Monday, 21 November 2022

إسهامات علم الصرف في الصومال بين المدرستين التقليدية والنظامية (3)

استمرار المدرسة الصرفية في ربوع بلاد الصومال

تحدثنا في الحلقة الماضية  رائدين من الرواد الحركة الفكرية والعلمية في القرنين الأخيرين الذين أثروا الحياة العلمية في المنطقة ليس من خلال حلقاتهم العلمية فحسب، وإنّما تأثيراتهم العلمية في حركة التأليف في علم الصرف.

وعلى هذه الشالكة كان حال أهل العلم في الصومال، حيث كانوا ينشغلون بنشر رسالة الإسلام في المنطقة وإلى آفاق أخرى في منطقة إفريقيا الشرقية ، وذلك من خلال التزاماتهم ومداومتهم على إلقاء الدروس العلمية من خلال حلقاتهم التي كانت تعقد في المساجد والزوايا، وأحياناً في بيوتهم، ورغم انشغالهم كان العلماء والفقهاء يقومون أحياناً بتأليف الكتب ووضع الرسائل نفيسة تُسهل الصعب من بعض الفنون وتُقرب المعاني العبيدة لبعض ضروب العلم، كما أشرنا من قبل.

وما قدمناه ليس معناها بأنّ جهود أهل الصومال في علم الصرف يتوقف فقط على هذين عالمين، وإنّما في الساحة العلمية لم تخل مثلهم الذين كانت تٌعتبر جهودهم وحلقاتهم العلمية بمثابة دراسات عليا، وهم لفيف من العلماء نلقي الضوء على بعض دروب حياتهم العلمية، ومن هؤلاء:

-      فضيلة الشيخ علي حاج إبراهيم

وهومن مواليد عام 1905م في بادية الإقليم الشمالي الشرقي في مكان يسمى " لانتا جبه" بمعنى غصن السدر أو غصن السؤدد فسمي بذلك الاسم ، لأن تلك الشجرة كانت الوحيدة من نوعها في هذا المكان وقتئذ والمعروف أنّ الشيخ علي حاج اشتهر بالتأليف والابداع، ومن بين مؤلفاته كتاب:

-      المرشد فيما مر في المعارف الصومالية في الإقليم الشمالي من المعارك العلمية والمناظرات الدينية

وقد عرض المؤلف في كتابه الأوضاع العلمية التي كانت تتمتع القطر الشمالي من بلاد  الصومال، وما جرى فيها من الحركة العلمية، وبعض المناظرات في المسائل الدينية ولاسيما فيما يتعلق بالأمور العقيدة والتصوف، والأحكام الفقهية.

وقد تحدث المؤلف عدة المسائل العلمية، ومن بينها مسائل تتعلق بعلم النحو والصرف، مستخدماً بأسلوب سؤال وجواب.[1]

-      القلائد المتنورة في العلوم المتنوعة

ولفضيلة الشيخ علي حاج إبراهيم كتاب آخر" القلائد المتنورة في العلوم المتنوعة" الذي تناول فيه علم النحو والصرف بالإضافة إلى بعض علوم العربية الأخرى كفنون الأدب العربي.[2]

وأوصل اهتمام الشيخ علي حاج إبراهيم إلى أن قام بنسخ كتاب " فتح اللطيف شرح حديقة التصريف " للشيخ عبد الرحمن الزيلعي، وقد حصل الفراغ من نسخ الكتاب يوم الخميس في 28 محرم ، عام 1354هـ، كما ذكر ذلك الشيخ نفسه في ذيل الكتاب المطبوع، رحمهم الله جميعاً.

-     الشيخ قاسم بن محي الدين البراوي

يدعى شمس الدين الشيخ قاسم بن محي الدين البراوي نسبة إلى مدينة براوه الساحلية في جنوب بلاد الصومال، وكان عالما لغويا وشاعرا أديبا حتى اشتهر في شعر الخماسات ، حيث كان يخمس الشعر وقصائد شيوخه مثل قصائد شيخه الشيخ أويس بن أحمد. وهذه الميزة جعلته يؤلف بعض رسائل في مجال اللغة سواء في الأدب والصرف، ومما ألف في علم الصرف كتابه:

-      يوم من الصرف

وهذا الكتاب تناول الشيخ قاسم البراوي في هذا الكتاب علم الصرف بطريقة مبسطه، ولعلّه أعد لطلابه الذين كانوا حوله لرفع مستواهم اللغوي في وقت قصير بطريقة سهلة خاصة طلبة العلم الجدد، كما تناول الشيخ قاسم البراوي في كتابه بعض أمور الدينية المتعلقة بتعاليم الإسلام ومبادئه.[3]

