Saturday, 15 July 2023

 

وفاة الكاتب الصومالي القدير والعالم القانوني السيد محمود علي توريري

  

   
                           المرحوم محمود علي توريري           

توفي يوم الخميس الموافق 13/7/2023م في مقديشو - الصومال، سعادة الدكتور محمود علي توريري رحمه الله عن عمر يناهز 82 عامًا بعد صراع طويل مع المرض، وننعى إلى الأمة وفاة هذا العالم الجليل الذي ترك بصماته العلمية في الساحة الأكاديمية وكذا في الساحة السياسية، وقد نُشر له عدد من الكتب ، إضافة إلى عشرات من الدراسات والمقالات. وعُرف بمحاولاته الاصلاحية، وموافقه المعارضة للأنظمة والكيانات السياسية في البلاد عقب انهيار الدولة الصومالية، وطالما كان سعادته يناشد المجتمع المحلي والدولي معاً عدم المصاص والتفريط في السيادة الوطنية، أو الغدر للحرية والاستقلال التي تنعم البلاد، بالإضافة إلى ذلك كان – رحمه الله – يحدر خرق القانون والافراط بحقوق الإنسان الصومالي وغيره.
فمن هو محمود علي توريري؟

السيد محمود علي توريري من قبيلة الأبغال – من برالي ضمن مجموعة أغون يري- وأمه مكة محمود الأبغالية ولكن فرع غبلي من أغون يري. من مواليد عام 1941م في  قرية عيل برف   Ceel Baraf  قرب منطقة مهداي Mahaday   في محافظة الشبيلي الوسطى.  وبدأ التعليم  وهو صغير في قريته بمدارس تحفيظ القرآن الكريم وعمره خمس سنوات لأن أباه كان معلما للقرآن، ثم بعد ذلك انتقل إلى العاصمة مقديشو حيث عاش مع أخته فاطمة محمود علي ، وفور وصوله إليها التزم حلقات تحفيظ القرآن الكريم في حي شنغاني   Shingaani  كما كان يواصل تعليم اللغة العربية في المدارس العربية في البلاد في تلك الفترة في أوائل الخمسينات ضمن المدراس الأهلية في البلاد.

وفي عام 1954م كان ضمن البعثة  التعليمية التي اختارتهم المملكة اليمنية في عهد الإمام أحمد بن يحيى ، ومن ثم وصل إلي مدينة عدن والتحق بمدارسها في حي تواهي التي كانت مدرسة ابتدائية ثم بعد عام واحد سافر إلى مدينة تعز مقر المملكة حيث واصل دراسته التعليمية حتى أنهى المتوسطة . وقد صادف الأستاذ محمود توريري أن تخلى عنه زملاؤه في الدراسة من أهل الصومال بحيث قررو الرجوع إلى الصومال فبقي وحيدة في اليمن فسافر إلى الصنعاء وأتمّ دراسته الثانوية ،ثم التحق بكلية الشريعة واللغة بدار العلوم في اليمن التي كانت وحيدة في البلاد آنذاك. وخلال وجوده في اليمن كان يشارك مع زملاءه بالنشاط التعليمي والأدبي ، حيث أصبح شاعرا موهوبا وكان يلقى الأشعار في المحافل الثقافية ، من هنا تعرف عددا كبيرا من المثقفين المسؤولين في اليمن بحكم أن الناس كان يقدرون الشعر والشعراء، بل أصبح فيما علما من أعلام الأعلام رغم صغر سنه ومن غير أهل اليمن، وكان يستدعي في المحافل ليلقي الخطب والشعر، وخلال ذلك  تعرف الشعراء اليمنيين مثل الشاعر اليمني بردوني وأمثاله فارتفعت شهرته وداع صيته حتى وصل اسمه إلى أسماع الملك الإمام أحمد فاستدعاه فعرض عليه الجوائز إلا أنه رفض،ثم بعد ذلك خير الإمام هذا الشاب أن يطلب منه ما يشاء وأيضا رفض ذلك وبين بأن وجوده في اليمن ما هي إلا بتفضل الإمام حيث أعطاه المنحة الدراسة التي يعش بها في اليمن. وفي تلك فترة التقى السيد محمود توريري الملك سعود ملك المملكة العربية السعودية وألقى شعرا لترحيه فأعجب الملك لهذا الشاب فعرض عليه أن  يسأل ما يريده،  ولكنه كعادته فرض العرض أيضا لاسيما المال والتعليم الجامعي الذي عرض عليه الملك ليتعلم في السعودية ، لأن توريري كان يرى أن مصر أحسن من السعودية ، وذلك في أواخر الخمسينات . كما التقى خالد بن حسونة الأمين العام لجامعة الدول العربية في حفل بهيج أعدها سفير مصر في اليمن ، وفي هذا اللقاء عرض حسونة عليى توريري أن يذهب معه إلى مصر ليعطيه منحة دراسية  فقبل توريري الدعوة حيث وافق علي ذلك العرض ثم بعد ذلك أعطا السيد حسونة تذكرة سفر إلى القاهرة عن طريق الجو للسيد محمود توريري ، وانتشر خبر مجيئه في أوساط الطلبة الصومالين والذين أخبروا فيما بعد إلى بعض جهات معينة كالسفارة الإيطالية – صاحبة الوصاية للصومال حتى في تلك اللحظة – وتم استقبال توريري في المطار ، بحيث أرسل الطلاب مندوبا لاستقباله ، كما استقبله مندوب الجامعة العربية ومندوب سفارة إيطاليا في القاهرة ، فتنازع كل منهم إلى من يرافق توريري وينزل عليهم ضيفا، فقالت الجامعة العربية نحن استضفناه فنحن أحق بأن يرافقنا. أما مندوب سفارة إيطاليا قال : هو من رعايانا لأنه يحمل جواز سفر إيطاليا – لأن الصومال - وكما ذكرنا سابقا - لم تكن لها كيان سياسي معترف به المجتمع الدولي بل كانت تحت وصاية إيطاليا – فلما انكشف على أنه يحمل جواز سفر إيطالي أصبح مع سيارة إيطاليين ولم يعرف إلى أين أخذوه ، ولكنهم خدعوا ووضعوا في سفينة  تجارية وهو لا يدري هدفهم في ذلك ، فطافت السفينة إلى سواحل السودان وغيرها حتى وصلت إلى سواحل الصومال وبالذات مدينة مقديشو فاستلم به شرطة بلاد من الصوماليين والإيطاليين فوضعوه في السجن – سجن أريان تالي – Oryantaale  الواقع جنب فيات Fiat  لمدة اسبوع بسبب أنّه كان يعارض الاستعمار الإيطالي عبر خطبه وكتابه عند ما كان في اليمن.

