وفاة الكاتب الصومالي القدير والعالم القانوني السيد محمود علي توريري
السيد محمود علي توريري من قبيلة الأبغال – من برالي ضمن مجموعة أغون يري- وأمه مكة محمود الأبغالية ولكن فرع غبلي من أغون يري. من مواليد عام 1941م في قرية عيل برف Ceel Baraf قرب منطقة مهداي Mahaday في محافظة الشبيلي الوسطى. وبدأ التعليم وهو صغير في قريته بمدارس تحفيظ القرآن الكريم وعمره خمس سنوات لأن أباه كان معلما للقرآن، ثم بعد ذلك انتقل إلى العاصمة مقديشو حيث عاش مع أخته فاطمة محمود علي ، وفور وصوله إليها التزم حلقات تحفيظ القرآن الكريم في حي شنغاني Shingaani كما كان يواصل تعليم اللغة العربية في المدارس العربية في البلاد في تلك الفترة في أوائل الخمسينات ضمن المدراس الأهلية في البلاد.
وفي عام 1954م كان ضمن البعثة التعليمية التي اختارتهم المملكة اليمنية في عهد الإمام أحمد بن يحيى ، ومن ثم وصل إلي مدينة عدن والتحق بمدارسها في حي تواهي التي كانت مدرسة ابتدائية ثم بعد عام واحد سافر إلى مدينة تعز مقر المملكة حيث واصل دراسته التعليمية حتى أنهى المتوسطة . وقد صادف الأستاذ محمود توريري أن تخلى عنه زملاؤه في الدراسة من أهل الصومال بحيث قررو الرجوع إلى الصومال فبقي وحيدة في اليمن فسافر إلى الصنعاء وأتمّ دراسته الثانوية ،ثم التحق بكلية الشريعة واللغة بدار العلوم في اليمن التي كانت وحيدة في البلاد آنذاك. وخلال وجوده في اليمن كان يشارك مع زملاءه بالنشاط التعليمي والأدبي ، حيث أصبح شاعرا موهوبا وكان يلقى الأشعار في المحافل الثقافية ، من هنا تعرف عددا كبيرا من المثقفين المسؤولين في اليمن بحكم أن الناس كان يقدرون الشعر والشعراء، بل أصبح فيما علما من أعلام الأعلام رغم صغر سنه ومن غير أهل اليمن، وكان يستدعي في المحافل ليلقي الخطب والشعر، وخلال ذلك تعرف الشعراء اليمنيين مثل الشاعر اليمني بردوني وأمثاله فارتفعت شهرته وداع صيته حتى وصل اسمه إلى أسماع الملك الإمام أحمد فاستدعاه فعرض عليه الجوائز إلا أنه رفض،ثم بعد ذلك خير الإمام هذا الشاب أن يطلب منه ما يشاء وأيضا رفض ذلك وبين بأن وجوده في اليمن ما هي إلا بتفضل الإمام حيث أعطاه المنحة الدراسة التي يعش بها في اليمن. وفي تلك فترة التقى السيد محمود توريري الملك سعود ملك المملكة العربية السعودية وألقى شعرا لترحيه فأعجب الملك لهذا الشاب فعرض عليه أن يسأل ما يريده، ولكنه كعادته فرض العرض أيضا لاسيما المال والتعليم الجامعي الذي عرض عليه الملك ليتعلم في السعودية ، لأن توريري كان يرى أن مصر أحسن من السعودية ، وذلك في أواخر الخمسينات . كما التقى خالد بن حسونة الأمين العام لجامعة الدول العربية في حفل بهيج أعدها سفير مصر في اليمن ، وفي هذا اللقاء عرض حسونة عليى توريري أن يذهب معه إلى مصر ليعطيه منحة دراسية فقبل توريري الدعوة حيث وافق علي ذلك العرض ثم بعد ذلك أعطا السيد حسونة تذكرة سفر إلى القاهرة عن طريق الجو للسيد محمود توريري ، وانتشر خبر مجيئه في أوساط الطلبة الصومالين والذين