يدل على شهرة النشاط العلمي في مدينة أيل، أنه اتجه
إليها بعض أهل العلم وطلبتهم، ويكفي أن نشير إلى رحلة الشيخ نور الدين بن علي
إليها بعد عودته من منطقة حافون التي سبق أن أشرنا إلى بعض أنشطتها العلمية ، ولكن
أصر الشيخ نور الدين السفر إليها – أي أيل - ، وهناك واصل طلبه للعلم بحيث ألزم
نفسه بالحلقات العلمية التي كانت تجري في المدينة مثل حلقة الشيخ محمد فارح قاري
التفسير، وحلقة الشيخ يوسف حسن في اللغة العربية، وكذا حلقة الشيخ علم عبد الله في
اللغة العربية أيضاً، أما فيما يتعلق بعلم الفقه والأحكام فكانت حاضرة في مدينة
أيل بحيث كان الشيخ القاضي حزر محمد له حلقة خاصة بالفقه الشافعي، وكان يقرأ في
حلقته كتاب " الإرشاد لابن القرئ ".
ومن هنا، فليس من المستغرب إذن، سيادة ظاهرة هذا النشاط
العلمي الذي كانت المنطقة تتمتع به ، ومن تلك الأنشطة بعض حلقات علمية لها علاقة
بعلم الصرف، والتي منها:
- حلقة الشيخ علم عبد الله في
مدينة أيل الساحلية، بحيث كان الشيخ يدرس علم الصرف واستفاد منه جمع من رواد العلم
، ومن بين هؤلاء فضيلة الشيخ نور الدين علي بن أحمد.
- حلقة الشيخ يوسف حسن في مدينة أيل في فن الصرف ، وكانت
لهذه الحلقة خصوصية خاصة ، بحيث كان الشيخ يتناول حلقته دراسة اللغة العربية
بفنونها المختلفة ، بما فيها علم الصرف، لأنّ الشيخ يوسف حسن كان لغوياً ماهراً ،
ومن هنا ركزت حلقته على دروس اللغة العربية ، بحيث كان يدرّس بعض كتب اللغة
العربية في النحو والصرف، لذلك اتجه إلى حلقة الشيخ طلبة العلم الراغبين في رفع
مستواهم اللغوي. ومن هؤلاء الذين حرصوا على هذه الحلقة الشيخ نور الدين بن علي،
بحيث كان ممن يواظب على الحلقة المذكورة عند ما بلغه أمرها، وقد أخذ منه كتاب
ألفية ابن مالك.
- ومدينة قرطو من المدن الداخلية في المنطقة الشرقية بالصومال،
وتقع في منتصف الطريق الطويل بين مدن بوساسو وغروبي، وكانت – أي قرطو - قبل قدوم
الاستعمار الأروبي على البلاد جزءًا من السلطنة المحلية المسمى بسلطنة المجيرتين التي كانت تتمركز في علولة، ومن الناحية العلمية لم تكن مدينة قرطو أقل شأناً من
المدن والقرى في المنطقة، وأهلها كانوا -
وما زالوا – يحبون العلم وأهله، بحيث كانوا يقدرون العلماء، بل ويبذلون
لهم بالنّفس والنّفيس لمجاورتهم والاستفادة
من علومهم، فهذا أحد الأعلام الصومالية وهو الشيخ نور الدين علي أحمد ذهب إلى مدينة قرطو تلبية لرغبة أهلها من
أهل الحل والعقد في علمه، عند ما طلبوا منه الانتقال إلى قرطو وعقد الدروس الدينية
، فاستجاب لدعوتهم ودرس لهم تفسير القرآن الكريم ، ولكن بعد مدة تحول الشيخ نور
الدين إلى قرية تليح عقب طلب من علماء قبيلة طلبهنتي وبخاصة عشيرة نور أحمد ، ومن
هؤلاء العلماء والوجهاء الشيخ عبد الله علم شردون، والشيخ حرز نور، والشيخ آدم علي
متان، والشيخ محمد آدم، والشيخ أبين كورة، ومن هنا لم يكن للشيخ نور الدين إلا أن
لبّى دعوتهم ، وقام بتدريس التفسير وبعض كتب الفقه ككتاب " منهاج الطالبين
للإمام النووي، ولما أتمّ لهم المشروع أعطوه إكرامية عبارة عن عشرة من الإبل
ومائتين من العنم ، وتزوج منهم وصاهرهم.
ومن الأنشطة والحلقات العلمية لا سيما فيما يتعلق بعلم
الصرف:
- حلقة الشيخ شريف الطويل التي كان يدرس
فيها علم الصرف في مدينة قرطوا وبخاصة في مسجد عمر بن الخطاب، علماً أن حلقة شريف الطويل لم تقتصر على فن
الصرف فحسب، وإنّما كانت في مختلف العلوم اللغة العربية من النحو والصرف، وبعض كتب الأدب
العربي، كشرح
المعلقات، وممن استفاد من هذه الحلقة القاضي الشيخ محمد عمر أحمد أحد القضاة بالحكمة العليا في الصومال.
