أسد سرمان
ووديانه مختار روبو الرحنويني
3
اللقاء المرتقب مع القيادي الشيخ مختار روبو
![]() |
| الشيخ مختار روبو |
![]() |
| د/ محمد حسين معلم |
واستمر السفر
حتى وصلنا إلى منطقة الآبار في خارج مقديشو ونزلتُ على فندق برهان الدّين،
علماً أنّ المنطقة نزح الناس إلىها وغيرها
عقب الحروب القاصية بين القوات الحبشية والحكومة الصومالية بقيادة الرئيس عبد الله
يوسف أحمد من ناحية وبين قطاع كبير من الشعب الصومالي - وأغلبهم
قبائل هوية – بالتعاون مع المحاكم الإسلامية التي كان يقودها الشيخ شريف شيخ أحمد،
وقد لجأ الناس إلى المنطقة جبراً لا اختيارا،ً فراراً من تلك الحروب المريرة التي
كانت تشتعل في العاصمة، فتركوا منازلهم وأملاكهم ، وبدلاً منها استأنفوا حياتهم من
جديد بحيث بنوا بنايات سكنية ووحدات تجارية ومرافق ضرورية أخرى للمجتمع، ولكن
المرارة والحزن والدمار كان يصاحب مع من بقوا بيوتهم أو على مخيمات لاجئين قرب
العاصمة ولم يستطعوا الخروج منها.
ولما تغير نمط
الحياة السياسية في البلاد عقب خروج الرئيس عبد الله يوسف أحمد من القيادة بضعوط
خاريجية، جاء إلى الساحة لاعبون جدد باسم التحالف الصومالي بقيادة الشيخ شريف شيخ
أحمد، ورغم انتهاء سلطة عبد الله يوسف وانسحاب الأحباش من العاصمة وغيرها من
المناطق في البلاد تجر بذيل الهزيمة .. رغم ذلك كله لم يتوقف الحرب والدماء واستمر
النزوح إلى خارج العاصمة بما في ذلك منطقة الآبار والتي سكنتُ بها، وكانت مقديشو
آنذاك منقسمة إلى قسمين، قسم تسيطر حكومة الشيخ شريف شيخ أحمد بعد توليه الحكم،
وقسم يقع تحت إدارة حركة الشباب المجاهدين، وكان يحصل كل يوم مناوشات وحروب طاحنة
بين القوات الأجنبية والصومالية من ناحية وبين مليشيات الحركة.
ومن عادتي كلما
أقدم على العاصمة أن أقوم بجولات متتابعة في جنباتها أزور من خلالها بيوت العلماء
والوجهاء من أهلنا، كما أتردد على المراكز والمكتبات الخاصة والعامة لعلني أحصل
على كتاب نفيس له علاقة بتاريخ بلادنا وحضارته وفعلاً كنت أحصل على بعض الكتب الثمينة والأوراق
المهمة. وأهمّ الزيارة التي كانت تراودني تحقيقها وكنت أزمع بقيامها زيارة بيت
الراحل فضيلة الشيخ محمد أحمد محمود الشاشي المقديشي المشهور بشيخ أبا رحمه الله بغية
التعزية واستمراية الصلة مع طلبته وأتباعه وكذا الأسرة والأهل، وقد أخبرتُ الأمر
صاحب معالي شريف صالح محمد عند زيارته له – رحمه الله قبل وفاته - وأوصاني الحذر
والتوقي مع الدعاء بالتوفيق.
هواجس قبل
موعد مع أسد سرمان:
والحقيقة بعد
مكالمتي مع الأسد وأنا في مدينة بيدوا كنتُ
أريد أن أخبره إذا تمكنتُ اللقاء معه: "بأنّه ليس العيب في أن نسقط،
ولكن العيب أن لا تستطيع النهوض، وأنّ خير للإنسان أن
يندم على ما فعل ، من أن يتحسر على ما لم يفعل ، بل أنّ الذين لديهم الجرأة على مواجهة
الفشل ، هم الذين يقهرون الصعاب وينجحون". ولكن
قبل ذلك كله كان يخالجني الخوف وعدم ثقة تجاه صاحبنا، بحيث لم أتأكد ما يدور في
مخيلته، وكذا الهدف من طبله بأن التقى به، والأسباب والدواعي الذي وراء ذلك.