-     الشيخ محمد معلم حسن

وهو أبو عبد الرحمن الشيخ محمد معلم حسن اشتهر في الساحة الصومالية الدعوية منذ بداية السبعينات في القرن المنصرم، وله فضل كبير في رفع المعنيات للشباب في وقت كانت الاشتراكية في عنفوانها. ورغم أنّ الشيخ محمد اشتهر في نشر الدعوة الإسلامية وحلقته التفسيرية، إلا أنّه كان يهتم في علم الصرف، وكان يعقد في بيته حلقة للصرف لبعض طلابه في بداية ثمانينات بعد إفراجه من السجن عالم 1982م استجابة لبعض طلابه. وجهود الشيخ لعلم الصرف لم يقتصر على ذلك، وإنّما ترك الشيخ رسالة ألفها في علم الصرف، وهي رسالته التي سماها.

-      التبيان في قواعد تصريف الأفعال

وهذا الكتاب شرح الشيخ محمد معلم علم الصرف بطريقة سهلة ، والكتاب له علاقة باللسان العربي وتصريف الكلام، وكان المؤلف متبحراً في هذا الفن – كما أشرنا آنفاً – والرسالة عموماً تدور حول علم الصرف وقد طبع في مقديشو بتحقيق الأخ الدكتور محمد ديرية صبرية، بإخراج حسن، مع وضعه مقدمة مفيدة حول سيرة الشيخ وأثره العلمي والدعوي.[4]

-     علي عبد الله محمود

أحد المثقفين الصوماليين المهتمين المعرفة والثقافة بالإضافة إلى كونه اشتهر باقتناء الكتب العربية قرآءة وجمعا، ومن هنا لا يستغرب أن يبرز في مجال الثقافة العربية سيما في النواحي اللغوية والأدبية.

والسيد علي عبد الله محمود إلى جانب هذا الاهتمام والحرص على القرآءة فإنه يقرض الشعر ودروبه في مختلف مناحيه وأقراضه، بل وله أشعارا كثيرة لم تر النور حتى الآن. وإلى جانب هذا الاهتمام اللغوي الكبير فإن السيد علي استطاع أن يؤلف رسالة لها علاقة بعلم الصرف سماها:

-      كتاب الصرف

وهذا الكتاب يتناول كما يبدوا عنوانه بعلم الصرف بحيث يعطي المؤلف انطباعه في تصريف الكلمة العربية . والكتاب غير مطبوع ومحتفظ لدى مؤلفه ، كما ذكر ذلك الأخ ياسين عبد الرزاق القرطاوي صاحب كتاب" دخائر النخبة في علماء شرق إفريقيا"

-      فضيلة الدكتور الشيخ أبوبكر حسن مالن

أحد العلماء الشباب الذين قدر الله لهم أن يتربعوا على الكرسي العلم والمعرفة ويتقنوا ببعض الفنون العلم ، وخاصة اللغة العربية وفنونها المختلفة، وكذا علم الفقه وخاصة الفقه الشافعي المشهور بقطرنا الصومالي. وفضيلة الدكتور أبو بكر له عدة مؤلفات ، ومن بينها كتابه:

-      الغيث الهطال شرح لامية الأفعال

وهذا الكتاب عبارة عن شرح مفيد لكتاب لامية الأفعال لجمال الدين محمد بن مالك الطائي. وقام الشيخ أبوبكر بشرح اللامية الأفعال شرحاَ يذلل صعابها ويحلل ألفاظها ويبين مرادها، ويظهر مكنونها ويعرب مشكلاتها. كما أنّه  أفاد حين استهل كتابه هذا بترجمة موجزة مفيدة حول الشيخ جمال الدين بن مالك تضمنت اسمه ومولده وأسرته ورحلاته العلمية ومكانته العلمية عند العلماء.

ويمتاز هذا الشرح عن غيره من الشروح بكثرة الضوابط والقيود والقواعد التي لم يعتن بها بعض من قام بشرح الكتاب مما هو موجود من بطون الكتب المتقدمين والمتأخرين، ككتاب سيبويه وما ليس في كلام العرب لابن خالويه وشافية ابن الحاجب وشرحها لرضي الدين، والمقصود المنسوب للإمام الأعظم نعمان بن ثابت أبي حنيفة ، وكتاب تلخيص الأساس وشرح سعد الدين التفتازاني على مختصر التصريف ومفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني وغيرهم. ويلاحظ بان دور الشارح اتسع إلى أن جمع ما تفرق في هذه الكتب وغيرها حتى جاء هذا الشرح المفيدة درّة ثمينة وجوهرة غالية؛ حيث استعمل صاحب الشرح فيه الأسلوب السلس ، وتحاشى فيه الغموض الذي ملأ بعض الشروح الأخرى .والكتاب يقع في 152 صفحة. [5]