وبعد فترة وجيزة أفرج السيد توريري من السجن عند ما تعهده عدم معارضه للسلطة المستعمر، بحيث كان يبث خطابات نضالية وخطب سياسية كلها تنصب على الكفاح والنضال ضد الاستعمار، ولكنه اختار الهدوء وعدم المعارضة، ثم خرج من البلاد خفية إلى اليمن بواسطة باخرة فوصل عدن ثم إلى تعز مقر الإمام ، ثم بعد فترة وجيزة وصل إلى صنعاء حيث كلية دار العلوم ، وبعد فترة وجيزة استطاع أن ينهي تعليمه من كلية دار العلوم عام 1959م، ثم بعد ذلك وجد منحة دراسية من الإتحاد السوفيتي، لأنّ الرجل كان له علاقات مع عدة السفارات، حيث يجتمع مسؤولي السفارة في اجتماعات، ومن بين ما تعلم مسؤوليين من سفارة الإتحاد السوفيييت ،وقد طلب مه منحة  دراسية ووافق على ذلك بشرط أن يكتب طلب في ذلك ، ولما قدم الطلب  عرض السفير على حكومته ووصلت موافقة ذلك ، ومن هنا شرع محمود علي توريري أن يذهب إلى روسيا، وكان قبل ذلك له علاقة قوية مع احدى النساء السوفيتات اللاتي جئن إلى اليمن لأجل تعليم العربية والترجمة ، وقد استفاد منها اللغة السوفيتية ، واستفادت بدورها اللغة العربية ، وقد كانا أحيانا كثيرة يخرجان إلى ضواحي صنعاء لأجل تحقيق ذلك . ومن هنا استطاع أن يجيد السوفيتية بكل سهولة وكان ذلك قبل وصوله بالاتحاد السوفييتي في عام 1959م والتحق بكلية القانون والاقتصاد بجامعة لممبا  Lamamba university  وأخذ منها بكارليوس والماجستير بدرجة الممتاز، حيث انهى بكارليوس في 1963م أما مرحلة الماجستير فكان في سنة 1965م واستطاع أن يقتصر الطريق سنوات دراسة في مرحلة الماجستير سبب تفوقه الدراسي. وعاصر توريري مع مرحلة التطور العلمي والتكنلوجي في روسيا.

ولما رجع إلى البلاد عمل في سلك المحاماه لشؤون الدولة، حيث كان يعد قوانين ويقدم لبرلمان ، كما عمل قسم الاتفاقيات الدولية في رئاسة الجمهورية، بالإضافة إلى مدافعة حقوق الدولية .

ثم بعد ذلك وجد منحة دراسية من قبل الحكومة الصومالية حيث ذهب إلى الاتحاد السوفييتي والتحق بجامعة موسكو، ومنها نال درجة الدكتوراه بعد أربع سنوات وانهى دراسته لهذه المرحلة  في عام 1977م ، ثم عاد إلى الوطن مواصلا عمله القانوني.

وفي أثناء ذلك طلبت الجامعة الوطنية أن يعمل لديها توريري كأستاذ عن طريق نظام الاعارة ، وبعد موافقة على هذا الأمر تحول عمله الرئاسة إلى الجامعة ، وقد عرض هذا الطلب رئيس الجامعة ووافقت الرئاسة بشرط أن يعمل  الجامعة صباحا، ثم يساعد الرئاسة مساءا.

انجازاته العلمية

استطاع الدكتور محمود توريري انجاز بعض كتب لها علاقة بالصومال، ومن هذه الكتب:

الحياد الايجابي وسياسة الصومال الخارجية

وهذا الكتاب تمّ طباعة الكتاب عام  1969م، ويتحدث المؤلف كتابه السياسة الخارجية لبلاد الصومال، وتطرق إلى مرحلة الاستعمار بمراحلها المتنوعة ولا سيما عهد الاستعمار الأروبي، وأثره على النواحي الاقتصادية والثقافية على السياسة الصومالية، كما أشار المؤلف إلى الحركة الوطنية الصومالية في بداية الأربعينات والخمسينات.  وتناول في السياسة الخارجية للجمهورية الصومالية في الحكومات المدنية الدستورية، وما تستند إليه هذه السياسة من دعائم وأسس تهدف إلى الوحدة  الوطنية وإقرار السلام العالمي والتعاون الدولي، ويهتم بصفة خاصة بتتبع مسلك الجمهورية الحقيقي ومواقفها كدولة نامية من التكتلات الدولية التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية، وتمسكها بسياسة عدم الانحياز ومدى تطبيقها العلمي لهذه السياسة ، ويتميز الكتاب عن غيره من الكتب عن الصومال في أنه موضوعي إلى حد كبير، وأنه على أساس دراسة الحوادث الجزئية في مختلف الميادين السياسية والاقتصادية لجمع خيوط واستنتاجات ينسج منها حججه ويقيم عليها براهينه في التعبير عن وجهة النظر لسياسة الصومال، ولا يقوم على الاندفاعات العاطفية والحملات الهوجاء والأفكار السطحية التي لا تستند إلى واقع أو حقائق، وإنما يركز على الحقائق والوقائع المجردة المقتبسة من مصادر أكثر صومالية سواء أكانت صحفاً أم خطباً أم قونين أم مراسيم. و ذكر المؤلف بعض تصرفات المسئولين المنافية لروح ومبادئ الدستور مع ذكر سياساتهم الايجابية. والكتاب بعرض النقاط الجوهرية الهامة للسياسة الخارجية الصومالية وما يتعلق بها من استعراض موجز للمؤثرات والانعكاسات في هذه السياسة . كما أن الكتاب يحمل طابع العرض الموضوعي الذي يتوخى الحجة والمنطق، والكتاب يتكون 12 فصلاً، وقد اعتمد المؤلف على المصادر والمراجع الكثيرة في اللغة العربية واللغات الأروبية الأخرى، بالإضافة إلى الوثائق المهمة والجرائد والمجلات الوطنية والعالمية. والكتاب حوالي 342 صفحة ومن إصدارات مطابع وزارة الاستعلامات الصومالية في مقديشو عام 1969م.