ولكن قبل اللقاء مع ابن عمنا اتصل بي من أكنّه له كل
تقدير واحترام وأحد أصدقائنا الأفاضل، سعادة السفير طاهر محمود جيلي سفير الصومال
لدى المملكة العربية السعودية حالياً، وكان في ذاك يوم نائباً للبرلمان فقط في
فترة رئاسة الشيخ شريف، وكان يسكن - مع كل من معالي الوزير أحمد حسن غبوبي "
أغاس أحمد بلي" وزير الرزاعة والثروة
الحيوانية حالياً، وكان في ذلك يوم وزير الأوقاف والشؤون الدينية، وكذلك مع نائب
برلمان ووزير سابق الأستاذ عبد الرحمن محمد فارح جنقو - في منقطة قريبة بمطار
مقديشو قرب رقم 4، وطلب مني أن التق به في مقره إقامته، ولم يكن عندي أي غضاضة لهذا
الطلب بل استجبتُ الدعوة الكريمة وعبرتُ له مذا سروري للقائه وقبولي لدعوته، غير
أني أخبرتُ بأنني أسكن في منطقة الآبار وبالتالي عليّ أن أعود إلى الفندق قبل مغيب
الشمس ودخول الظلام للأسباب الأمنية، ولما عرف سعادته مكان سكني قال لي إذاً فلتأتنا قبل سفرك
بيوم ولا ترجع إلى تلك المنطقة التي تسيطر عليه حركة الشباب بعد لقائنا لأنّ ذلك
يسبب لك خطراً عليك، وفعلاً التزمتُ النصيحة مع أنّي كنتُ استغرب ذلك بحيث لم أكن
أرى أي مشكلة في ذلك ظالما لم أكن عضواً في الحكومة التي حكمت حركة الشباب عليها
بالردة والكفر. وبعد ما التقينا مع الأحباب سألتُ: كيف يمكن للحركة أن تعرف ما
يجري بيني وبينكم؟ فأجاب الأستاذ طاهر بدون تفكير: " لعل بعض حراسنا عيوناً
للحركة" وقلتُ له مستغرباً : " كيف تأمنون ويطمئن قلبكم إذا لم يكن
لديكم ثقة تامة مع الحراس"، فكان الجواب : " لا تنسى يا دكتور هؤلاء
أخواننا الأشقاء وأبناء عمومتنا وليسوا مجرد أقرباء فقط، ولكن ينبغي الاحتياط
والحيطة، وسلامتك أغلى بكل شيئ يا أخي ونحن في مرحلة حرجة وفتنة كبيرة عمت على البلاد
والعباد".
ولما عزمتُ اللقاء مع الشيخ مختار اتصلتُ بأحد الإخوة
في مدينة بيدوا ليخبر بدوره للشيخ بأنني مستعد بلقاءه في منطقة الأبار وبالتحديد فندق
برهان الدين، كما كان الاتفاق فيما بيننا من قبل بحيث طلب مني عندما أقرر اللقاء
معه بأن اتصل بهذا الأخ في بيدوا، وقد وعد الأخ بدوره بأنه سوف يوصل الخبر إلى الشيخ
وما عليّ إلا أن انتظر في الفندق، غير أنني لم انتظر طويلا وبعض دقائق فاجأني
الأسد وحيداً وبدون حراسة - وعرفتُ فيما بعد بأن الحراس في محيط الفندق – ولما
اقترب إليّ أردتُ معانقته ولكنه امتنع وأخذ بيدي واكتفى بالمصافحة وتحية الإسلام،
فقلتُ في نفسي لعل عنده إصابة ومصاب في مقدمته وبذلك لا يريد الضرر لنفسه، أو على
صدره محمية للرصاصة ووقاءها ولا يريد أن أكتشف بها، وكالا الحالتين معقولتان...وفي
الحقيقة لو لم أسمع منه تحية الإسلام المباركة ظننتُ بأنّ أخي في الدم والنسب
يعتبرني مرتداً وكافراً، ولكن الحقيقة غير ذلك وكان قلبي مطمئناً تجاهه وكان آخر مرة
التقيتُ به بداية عام 2006م وكنتُ أعرفه بالاعتدال والتروي وعدم استعجال بل ومهتماً
بالعلم والمعرفة وكثير الاطلاع على الرغم من تحمسه بالجهاد والدفاع عن ديار
الإسلام، ومحترقاً بما يجري للأمة المسلمة في فلسطين وكشمير وأفغانستان وبورما
وغير ذلك، كما كان يعرفني بأنّي على نقيض ذلك وأهتم بالدعوة والتربية وزكية النفس
ومساعدة الملهوفين ورعاية الأيتام، وكذلك تحرير
العقول قبل الحقول، وتحرير العباد قبل البلاد... وهكذا كان يعرف بعضنا يبعض
في مسارين متباينين من حيث المنهج، ولكن
يَكِنُّ كل واحد للأخر كل احترام
ومحبة.
ومهما كان الأمر عندما أتى صاحبنا كنتُ جالساً مع أحد
الدكاترة في بهو الفندق وقد نزح - هذا الدكتور وعائلته ضمن النازحين - إلى المنطقة
فراراً من الحروب في مقديشو، علماً أنّ
هذا الدكتور لم يحس بأن الرجل هو أبو منصور ولكني أخبرتُ فيما بعد، ومع أنّ مختار
عرفه وسلمه وقال كيف حالك يا دكتور -
باللغة العربية -.
ثم أدخلتُ الضيفَ في غرفتي الخاصة كما لاحظتُ على ملامح
وجهه بأنّه يريد في ذلك، ثم دخل علينا صاحب خدمة الفندق وطلبنا منه القهوة والمشروبات
الباردة.
والحديث له بقية.