الشيخ محمد محمود عطور الخاشع

فضيلته من المشهورين حديثا بعلم الصرف، وقد شرع في تأليفه في وقت مبكر، فوضع رسالة علمية عن علم الصرف، وسماها:

-      كشف الأسرار عما في الصرف من القواعد والأفكار

وهو كتاب رائع، وطبع في القاهرة، وعدد صفحاته يصل إلى 946 صفحة، وبالفعل يكشف أسراراً  كثيرةً تتعلق بعلم الصرف كصرف الأوزان، وصرف الإعلال، وغيرهما. والكتاب له عدد مميزات، مثل باب نون التوكيد بحيث يفند حوالي 720 صورة من الصور نون التوكيد. ومن ذلك باب شهرة الضمة وشهرة الكسرة ويأتي المؤلف حوالي 170 فعل مع أمثلتها، أما شهرة الصمة يورد الكتاب 230 فعلاً مع أمثلتها.  وفي ضرب الأمثلة فقد استشهد المؤلف آيات قرآنية، وأحاديث نبوية، وأبيات من أشعار أدبية.

-     الشيخ محمود أحمد عينب

أحد الكتاب المجتهدين يهتم باللغة العربية وفنونها المختلفة، وهو من أهل منطقة غلدغب Goldogoeb  في إقليم مدغ. وقد قام بشرح كتاب الشيخ عبد الرحمن الزيلعي " نظم تلخيص المفتاح" وهو كتاب تناول مؤلفه علم البلاغة. والشيخ محمد أحمد عينب قام أيضاً بشرح كتاب " حديث التصريف " للشيخ عبد الرحمن الزيلعي. وشرحه الأخير الذي نحن بسدده مطبوع يسمى:

-      التعليق اللطيف على حديقة التصريف [1]

وقد قام الشارح بتقييدات شريفة، وتعليقات لطيفة، على أرجوزة الشيخ العلّامة عبد الرحمن بن أحمد الزيلعي في علم التصريف المسماة بحديقة التصريف، تحلّ عباراتها وتقرّب معانيها مع اختصار في العبارة ، وسهولة في المأخذ. واعتمد الشارح في شرحه على شروح اللامية كشرح العلامة محمد بن عمر المشهور ببحرق، وشرح العلامة محمد بن محفوظ الشنقيطي، وشرح الشيخ صلاح بن محمد البدير، وما تيسّر من كتب التصريف الأخرى.. وفي ذلك قال الشارح: " .. وليس لي في هذه التعليقات من غير الجمع إلا قليل فتح الله به علينا. ."

 -     الشيخ محمود شيخ عبد الله علمي

الشيخ محمود شيخ عبد الله علمي المشهور "بشيخ محمود نحو" داعية وعالم ومؤلف، من أهل برعو، غير أنّه استقر في الآونة الأخير بمدينة هرجيسا، وكان أبوه فقيها شافعيا وخطيبا مفوها في جامع برعو كان من طلبة الشيخ محمد محي الدين معلم مكرم ا لملقب بالنووي الثاني رحمهم الله جميعاً.. ومهما كان الأمر فإنّ الشيخ محمود شيخ عبد الله - حفظه الله - كاتب ماهر، وما زال يقوم بتدريس علم الصرف، وقد قام بشرح حديقة التصريف، وله رسائل علمية أخرى وضعها في علمي الفرائض والنحو، وأغلب كتبه غير مطبوعة. وله:

-       شرح خاص لكتاب حديقة التصريف

وللحديث بقية

...............................

الهامش

[1] - والكتاب يقع في 138 صفحة وطبع عام 1391ه الموافق 1971م بمقديشو بدون ذكر المطبعة.

2- الكتاب طبع عام 1391ه الموافق 1971م بدون ذكر مكان الطبع واسم المطبعة.

3  - قام السيد باز بن الشيخ قاسم بطبع الكتاب في عام 1969م في ألمانيا. نور الهدى، ، على نفقة السيد محمد صوفي.

4- طبع بمقديشو – الصومال، عام 2020م.

5- وطبع بمركز الأهرام بمقديشو – الصومال بتاريخ 1427هـ ، بطبعته الثالثة، وقد طبع الكتاب عدة مرات في داخل البلاد وخارجها منذ عام 2001م، وهذه الطبعة تمتاز بالثوب الجديد، والغلاف الأنيق، وذكر بعض المراجع في الهامش، وتصحيح بعض الأخطاء المطبعية، وتهذيب العناوين وخط الكتاب.