لمجتمع المدني والتحول الديمقراطي في الصومال

هذا الكتاب تناول التحول في العملية الديمقراطية في بلاد الصومال، ويستهدف معرفة مدى التطور والجمود والتقهقر في عملية التحول الديمقراطي في الصومال في الفترة من ( 1980 – 1995م)، وذلك  من خلال دراسة المتغيرات التي لها علاقة بالدولة والمجتمع المدني والقوى الخارجية وعملية التحول الديمقراطي. وعلى الرغم مما واجه المؤلف من صعوبات تحليلية ينجم معظمها من غياب المجتمع المدني الصومالي، فضلا عن غياب الدولة ومؤسساتها وما يلزم من ذلك من الوثائق كنتيجة من الحروب الأهلية إلا أنّه فد نجح – على نحو شديد من الموضوعية – في تقييم هذه المتغيرات وتأثيرها على دفع عجلة الديمقراطية أو تأخيرها. وقد قسم المؤلف كتابه إلى خمسة فصول، ويقع الكتاب في 146 صفحة وهو ضمن سلسلة دراسات مشروع المجتمع المدني والتحول الديمقراطي في الوطن العربي بغية رصد وتحليل واستشراق مسيرة المجتمع المدني والتحول الديمقراطي، وتنمية وتعظيم القدرات المعلمية والبحثية والتنظيمية العربية فيهما. وقام الدكتور سعد الدين إبراهيم بتقديم مهم، ومن إصدارات مركز ابن خلدون للدراسات الانمائية  الذي يرأسه – مع ودار الأمين للنشر والتوزيع في القاهرة عام 1995م.

قضية القرن الإفريقي

هذا الكتاب طبع بالقاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، عام 1979م، ويتناول المؤلف المعضلة والنزاع السياسي في منطقة القرن الإفريقي، وأولها
 النزاع الحدودي والقانوني بين الصومال وإيثوبيا.

الحياة الاجتماعية في اليمن

قرأت هذا الكتاب على شكل مخطوط وكان ذلك في عام 2002م في مقديشو عند مكتب الدكتور في حي حمر وين آنذاك ، وحسب علمي ما زال غير مطبوع. ويتناول الكتاب بعض أخبار الاجتماعية التي عاصرها المؤلف في اليمن في متصف القرن الماضي ، ولاسيما في بلاط الإمام في اليمن . وكان المؤلف يعيش في تلك الفترة بجوار الإمام لأنه كان يلقي الشعر وبعض القصائد يمدح بها الإمام والأسرة الحاكمة.

الديمقراطية وتجربة الصومال

هذا الكتاب ينتاول المؤلف التجربة الديمقراطية في الصومال وذلك في المرحلة التمهيدية السابقة على الاستقلال خلال فترة الوصاية ( من 1950 – 1960م) ثم في مرحلة النظام المدني الديمقراطي بعد الاستقلال ( من 1960 – 1969م). وفي البداية تحدث الباحث ما هية الديمقراطية ومبرراتها، وذكر نبذة عن تاريخ الديمقراطية عبر العصور ومعناها اللغوي والاصطلاحي وبداية أمرها ومكوناتها، وتحدث عن المجتمع الصومالي وتركيبته القبلية حيث كان هذا المجتمع معتاداً أن ينظر إلى وراء القبلية، حيث ظلت القبيلة هي المحور السياسي والاجتماعي الذي يدور حوله هذا المجتمع حتى عام 1941م، وخلال هذا البند ذكر المؤلف قيام الأحزاب السياسية في جنوب البلاد وشماله، ثم تناول الديمقراطية والثفاقة السياسية الصومالية ، ووصاية الأمم المتحدة على الصومال، والنظام الديمقراطي والاستقلال السياسي، وذلك بعد ان انتهت مرحلة الوصاية وانتهت معها تجربة الديمقراطية التمهيدية التي أدت إلى الاستقلال السياسي عام 1960م، وتحدث سعادت الدكتور النظرة المستقبلية كحل للأزمة الديمقراطية، واعتمد على المصادر والوثائق الأولية أفادت له معلومات نادرة إضافة إلى تجربته العلمية ومعاصرته بعد  الأحداث الواقعية. ونهاية هذا البحث اللطيف جاء تعقيب من قبل الدكتورة نجوى أمين الفوال – خبير أول المركز القومي للبحوث والاجتماعية،ونشر البحث ضمن مجموعة الأبحاث والعقيبات التي ألقيت في ندوة العلاقات العربية الأفريقية التي عقدها مركز البحوث والدراسات السياسية في القاهرة من 8 – 11 نوفمبر سنة 1992م،  وذلك بالاشتراك مع الجمعية الإفريقية والعربية للعلوم السياسية. ويأتي هذا البحث من صفحة 277 إلي 307، ونشر عام 1994م.

رحم الله الدكتور محمود علي توريري وأسكنه فسيح جناته وألهم ذويه الصبر والسلوان.

Friday, 19 May 2023

 

إسهامات علم الصرف في الصومال بين المدرستين التقليدية والنظامية

 (الحلقة الأخيرة)

ولا شك أنّ علوم العربية تكمل بعضها بعضًا، وأنّ النحاة القدامى كانوا على وعيٍ بالعلاقة التي تجمع علم الصرف بعلم الأصوات، لأنّ علاقة الصرف بالصوت وثيقة وعلاقة متلازمة؛ حيث لا يستغني أحدهما عن الآخر.

وفي هذه الناحية فعلماء اللغة قديمًا كانت دراستهم لمادة الصرف وثيقة الصلة بعلم الأصوات، ولم يفصلوا بينهما لقوة العلة الجامعة بينهما، فما الصرف إلا تقلُّبٌ لأوجه الكلمة، هذا التقلب ينتج عن تحولات صوتية خاصة كالإدغام والإعلال والحذف؛ لذلك يمكن "اعتبار علم الصرف من بين أقرب علوم اللغة إلى الصوتيات؛ إذ إن كثيرًا من المباحث الصرفية تقوم على أساس صوتي؛ (فهي مباحث صرفية صوتية)، فإذا كان علم الصرف يدرس بناء الكلمة، وما يعتريها من تغيرات، فإن هذه التغيرات التي تمس بنية الكلمة ذات طبيعة صوتية غالبًا، كالإعلال والإبدال، والحذف والزيادة، والإدغام والإمالة والوقف.. [1]

 وفيما يتعلق بعلم الصرف أنجز الدكتور فوزي أيضاً رسالة علمية لطيفة أطلق عليها:

- السائل والمجيب في فنّ الصرف

وهنا قام فضيلة الدكتور فوزي – كغيره من الباحثين - بتسهيل تعليم علم الصرف بطريقة أكاديمية عالية، عرضه على طريقة سؤال وجواب فيما يتعلق بفنّ الصرف، وهدف الباحث إنّما هو تيسير فهم الكتاب وتسهيل حفظه حتى يثبت القلب  في فهماً وحفظاً.

والحق يقال ليست هذه الجدارة اللغوية ما يستغرب في حق الدكتور فوزي لأنّ سعادته أخذ علم الصرف من مجموعة من العلماء المهاهرين في هذا الفن، بالإضافة إلى عدد من كتب الصرف المعروفة، مثل:

-  كتاب لامية الأفعال لبدر الدين،  أخذه على يد الشيخ أحمد حسن عثمان صالح.

-  كتاب شذ العرف في فنّ الصرف،    تتلمذ فيه على يد الأستاذ عبد الناصر محمد معلم.

- كتاب فنّ الصرف، وكتاب الكافي، تلقّى الكتايبن من الشيخ محمود.