قبل ختام عن إسهامات المدرسة التقليدية في علم الصرف
وقبل أن ننتهي الحديث عن المدرسة التقليدية والتي أسلفنا
الحديث عنها خلال الصفحات السابقة ، بجدر بنا البوح بأنّ علماءنا اهتموا بعلم
الصرف منذ زمن سحيق، حيث أسهموا إسهامات عظيمة لا يستهان بها، بل وكرسوا جل
أوقاتهم لذلك، ليس من حيث التأليف والابداع فحسب، ولكن من خلال نشاطهم الدؤوب
المستمر في عقد الحلقات العلمية المختصة بفن الصرف، ونحن عندما عرضنا جهودهم
وإسهاماتهم لا يعني أننا قد استوفينا جميع جهودهم، وإنّما كان الهدف من ذلك ضرب
بعض نماذج بسيطة للدلالة على اهتمام أهل الصومال بهذا الفن المرتبط بفهم اللغة
العربية – مثل علم النحو – بالإضافة إلى أن نذكر بعض هذه النماذج من إسهامات
العلماء الصومال الأوائل لتكون دليلاً وبرهاناً واضحاً يؤكد أنّ النشاط العلمي
والثقافي التي تعيش اليوم بلاد الصومال كان له جذور عميقة ، وأنّ الحركة العلمية
اليوم ترعرت في بيئة علمية هادئة، والتي مهدت الطريق لمن يأتي فيما بعد من
الباحثين والمهتمين بهذا العلم.
إذاً.. جهود علماء الصومال في مجال اللغة العربية لا
يخفى على أحد، بحيث أنّ إسهاماتهم في النحو والصرف فلا يخفى علي كل باحث مطلع بصير
منصف، وكل من جاء بعدهم من الباحثين تتلمذ على كتبهم سواء أظهر ذلك أم أخفاه.
وقبل أن نختتم حديثنا عن المدارس العلمية التقليدية
المختصة بعلم الصرف في بلاد الصومال الكبير ينبغي أنّ نشير إلى أنّه لم يكن هذفنا عرض كل
الحلقات العلمية المتعلقة بفنّ الصرف التي كان يقوم بها علماؤناء، وهو أمر مستحيل وغير
ممكن، حتى وإن تظافرت الجهود، ورفعت القيود، وعُبرت الحدود، ولكن كان قصدنا أن
نضرب بعض أمثلة للمجالس العلمية التي كانت تجرى على جنبات بلاد الصومال الكبير ،
وخاصة فيما يتعلق بعلم الصرف وقواعده، لتكون نموذجاً حياً لمستوى الحركة العلمية
في البلاد في القرن الماضين، ودور العلماء في ازدهار الحلقات التي كانت تدرس
باللغة العربية. ونرى أنّه ينبغي على العلماء والباحثين، وكذا على القائمين على
المراكز العلمية قيام دراسات وبحوث عميقة تتعلق بمجالات اللغة العربية ودروبها
المختلفة ، ولا شك أنّ هذا الأمر سوف يبرز المستوى العلمي للحلقات العلمية
المختلفة، ليس في علم الصرف فحسب، وإنّما على كافة المجالات العلمية، بغية أن
يستفيد من ذلك الباحثون الجدد وطلبة العلم، كما أنّها سوف تكون نبراسا يستضاء
الطريق لمستقبل الحركة العلمية لمنطقتنا المترامية الأطراف.
[1] - فضيلة الشيخ أبو محمد نور الدين علي بن أحمد المجيرتيني من أهمّ الشخصيات الصومالية التي لها
وجاهة في الحقل الدعوة الإسلامية في القرن المنصرم، بل وتركت بسمات حية في الجوانب
الدعوية والتعلمية في داخل بلاد الصومال وخارجها، بحيث اشتهر رحمه الله بالدعوة
والتجديد في تعاليم الدين الإسلامي وجوهر روحه وخاصة فيما يتعلق بالنواحي العقدية
حيث يعتبر فضيلته من أوائل الدعاة الذين قاموا بالتصحيح والخربلة فيما يتعلق بالتوحيد في منتصف القرن
المنصرم، وأكثر من ذلك أنّ فضيلته من الأوائل الذين عارضوا علناً بالشطحات
والخرافات التي كان يخوض بها بعض الناس، إضافة إلى كونه قضى جلّ حياته على التدريس
وملازمة الحلقات بالمساجد وأروقة العلمية، وكذلك في المدارس النظامية. وانظر
ترجمته الكاملة في كتاب " عباقرة القرن الإفريفي، ص ، دار الفكر العربي،
القاهرة، 2016م، ص 190 – 214.
[2] - وانظر بدر أحمد سالم الكسادي: أبطال منسيون من ربابنة
الملاحة البحرية العربية، اعتنى به محمد علوى باهارون، هيئة أبو ظبي للسياحة
والثقافة، دار الكتب الوطنية، ط/1، 1434هـ/2012م، ص 119.
[3] - بدر أحمد سالم الكسادي: أبطال منسيون من ربابنة الملاحة
البحرية العربية، المرجع السابق ، ص 91.