أخبروا فيما بعد إلى بعض جهات معينة كالسفارة الإيطالية – صاحبة الوصاية للصومال حتى في تلك اللحظة – وتم استقبال توريري في المطار ، بحيث أرسل الطلاب مندوبا لاستقباله ، كما استقبله مندوب الجامعة العربية ومندوب سفارة إيطاليا في القاهرة ، فتنازع كل منهم إلى من يرافق توريري وينزل عليهم ضيفا، فقالت الجامعة العربية نحن استضفناه فنحن أحق بأن يرافقنا. أما مندوب سفارة إيطاليا قال : هو من رعايانا لأنه يحمل جواز سفر إيطاليا – لأن الصومال - وكما ذكرنا سابقا - لم تكن لها كيان سياسي معترف به المجتمع الدولي بل كانت تحت وصاية إيطاليا – فلما انكشف على أنه يحمل جواز سفر إيطالي أصبح مع سيارة إيطاليين ولم يعرف إلى أين أخذوه ، ولكنهم خدعوا ووضعوا في سفينة تجارية وهو لا يدري هدفهم في ذلك ، فطافت السفينة إلى سواحل السودان وغيرها حتى وصلت إلى سواحل الصومال وبالذات مدينة مقديشو فاستلم به شرطة بلاد من الصوماليين والإيطاليين فوضعوه في السجن – سجن أريان تالي – Oryantaale الواقع جنب فيات Fiat لمدة اسبوع بسبب أنّه كان يعارض الاستعمار الإيطالي عبر خطبه وكتابه عند ما كان في اليمن.
وبعد فترة وجيزة أفرج السيد توريري من السجن عند ما تعهده عدم معارضه للسلطة المستعمر، بحيث كان يبث خطابات نضالية وخطب سياسية كلها تنصب على الكفاح والنضال ضد الاستعمار، ولكنه اختار الهدوء وعدم المعارضة، ثم خرج من البلاد خفية إلى اليمن بواسطة باخرة فوصل عدن ثم إلى تعز مقر الإمام ، ثم بعد فترة وجيزة وصل إلى صنعاء حيث كلية دار العلوم ، وبعد فترة وجيزة استطاع أن ينهي تعليمه من كلية دار العلوم عام 1959م، ثم بعد ذلك وجد منحة دراسية من الإتحاد السوفيتي، لأنّ الرجل كان له علاقات مع عدة السفارات، حيث يجتمع مسؤولي السفارة في اجتماعات، ومن بين ما تعلم مسؤوليين من سفارة الإتحاد السوفيييت ،وقد طلب مه منحة دراسية ووافق على ذلك بشرط أن يكتب طلب في ذلك ، ولما قدم الطلب عرض السفير على حكومته ووصلت موافقة ذلك ، ومن هنا شرع محمود علي توريري أن يذهب إلى روسيا، وكان قبل ذلك له علاقة قوية مع احدى النساء السوفيتات اللاتي جئن إلى اليمن لأجل تعليم العربية والترجمة ، وقد استفاد منها اللغة السوفيتية ، واستفادت بدورها اللغة العربية ، وقد كانا أحيانا كثيرة يخرجان إلى ضواحي صنعاء لأجل تحقيق ذلك . ومن هنا استطاع أن يجيد السوفيتية بكل سهولة وكان ذلك قبل وصوله بالاتحاد السوفييتي في عام 1959م والتحق بكلية القانون والاقتصاد بجامعة لممبا Lamamba university وأخذ منها بكارليوس والماجستير بدرجة الممتاز، حيث انهى بكارليوس في 1963م أما مرحلة الماجستير فكان في سنة 1965م واستطاع أن يقتصر الطريق سنوات دراسة في مرحلة الماجستير سبب تفوقه الدراسي. وعاصر توريري مع مرحلة التطور العلمي والتكنلوجي في روسيا.
ولما رجع إلى البلاد عمل في سلك المحاماه لشؤون الدولة، حيث كان يعد قوانين ويقدم لبرلمان ، كما عمل قسم الاتفاقيات الدولية في رئاسة الجمهورية، بالإضافة إلى مدافعة حقوق الدولية .