ومن الدراسات الأكاديمية التي قدمها الباحثون في مجال الصرف وفنونه في مراحل الدراسات العليا:

- تحليل معاني أبنية المصادر القياسية والسماعية في سورة الإسراء – دراسة صرفية وصفية تحليلية

لفضيلة الشيخ عبد القادر شيخ محمد آدم المعروف بـ الشيخ عكاشه، وهذه الدراسة عبارة عن بحث تكميلي مقدم إلى قسم الدراسات العربية بكلية الدراسات الإسلامية واللغة العربية لنيل درجة الماجستير في اللغة العربية من الجامعة الإسلامية في أوغندا.

- الأبنية الصرفية في سورة الأعراف – دراسة صرفية وصفية تحليليلة

وهذا البحث قدمه أيضاً فضيلة الشيخ عبد القادر شيخ محمد آدم ( عكاشه)، والدراسة ضمن البحوث العلمية لنيل درجة الدكتواه في اللغة العربية قسم اللغة العربية بالجامعة الإسلامية العالمية للدراسات الشرعية والإنسانية بجمهورية النيجر.

- المسح اللغوي في الصومال وتأثير اللغة العربية في اللغة الصومالية

للباحث الراحل الأستاذ عبد الرزاق حسين حسن – رحمه الله - أحد اساتذة الجامعة الوطنية الصومالية ، ورئيس قسم اللغة العربية، وبعد انهيار كيان الدولة الصومالية في عام 1990م تحول من العاصمة إلى شمال الشرق للبلاد وخاصة مدينة بوصاصو حيث ركز على التعليم والأعمال الخيرية ، وقضى جل وقته في ذلك، وقد توفى في منتصف شهر أغسطس عام 2022م.

وقد قسم الباحث دراسته إلى أربعة فصول ، استهل في البداية لمحة قصيرة عن بلاد الصومال جغرافيا ، وفي الفصل الثاني تناول المؤلف فيه تأثير اللغة العربية في الصومالية على المستوى الصوتي  سواء في الصوامت الصوائت: وفي الفصل الثالث تحدث فيه عن اللغة العربية في الصومالية على المستويين الصرفي والنحوي . وتناول في الفصل والرابع والأخير سبل تأثير اللغوي ونماذج من ذلك.

وقام بطبع هذا الكتاب مركز الوثائق للدراسات الإنسانية بجامعة قطر- الدوحة ، في عام 1411هـ الموافق عام 1991م ، ويقع الكتاب حوالي 155 صفحة.

- أصول اللغة الصومالية في العربية

لمعالي شريف صالح محمد علي – رحمه الله – وكتابه هذا عبارة عن مقدمة لدراسة لغوية مقارنة بين اللغة العربية والصومالية ، وجٌلّها دراسة معجميّة ترمي إلى إظهار الروابط الموجودة بين اللغتين العربية والصومالية على مستوى الفصيحة واللهجة . وبصورة خاصة اللهجات العربية الجنوبية قديماً وحديثاً. هذا وتضمن كتابه -رحمه الله - إلى جانب ذلك  دراسة لجوانب من علم الصرف حيث تناول في الفصل الثالث من الكتاب  ما له علاقة بظاهرة القلب والإبدال وصور التصحيف بصفة عامة للألفاظ العربية ودراسة ظاهرة التصحيف وخصائصها البِنيَوية والصرفية. وللمعجم منهج خاص عند البحث عن الكلمة والوقوف على طريقة نطقها الصحيح. وفي الفصل الرابع من هذا الكتاب تحدث المؤلف عن الأصوات الصومالية لتجلية بعض ملامحها المميزة ومقارنتها بالأصوات العربية . وبالتحديد تحدث عن المخزون الفونيمي والخصائص المميزة لبعض الصوامت، والنبر  والنغم والتنغيم . وفي الفصل الخامس عالج أوجه التشابه بين اللغتين العربية والصومالية وطبيعة الازدواج في الصومالية التي يتضافر فيها المعجم العربي ؟؟؟بأخر الصومالي موازياً له ، والعكس صحيح.  أما الفصل السادس فيبحث فيه عن تأثير القرآن الكريم في اللغة الصومالية ، وتعدد مستويات هذا التأثير بدءاً من الفلكلور الشعبي إلى لغة العلم والدين والحرف. مركزاً على التعابير اللغوية المشتركة بين اللغتين ، واستعرض المؤلف لبعض الأمثلة والنماذج قوامها 16 نموذجاً ، وعن حديثه عن صلة الصومالية بلغة القرآن أشار إلى انتمائهما إلى جذور واحدة ، قائمة على بيئة خضارية ، وعرض طرقاً وأمثلة توضح هذه العلاقة على سبيل الألغاز والتمارين الذهنية ، وأكثر هذه الأمثلة تنتشر في الأقاليم الجنوبية وخاصة في مناطق " جوبا العليا". واختتم المؤلف في هذا الفصل بالحديث عن الصيغة الشعرية لإيصال الخبر.

ولا غرابة في هذا الاطلاع الواسع للمؤلف على هذه الدقائق اللغوية حيث  إنّ المؤلف شريف صالح شريف تنحدر عائلته من احدى وعوائل جمل الليل المعروفة في شرق إفريقيا لاسيما قطر بنادر الصومالي وسواحله الجنوبية. وقد درس العلوم العربية من نحو وصرف على أيدي أساتذة أكفاء، فعلم النحو - مثلاً - درس من كتاب الأجرومية علي يد الشيخ حسين معلم الهدمي فرع  لِكْسِي (Liksi ) ، كما درس علم الصرف من كتاب اللامية الأفعال علي يد الشيخ حسن الشيخ علي الحسني، الذي شرح له وسهّل له حفظها ، غير انّ تمكنه وتعمقه في هذا الفن وقواعده كان سببه أنه تتلمذ علي يد أحد الشيوخ من قبيلة أيمد ( Emat) الرحنوينية ، ودرس كتابى ملحة الأعراب و الكفراوي علي يد الشيخ عبد الله الأجوراني من قبيلة أجوران (Ajuuraan) المشهورة في جنوب البلاد ، ، كل ذلك قد تم في بيت أبيه ، وهكذا واصل رحلته العلمية.

وفي ختام هذه السلسلة من المقالات حول إسهامات أهلنا في علم الصرف؛ في السطور السابقة ناقشنا بعض الجهود العلمية لأهل الصومال في علم الصرف سواء كانت هذه الجهود العلمية ما صدرت بمبادرة من قِبل العلماء الأوائل أنفسهم من خلال حلقاتهم العلمية، وإنتاجهم العلمي تجاه فنّ الصرف، أو ما ساهمها الباحثون بدورهم من خلال دراساتهم العلمية واطروحاتهم الأكاديمية حول الصرف في اللغة العربية والصومالية في المستوى المعياري الفصيح أو اللهجي في إطار البحث العلمي في أقسام  الدراسات العليا للجامعات ، وما قدمناه في هذا المضمار إنّما هو من باب ضرب الأمثلة وطرح النماذج المتوفرة لدينا من البحوث والدراسات الأكاديمية التي تناولت علم الصرف بأي وجه من الوجود العلمية، ولا ندّعي – والكمال لله - بأننا  أحطنا الجهود العلمية التي أنجزها الباحثون في مختلف المراحل الدراسات العليا من الدبلوم والماجستير والدكتواه وما شابه ذلك، لأنّ الحصر والإطاحة أمر صعب يتطلب إلى مسح كامل وشامل في المعاهد والجامعات العربية وغيرها في العالم.

وعموم الدراسة التي قدمناها هنا تدل على مدى اهتمام أهل الصومال باللغة العربية عبر العصور المختلفة، بما في ذلك الصرف الذي يشكل أساسا ً من الأسس المهمة في اللغة العربية قديماً وحديثاً، بل إنّ كل من اشتغل باللغة العربية – من نحوي أو لغوي - يحتاج إليه ولا يستغني عنه.

ونعتقد بأنّ بحثنا هذا المتواضع سوف يكون مفتاحا – إلى جانب علم الصرف- للدراسات والبحوث في جميع المجالات اللغوية كلها للنهل منها ولمزيد من الإثراء فيها.

 

 



[1] - محمد رضا الجزاري: العلاقة بين علم الصرف وعلم الأصوات، مقال نشر في 28/2/1443هـ الموافق 6/8/2021م في شبكة الألوكة الأدبية واللغوية.


Thursday, 11 May 2023

 

إسهامات علم الصرف في الصومال بين المدرستين التقليدية والنظامية (17)

علاقة علم النحو بعلم الصرف

ليس هدفنا هنا أن نتحدث عن أقسام اللغة العربية ولهجاتها المختلفة، وإنّما نريد أن نبرز بأنّ اللغة العربية لها أقسام تحدث عنها علماء علم اللغة والمختصون فيها في مظانها، ويذكر هؤلاء بأنّ اللغة العربية تنقسم إلى عدة فنون وفروع والتي تشكل الأسس والمحاور التي تدور عليها اللغة وبالتالي تكون قِبلَة الباحثين والدارسين لها؛ كعلمى النحو، والصرف، وعلم البلاغة بأقسامها الثلاثة من المعاني والبيان والبديع، وعلم العروض والقواقي وعلم الأصوات وعلم تدريس اللغة العربية كلغة ثانية لغير الناطقين بها والتي صارت في الآونة الأخيرة فرعا مستقلا بذاته له اختصاصه ودراساته التي تُعنَى به.

وفيما يتعلق بالعلاقة بين علم الصرف وعلم النحو ، لا شك أنّ بينهما ارتباطاً جعل بعض علماء اللغة يطلقون عليهما اسماً واحداً هو " قواعد اللغة" أو ما يفضّل بعضهم  إطلاقه عليهما معا بالنحو على أساس أن النحو لا ينفصل عن الصرف والا يستغنى أحدهما عن الآخر.[1]

والمطلع على بعض البحوث والدراسات التي أنجزها الباحثون من أهل الصومال يظهر له بأنّ هذه البحوث تؤكد علاقة علم النحو بعلم الصرف من خلال ابداعتهم البحثية، ومن ذلك:

-     الأسماء العاملة عمل الفعل في اللغة العربية وطرق تدريسها لغير الناطقين بها

وهذا البحث حققه سعادة الدكتور عبد الله شيخ دون عبد[2]، وهو – أي البحث عبارة عن بحث تكميلي لنيل درجة الماجستير في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها من معهد الخرطوم الدولي للغة العربية التابع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بالخرطوم في مايو عام 1997م. وقد أشار المؤلف إلى أنّ هناك علاقة وثيقة وارتباطا قويا بين علم النحو وعلم الصرف، وأنهما جزءان لا يتجزآن، وأنّ قواعد اللغة العربية بشقيها النحو والصرفي مكملان لبعض . وتناول الباحث في الموضوع جانبين، جانبا صرفيا وجانبا نحويا، وركز على الجانب النحوي لأنه الجانب الذي يتعلق بعمل الأسماء ، وشروط عملها وما يستتبع ذلك مما له صلة بالباب.. أما الجانب الصرفي فيمر المؤلف عليه مرورا ولا يتوقف عنده كثيراً إلا ما دعت إليه ضرورة البحث العلمي. وفي القسم الأخير من الكتاب ناقش المؤلف فيه كيفية تدريس النحو وتبسيطه من غير تفريط في القدر الذي  يُفترَض أن نقدّمه  لأبنائنا الدارسين لقواعد العربية . ولكل قسم من قسمي الكتاب فصول مستقلة . والكتاب غير مطبوع ويقع في 159 صفحة.

- أطروحة علمية قدمها الأستاذ مصطفى حاج حسن حسين[3]في مرحلة الماجستير بعنوان: آراء المستشرقين في اصالة النحو العربي.

وهذه الدراسة عبارة عن دراسة أكاديمية علمية قام بها الباحث لنيل درجة الماجستير ، ورغم أنّ هذه الدراسة تحمل هذا العنوان ( أصالة النحو العربي وآراء المستشرقين) إلا أنّ الباحث تناول فيها أيضاً نشأة علم الصرف والنحو معاً مما يدل على العلاقة الوثيقة والتوأمية بين فنى الصرف والنحو معاً، وقد أبرز الباحث في هذه الدراسة الإهتمام الذي يوليه المستشرقون بالدراسات اللغوية المتعلقة بالعربية وفنونها ونشأة علم النحو والصرف وصلته بدراسة العلوم الشرعية لكونه البوابة التي يدخل منها الدارس للشريعة وعلومها كما وأشار الباحث في بعض فصول البحث أراء هؤلاء المستشرقين حول الأصل اليوناني والسرياني للنحو العربي، على ضوء المصادر اللغوية العربية في القديم والحديث.

الصرف بين اللغتين العربية والصومالية على المستوى الفصيح واللهجي

استعرض بعض الباحثين التداخل وتأثيرات اللغة العربية في اللغة الصومالية ، وبخاصة عند استعارة الصومالية من العربية بعض الألفاظ والكلمات، وما يعتري عليها من تغييرات صرفية  إثر انتقال هذه الكلمات من أصلها في اللغة المستعار منها والدرسات الأكاديمية في هذا الصدد جمَّة وكثيرة يصعب استقصاؤها واستيعابها. 