ثم بعد ذلك وجد منحة دراسية من قبل الحكومة الصومالية حيث ذهب إلى الاتحاد السوفييتي والتحق بجامعة موسكو، ومنها نال درجة الدكتوراه بعد أربع سنوات وانهى دراسته لهذه المرحلة في عام 1977م ، ثم عاد إلى الوطن مواصلا عمله القانوني.
وفي أثناء ذلك طلبت الجامعة الوطنية أن يعمل لديها توريري كأستاذ عن طريق نظام الاعارة ، وبعد موافقة على هذا الأمر تحول عمله الرئاسة إلى الجامعة ، وقد عرض هذا الطلب رئيس الجامعة ووافقت الرئاسة بشرط أن يعمل الجامعة صباحا، ثم يساعد الرئاسة مساءا.
انجازاته العلمية
استطاع الدكتور محمود توريري انجاز بعض كتب لها علاقة بالصومال، ومن هذه الكتب:
الحياد الايجابي وسياسة الصومال الخارجية
وهذا الكتاب تمّ طباعة الكتاب عام 1969م، ويتحدث المؤلف كتابه السياسة الخارجية لبلاد الصومال، وتطرق إلى مرحلة الاستعمار بمراحلها المتنوعة ولا سيما عهد الاستعمار الأروبي، وأثره على النواحي الاقتصادية والثقافية على السياسة الصومالية، كما أشار المؤلف إلى الحركة الوطنية الصومالية في بداية الأربعينات والخمسينات. وتناول في السياسة الخارجية للجمهورية الصومالية في الحكومات المدنية الدستورية، وما تستند إليه هذه السياسة من دعائم وأسس تهدف إلى الوحدة الوطنية وإقرار السلام العالمي والتعاون الدولي، ويهتم بصفة خاصة بتتبع مسلك الجمهورية الحقيقي ومواقفها كدولة نامية من التكتلات الدولية التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية، وتمسكها بسياسة عدم الانحياز ومدى تطبيقها العلمي لهذه السياسة ، ويتميز الكتاب عن غيره من الكتب عن الصومال في أنه موضوعي إلى حد كبير، وأنه على أساس دراسة الحوادث الجزئية في مختلف الميادين السياسية والاقتصادية لجمع خيوط واستنتاجات ينسج منها حججه ويقيم عليها براهينه في التعبير عن وجهة النظر لسياسة الصومال، ولا يقوم على الاندفاعات العاطفية والحملات الهوجاء والأفكار السطحية التي لا تستند إلى واقع أو حقائق، وإنما يركز على الحقائق والوقائع المجردة المقتبسة من مصادر أكثر صومالية سواء أكانت صحفاً أم خطباً أم قونين أم مراسيم. و ذكر المؤلف بعض تصرفات المسئولين المنافية لروح ومبادئ الدستور مع ذكر سياساتهم الايجابية. والكتاب بعرض النقاط الجوهرية الهامة للسياسة الخارجية الصومالية وما يتعلق بها من استعراض موجز للمؤثرات والانعكاسات في هذه السياسة . كما أن الكتاب يحمل طابع العرض الموضوعي الذي يتوخى الحجة والمنطق، والكتاب يتكون 12 فصلاً، وقد اعتمد المؤلف على المصادر والمراجع الكثيرة في اللغة العربية واللغات الأروبية الأخرى، بالإضافة إلى الوثائق المهمة والجرائد والمجلات الوطنية والعالمية. والكتاب حوالي 342 صفحة ومن إصدارات مطابع وزارة الاستعلامات الصومالية في مقديشو عام 1969م.
لمجتمع المدني والتحول الديمقراطي في الصومال
هذا الكتاب تناول التحول في العملية الديمقراطية في بلاد الصومال، ويستهدف معرفة مدى التطور والجمود والتقهقر في عملية التحول الديمقراطي في الصومال في الفترة من ( 1980 – 1995م)، وذلك من خلال دراسة المتغيرات التي لها علاقة بالدولة والمجتمع المدني والقوى الخارجية وعملية التحول الديمقراطي. وعلى الرغم مما واجه المؤلف من صعوبات تحليلية ينجم معظمها من غياب المجتمع المدني الصومالي، فضلا عن غياب الدولة ومؤسساتها وما يلزم من ذلك من الوثائق كنتيجة من الحروب الأهلية إلا أنّه فد نجح – على نحو شديد من الموضوعية – في تقييم هذه المتغيرات وتأثيرها على دفع عجلة الديمقراطية أو تأخيرها. وقد قسم المؤلف كتابه إلى خمسة فصول، ويقع الكتاب في 146 صفحة وهو ضمن سلسلة دراسات مشروع المجتمع المدني والتحول الديمقراطي في الوطن العربي بغية رصد وتحليل واستشراق مسيرة المجتمع المدني والتحول الديمقراطي، وتنمية وتعظيم القدرات المعلمية والبحثية والتنظيمية العربية فيهما. وقام الدكتور سعد الدين إبراهيم بتقديم مهم، ومن إصدارات مركز ابن خلدون للدراسات الانمائية الذي يرأسه – مع ودار الأمين للنشر والتوزيع في القاهرة عام 1995م.
قضية القرن الإفريقي
الحياة الاجتماعية في اليمن
قرأت هذا الكتاب على شكل مخطوط وكان ذلك في عام 2002م في
مقديشو عند مكتب الدكتور في حي حمر وين آنذاك ، وحسب علمي ما زال غير مطبوع.
ويتناول الكتاب بعض أخبار الاجتماعية التي عاصرها المؤلف في اليمن في متصف القرن
الماضي ، ولاسيما في بلاط الإمام في اليمن . وكان المؤلف يعيش في تلك الفترة بجوار
الإمام لأنه كان يلقي الشعر وبعض القصائد يمدح بها الإمام والأسرة الحاكمة.
الديمقراطية وتجربة الصومال
هذا الكتاب ينتاول المؤلف التجربة الديمقراطية في
الصومال وذلك في المرحلة التمهيدية السابقة على الاستقلال خلال فترة الوصاية ( من
1950 – 1960م) ثم في مرحلة النظام المدني الديمقراطي بعد الاستقلال ( من 1960 –
1969م). وفي البداية تحدث الباحث ما هية الديمقراطية ومبرراتها، وذكر نبذة عن تاريخ
الديمقراطية عبر العصور ومعناها اللغوي والاصطلاحي وبداية أمرها ومكوناتها، وتحدث
عن المجتمع الصومالي وتركيبته القبلية حيث كان هذا المجتمع معتاداً أن ينظر إلى
وراء القبلية، حيث ظلت القبيلة هي المحور السياسي والاجتماعي الذي يدور حوله هذا
المجتمع حتى عام 1941م، وخلال هذا البند ذكر المؤلف قيام الأحزاب السياسية في جنوب
البلاد وشماله، ثم تناول الديمقراطية والثفاقة السياسية الصومالية ، ووصاية الأمم
المتحدة على الصومال، والنظام الديمقراطي والاستقلال السياسي، وذلك بعد ان انتهت
مرحلة الوصاية وانتهت معها تجربة الديمقراطية التمهيدية التي أدت إلى الاستقلال
السياسي عام 1960م، وتحدث سعادت الدكتور النظرة المستقبلية كحل للأزمة
الديمقراطية، واعتمد على المصادر والوثائق الأولية أفادت له معلومات نادرة إضافة
إلى تجربته العلمية ومعاصرته بعد الأحداث
الواقعية. ونهاية هذا البحث اللطيف جاء تعقيب من قبل الدكتورة نجوى أمين الفوال –
خبير أول المركز القومي للبحوث والاجتماعية،ونشر البحث ضمن مجموعة الأبحاث
والعقيبات التي ألقيت في ندوة العلاقات العربية الأفريقية التي عقدها مركز البحوث
والدراسات السياسية في القاهرة من 8 – 11 نوفمبر سنة 1992م، وذلك بالاشتراك مع الجمعية الإفريقية والعربية
للعلوم السياسية. ويأتي هذا البحث من صفحة 277 إلي 307، ونشر عام 1994م.
رحم الله الدكتور محمود علي توريري وأسكنه فسيح جناته
وألهم ذويه الصبر والسلوان.