هذا، وقد قام بعض الباحثين بدراسة تقابلية بين اللغتين الصومالية والعربية، سواء على مستوى المعياري الفصيح أو على المستوى اللهجي. ومن هذه البحوث:

-     الألفاظ العربية في اللغة الصومالية: دراسة تحليلية في المبنى والمعنى

هذه الدراسة  أنجزها فضيلة الدكتور عمر أحمد وهلية، بحيث ترصد الدكتور التغييرات التي وقعت في اللغة العربية حين انتقلت إلى  اللغة الصومالية، وكذا التغييرات التي تخضع لهذه الظاهرة سواء كانت تغييرات  صوتية أو صرفية أو دلالية ، مما يعطينا تصوراً شاملاً عن قواعد صوملة الكلمة العربية، وتجيب الدراسة عن أسباب هذه الظاهرة، وما أعقبها من القواعد التي يمكن أن تحكم هذه الظاهرة. واتَّبع الباحث منهج الوصف والتحليل. والدراسة بجملتها تحتوي على مقدمة وأربعة فصول وخاتمة وملحقين. ففي الفصل الأول تناول ظاهرة انتشار العربية في الصومال، حيث تحدث عن الهجرات العربية إلى الصومال وكيف ساهمت هذه الهجرات في انتشار العربية في الصومال عبر التاريخ، وكذا عن العربية والإسلام في الصومال، وعن اللغة الصومالية من حيث الأصوات وبنية الكلمة وبناء الجملة وتأثير العربية في الصومالية. أما الفصل الثاني فتناول فيه أشكال التغيير الصوتي الذي تعرضت له الألفاظ العربية المقترضة في الصومالية من حيث التغيير بالابدال والتغيير بالقلب المكاني والتغيير بالحذف. وفي الفصل الثالث تحدث فيه المؤلف عن أشكال التغيير الصرفي، حيث تناول أكثر الصيغ الصرفية، والزيادات أو اللواحق الصومالية التي تلحق الكلمة العربية المقترضة في الصومالية، كما تناول استخدام الصومالية لأساليب الجمع العربية والتبادل بين المفرد والجمع. والفصل الرابع فقد تناول فيه الباحث أشكال التغيير الدلالي الذي لحق بالكلمات العربية المقترضة في الصومالية ، ومن حيث نقل المعنى وتوسيعه وتصنيفه. واختتم بحثه بالنتائج التي توصل إليها من خلال بحثه وبعض التوصيات. وفي النهاية أثبت ملحقين تحدث في أولاهما عن تعليم العربية في الصومال والمشكلات التي تقابلها، وفي ثانيهما ذكر قائمة من الألفاظ العربية المقترضة في الصومالية، والكتاب يقع في 186 صفحة، ونال المؤلف هذه الدراسة درجة الماجستير  اللغة العربية من معهد البحوث والدراسات العربية في القاهرة ، قسم البحوث والدراسات الأدبية واللغوية في عام 1993م.

-     دراسة تقابلية بين اللغة العربية والصومالية على مستوى الصرف

وهذ البحث الأكاديمية أنجزه الأستاذ علي موجي أحمد ،  وهو عبارة عن دراسة تكميلية أعدّها الباحث لنيل درجة الماجستير في اللغة العربية من معهد الخرطوم الدولي للغة العربية بالخرطوم – السودان، عام 1979م.

-      دراسة تقابلية بين اللغة العربية واللغة الصومالية الماي على المستوى الصرفي

وهذا البحث جاء نتيجة الجهد العلمي الذي بذله الأستاذ عبد الله محمد خيري[4] للحصول على  درجة الماجستير في اللغة العربية، من معهد الخرطوم الدولي في السودان.

وقد هدفت هذه الدراسة إلى إجراء دراسة تقابلية بين اللغة العربية واللغة الصومالية الماي على المستوى الصرفي؛ لمعرفة أوجه التشابه والاختلاف بين اللغتين من الناحية الصرفية، ومن ثم تحديد أماكن الصعوبة والسهولة في تعليم اللغة العربية للناطقين باللغة الماي، واقتراح الحلول المناسبة للمشكلات المتوقعة، وقد اتبع الباحث في هذه الدراسة المنهجين الوصفي والاستقراء المقارن.  وتوصل الباحث إلى النتائج التالية:-

أثَّرت اللغة العربية على اللغة الصومالية الماي تأثيرا شاملا لكل المستويات اللغوية الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية. ونتيجة للتأثير المذكور تتفق اللغتان في قواعد أساسية. هذا وقد أوصى الباحث بالآتي: إجراء دراسة تقابلية بين اللغة العربية الفصحى واللغة الصومالية الماي على المستويات التي لم تتطرق إليها الدراسة بعد. كما أوصى الباحث أيضا الجهات المسئولة عن التعليم في الصومال، سواء أكانت جهات حكومية، أم أهلية تشجيع مثل هذه البحوث ونشرها لتعم الفائدة.

الجدير بالذكر أنّ الباحث ركز في الفصل الثالث النظام الصرفي للغتين العربية والصومالية، كما استعرض في الفصل الرابع إجراء مقابلة بين اللغتين فيما يتعلق بالأسماء والأفعال.

ونلفت الانتباه إلى أنّ دراسة الأستاذ عبد الله محمد خيري ليست وحيدة من نوعها التي تقارن بين اللغة العربية والصومالية في مستوى اللهجي لاسيما لهجة " الماي" الصومالية، بل إن هناك أيضاً دراسات قام بها أهل الصومال على نحو ذلك مثل الدراسة الأكاديمية التي قدمها سعادة الدكتور فوزي محمد بارو [5] بحيث قام بدراسة تقابلية بين اللغة العربية ولغة ( لهجة) ماي الصومالية ، ولكن على المستوى الصوتي، قد سماه بحثه:

_ دراسة تقابلية بين اللغة العربية ولغة ماي الصومالية على المستوى الصوتي

والباحث هنا قام بدراسة تقابلية بين اللغة العربية ولغة ماي الصومالية على المستوى الصوتي. وقدم الدكتور هذه الدراسة لينال درجة الماجستير في اللغة العربية من معهد الخرطوم الدولي بالسودان عام 2004م.

الجدير بالذكر أنّ علم الصرف يهتم بتغيير الكلمة معنى طارئ عليها، وينحصر في الزيادة، والحذف والإبدال والقلب والنقل والإدغام، وفي هذا الإطار نستيطع القول بأنّ علم الأصوات له علاقة مباشرة بعلم الصرف، لأنّ الأخير يعتمد في مسائله وقضاياه على نتائج البحث الصوتي، بينما علم الأصوات يعدّ مقدمة للصرف لدراسته تراكيب الكلمات.



[1] - الدكتورة شيخه عيسى غانم العري: القواعد النحوية والصرفية، في مدارس التعليم العام بدولة الإمارات العربية المتحدة ، بين النظرية والتطبيق، مركز حمد بن محمد لإحياء التراث، ط/1، 2015م، الإمارات، الصف التاسع أنموذجاً، مركز حمد بن محم ص 16

[2] - أحد الباحثين من أهل الصومال الذين نشأؤا على الثقافة العربية في مراحل حياتهم العلمية الأولى، ولما أنهى تلك المراحل رحل إلى السودان واستأنف المراحل التعليم العليا، ونال درجتي الماجسيتير والدكتواره من السودان، وخاصة معهد الخرطوم الدولي ، ثم جامعة النيلين بالخرطوم. ولما عاد إلى الصومال انضم إلى هيئة التدريس في بعض الجامعات في مقديشو مثل الجامعة الإسلامة في الصومال، والدكتور عبد الله من المتواضعين الذين لا يحبون الظهور رغم قدرتهم العلمية والثقافية، وأكنّ له ولأمثاله كل التقدير والاحترام، حفظ الله الدكتور في حله وترحاله.

[3] - الشيخ الأستاذ مصطفى حاج حسن حسين هلولي، ينحدر من أسرة دينية محافظة وكان أبوه من رواد الطريقة الصالحية، ولما أنهى دراسته الأولى في الصومال رحل مصطفى إلى المملكة العربية السعودية والتحق بجامعة الإمام محمد بن سعود ، ثم الدراسات العليا ،فرع الجامعة بالمدينة المنورة. وبعد تخرجه في الجامعة أصبح مشغولا بمجال التعليم والدعوة والتربية.

[4] - أحد الباحثين المثقفين المتحمسين في الثقافية الصومالية وعلاقاتها بالثقافة العربية، وينحدر من منطقة بكول وخاصة من قبيلة هدمي، ويهتم الأستاذ عبد الله بقضايا الوطن وفي مجالات تعدد الثقافات واللغات واللهجات. واشتغل في المجال الإجتماعي حيث يعد من المؤسسين بعض المدراس والمراكز ذات طابع عربي إسلامي في منطقة باي وبكول، وهو الآن من الدبلماسين الصوماليين في سفارة الصومال في دوجة بدولة قطر الشقيقة.  

[5] - الدكتور فوزي محمد بارو شيخ مومن عمر شريف الملقب ب (فوزان) أغلب دراسته النظامية كانت في السودان من الثانوية حتى الدكتوراه، وله عدد البحوث أغلبها في اللغة العربية وفنونها المختلفة بين مطبوع ومخطوط، وهو رئيس جامعة فتح الرحمن، حفظه الله وانظر ترجمته الوافية في كتاب معجم المؤلفين الصوماليين في العربية.


Thursday, 4 May 2023

إسهامات علم الصرف في الصومال بين المدرستين التقليدية والنظامية (16)

دراسات أكاديمية في علم الصرف 

فقد عرضنا جهود العلماء على مستوى الصومال الكبير قديما وحديثا في علم الصرف وتبين لنا من خلال استعراضنا لها بنظرة منصفة أن الجودة العلمية وطريقة تدريس فنون اللغة العربية بصفة عامة لا تقل شأنا -إن لم تكن أفضل - من الدراسات ألأكاديمية في المراحل الجامعية العالية.  ولئن كانت تلك الجهود عامة في كافة الأقاليم الصومالية بحيث  لم تخل  منطقة من حلقة علمية تعنى بدراسة اللغة العربية, فإن بعض المناطق كانت تفوق على غيرها من المناطق، بل ونجد أن بعض المناطق كانت تشتهر بدراسة علم الصرف لشدة عناية علمائها وطلابها بهذا العلم أكثر من غيرهم من العلماء في أرجاء أراضي الصومال المعمورة.

وكان للمدارس التقليدية في علم الصرف - على مستوى منطقة ساحل الشرق الإفريقي- التي سبق أن أشرنا إليها الفضل حيث مهّدت الطريق للباحثين الأكاديميين الصوماليين الذين بزّوا في ميدان البحث العلمي في هذا العلم الذي نحن بصدد الحديث عنه. ونزعم بأن الإنجاز العلمي الأكاديمي في هذا الميدان الذي تحقق على يد الباحثين الصومايين كان امتدادا لتلك المدارس التقليدية التي أغدقت بعلومها على روّاردها.

لقد أصبح علم الصرف الذي يدرس الكلمة وما يحدث لها من تغييرات جذرية عدة - سواء كان ذلك حذفا أم زيادة أم تغييرا في الشكل، أو غير ذلك  - يمثل جانباً مهماً في حقل الدراسات اللغوية، لذلك فلا يستغرب ان يهرع الطلبة الصوماليون الباحثون وقت اختيار البحوث الأكاديمية والأطروحات العلمية  - في مراحل الدبلوم والماجستير والدكتوراه –  إلى المواضيع والعناوين ذات الصلة الوثيقة بعلمي النحو والصرف. وهذا الاهتمام لم يأت عن فراغ  لأن دراسة علوم اللغة العربية بفنونها بصفة عامة ودراسة علم الصرف بصفة خاصة من أولوياتهم ومن أساس العلوم التي رضّعوا ألبانها ولأن كل إناء بما فيه ينضح.

ورغم غزارة الدراسات والمؤلفات التي [1] أشبعت بحثا في علم الصرف  إلا أنّ الباحثين ما فتئوا عاكفين – بكل نهم -  على دراسته بغية تحقيق إنجاز أكثر وإبداع إضافة نوعية تساهم بالشئ الكثير في رصيد علم الصرف لأهميته بحيث يشكل  إلى جانب العلوم اللغوية الأخرى - الأساس لفهم مفردات اللغة ومعانيها التي يؤدي إلى فهم النصوص المقدسة من القرأن الكريم وتعليمها وشرحها، وكذا فهم السنة النبوية الشريفة وتعليمها وشرحها  لهذا يصعب إهمال هذا العلم  أو الاستغناء عنه، لأنّه يحافظ على سلامة التراكيب الصحيحة، وهو صمامها الأمان الذي يحميها كتابةً وتحدثاً ويعين كذلك في صياغة جملها ومفرداتها ونطقها.

والبحوث التي نستعرض هنا ليست بالضرورة بأن تحمل مباشرة العناوين الصرفية المعروفة عند أهل الفن ، والتي تعالج الأبواب المتعلقة  ببناء الكلمة وأحوال هذه الأبنية التي لا تخصَ الإعراب ولا البناء ، ذلك لأن الصرف يبحث التغيير الذي يظهر على صيغة الكلمة وبنيتها؛ الصحيح  الذي خلا من أحرف العلة بأقسامه الثلاثة: السالم والمهموز والضعيف  والمعتل باقسامه الأربعة: كفعل معتل مثال، وفعل معتل أجوف، وفعل معتل ناقص، وفعل معتل لفيف. وليس هدفنا هنا حصر كل البحوث والدراسات المتعلقة بعلم الصرف، لأنّه أمر في الحقيقة يصعب تحقيقه وتنفيذه، ولكننا نحاول بقدر الإمكان ضرب بعض النماذج من خلال عرضنا لبعض الدراسات والبحوث الأكاديمية التي قام بها الباحثون من أهل الصومال، لنولي  بعض الأهية بحيثيات الدراسة من حيث هي ومداراتها، ومناقشة الفكر الرئيسي للبحث.

الرحلة العلمية إلى خارج المنطقة

ولكي يتمكن الباحثون الصوماليون من  الحصول على العلم والمعرفة في مجال اللغة العربية شرعوا في الرحلة العلمية إلى مراكز العلم في اليمن والحجاز والشام ومصر وغيرها والتي كانت تشكل منذ القرون الوسطى أوكارا للعلوم الشرعية والعربية تستقطب طلبة العلم من الداخل ومن الخارج.

هذا، ونستطيع القول بأنّه لم تتوقف الرحلات العلمية لطلبة العلم والباحثين من أهل الصومال حيث كانوا ضمن  الروّاد الذين نهلوا  من تلك المنابع العلمية منذ ذلك الوقت حتى يومنا، وفرضوا أنفسهم على كل ميدان من الميادين العلم والمعرفة حتى أثبتوا جدارتهم  وصار لهم وجود ذو طابع ملموس. وكانت هذه الرحلات العلمية التي تتابعت على قدم وساق نابعة عن قناعة وإدراك لدى طلبة العلم في بلاد الصومال، لأهمية دراسة اللغة العربية في موطنها الأصلي سواء كان ذلك في المراكز أو الجامعات والمعاهد المتخصصة في ذلك أو غيرها، الأمر الذي استهواهم وحفّزهم  لأن  يشدّوا الرحالة إلى الديار العربية بهدف نيل العلوم الإسلامية والتفقه في الدين. وحيث إنهم اصطحبوا معهم خلفية لغوية رصينة ومتينة في علمي النحو والصرف، فإنهم لم يواجهوا أية صعوبة في في الاستمرار في الازدياد  من المعرفة والتعمق في العلم.

وقد شرع بعض الباحثين في  اختيار بحوثهم وأطروحاتهم اللعلمية حول علم  الصرف ومجالاته  مع الإدراك والمعرفة مسبقاً بأنّ الخوض في مسائل علم الصرف ليس أمراً يسيراً، الّا في حالة إذا حالف الإنسان توفيق الله ثم تحلى بالصبر وتجشم المعاناة لنيل المأرب ولتحقيق الهدف. ومن هنا تجاسر الباحثون الصوماليون – كغيرهم – مخاطر الخوض في علم لم ينل ما ناله غيره العلوم من حيث الدراسة والبحث العلمي الذي يخدمه ويعبّد للناس طريق الوصول إليه. ولاشك  في أن عودة هذه الرحلات العلمية الوطنية وغيرها إلى البلاد باتت فيما بعد من العوامل التي طورت الحياة الثقافية في الصومال وبخاصة اللغة العربية، رغم ما حدث من الأنهيار والدمار للبلاد

الباحثون امتداد من المدارس التقليدية

القرآن الكريم هو أول ما كان يبدأ  به طالب العلم في الصومال في طفولته، وبعد إتمامه من هذه المرحلة كان يشرع في إكمال رحلته العلمية الطويلة، كدراسة علوم اللغة العربية ، لا سيما وأن علم النحو والصرف من أوائل ما كان يهتمّ به طالب العلم المبتدئ. ومن هنا لم يكن من الغرابة بمكان من أن يضطر أهل العلم في الصومال وأساتذة الحلقات العلمية في المساجد والزوايا لتأليف ووضع كتب مفيدة ، ورسائل نفيسة في علمي الصرف والنحو، لأنّهم -كما ذكرنا سابقاً-كانوا يرون أنّ تعلم النحو والصرف وسيلة لفهم الشريعة والدين وليس غاية بذاته. وأنّ فهم الشريعة والتفقه في الدين من أوجب الواجبات من وجهة نظرهم لذا ، فقد التمس كثير من طلاب العلم الاستمرار والمحاولة على المزيد في المعرفة والتعمق في العلم من خلال الحلقات العلمية المنتشرة في ربوع بلاد الصومال والتي كان يعقدها العلماء والفقهاء.

والمتتبع بآثار  لآثار الباحثين وتراجمهم[2] يظهر له بأنّ غالبتهم تخرجوا في الحلقات العلمية التي كان يسوسها العلماء العارفون ،  كل في تخصصه، بما في ذلك متخصصوا علمي  النحو والصرف. وقد تحدثنا  عن نوعية العلوم التي كانت تدرس في الحلقات العلمية بالصومال ، وخاصة الدروس والمواد التي تتعلق باللغة العربية وآدابها ، ورأينا أن هذه الحلقات والزوايا  كانت تدرس أغلب العلوم العربيه من نحو وصرف وبلاعة وعروض  ومنطق وغير ذلك، من فنون  اللغه العربيه. أما فنّ الصرف فأشهر كتبه في الحلقات الصومالية لامية الأفعال لابن مالك الأندلسي، وشرح نجله بدر الدين عليه، ونظم حديقة التصريف للعلامة الصومالي  الشيخ عبد الرحمن الزيلعي ت(1880)، وشرحه  للمؤلف نفسه( فتح اللطيف في شرح حديقة التصريف)، وكتاب( نثر الجواهر في قاعدة الصرف الفاخر للشيح عبد الرحمن بن الشيخ عمر الأبغالي الصومالي، ثم الشافية في علم التصريف لابن الحاجب (ت646هـ)، وكتاب الترصيف في علم التصريف للشيخ عبد الرحمن بن عيسى العمري.[3]



[1] - انظر على سبيل المثال ممن كتب في مجال دراسات في علم الصرف كنموذج:

-       د. عبد الله درويش: دراسات في علم الصرف، ط/2، مكتبة الطالب الجامعي، مكة المكرمة، 1408هـ/1987م.

-       أ.د. السيد أحمد علي محمد: دراسات في علم الصرف، دار الجوهرة، القاهرة - مصر، 2014م.

-       ا.د. مجيد خير الله الزاملي: دراسات في علم الصرف، دار الكتب العلمية، بيروت.

-       د. أمين علي السيد: دراسات في  لصرف، مكتبة الزهراء، القاهرة، 1989م.

[2] - ويظهر جليا في ذلك الامر خلال قرآءة معجم المؤلفين الصوماليين في العربية، لدكتور محمد حسين معلم علي.

[3] - عمر محمد ورسمه: تجربتـان في تعليم اللغة العربية في الصومـال ، ورقة بحث إلى المؤتمر الدولي الثالث للغة العربية بدبي 17 – 10 مايو 2014م.