6 -  مكتبة الوديان، ط/1، عام 1441هـ/2020م.



 

 

 

 

 

 

 


Wednesday, 9 November 2022

                                                    

إسهامات علم الصرف في الصومال بين المدرستين التقليدية والنظامية (2)


المدرسة الصرفية في الحلقات العلمية بالصومال

وميدان الصرف ودروبه لم يكن غائباً عن الحلقات العلمية في منطقة القرن الإفريقي، بل أنّ العلماء كانوا يمارسون هذا الفن في حلقاتهم العلمية ويواطبون على تعليمه وتدريسه، وكان أحياناً يضطرون إلى وضع رسائل لتبيينه وتبسيطه لطلبة العلم، علماً أنّ هذه الجهود العلمية كانت بمثابة الجامعة بحيث كان يفد إليها طلبة العلم ليس من المنطقة فحسب، وإنما من أماكن أخرى كما كان عادة رحلات طلبة العلم.

من ناحية أخرى أنّ الذين رحلوا إلى البلدان العربية – كاليمن والحجاز والشام ومصر وغير ذلك – من طلبة العلم  بهدف التعليم كانوا على مستوى أقرانهم في تلك البلدان من حيث اللغة والمعرفة، بحيث لم نرى من سجل عوائق اعترضت لهؤلاء من طلبة العلم من منطقة القرن الإفريقي، في حين نجد في مصادر التراجم المختلفة بأنّ من وفد إلى تلك البلدان انضموا إلى المجالس العلمية فور وصولهم بدون مقدمات أو تقوية اللغة – كما يحصل وقتنا الحاضر في مراكز ومعاهد تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها التابعة بالجامعات – بل أنّ بعضهم جلسوا على كرسي علمي والتف حولهم طلبة العلم، كما هو حال كل من:

§       فخر الدين الزيلعي، عثمان بن علي بن محجن البارعي، الذي وفد إلي مصر سنة 1305م. صاحب كتاب” تبيين الحقائق لشرح كننز الدقائق” ، وهو شرح على كنز الدقائق للإمام عبد الله بن أحمد بن محمود أبو البركات حافظ الدين، وهذا الكتاب مكون من ستة مجلدات. ومن مؤلفاته أيضاً: تركة الكلام على أحاديث الأحكام ، شرح الجامع الكبير.

§       العلامة الشيخ المحدث الشيخ جمال الدين عبد الله بن يوسف بن محمد صاحب كتاب نصب الراية في ذكر أحاديث الهداية.

والحقيقة أنّ هذا الأمر إن دلّ على شئ فإنّما يدل على أنّ المجالس العلمية المخلتفة في منطقتنا كانت على مستوى عال، ومن هنا لم يأت من فراغ إلى أن شدّ الرحال إليها بعض طلبة العلم الوافدين من مناطق مختلفة وليس هدفهم إلا طلب العلم.

ولكي نضرب مثلاً مما سبق يكفي أن نشير إلى ما كان يقوم العلامة الشيخ محمد علوي بن أحمد الأستاد الأعظم الفقيه المقدم من جولات عند طلبه العلم في آفاق كثيرة ، وذلك حين قدم إلى الصومال قادماً من اليمن لا سيما من بلدته تريم في القرن الثامن الهجري ، ولاشك أنه قد سمع ما آلت إليه منطقة القرن الإفريقي عموماً، وبلاد الصومال خصوصاً من الحالة العلمية قبل مجيئه إليها ،لذلك شدّ الرحال إلى الصومال ولاسيما مدينة مقديشو التي كانت مليئة بالعلماء الأجلاء الأفاضل ، وقد تتلمذ على أيدي هؤلاء وأخذ عنهم عدة علوم مختلفة من خلال حلقاتهم العلمية، غير أنه كان يحرص على بعضهم مثل حلقة الشيخ جمال الدين محمد بن عبد الصمد الجهوي  ، وحاز منه علوماً  كثيرةً وبرع وجمع فيها ما جمع حتى فاق  أهل زمانه وتقدم بها على أقرانه ثم رجع إلى بلده تريم في اليمن.1

ولا غرابة في ذلك بحيث كان يلزم على طلاب العلم الوافدين من خارج الصومال أن يلتحقوا بالحلقات العلمية التي كانات منتشرة في جميع أنحاء الصومال،  وبالذات تلك التي يمارس شيوخها بلغة القرآن فقط حتى يتمكنوا من فهم اللغة المحلية الدارجة في المنطقة بلهجاتها المختلفة التي كان بعض العلماء يشرحون دروسهم ، حسب موقع إقامة الطالب في البلاد، وذلك إذا كان الطالب الوافد من المنطقة العربية ولا يجيد غير العربية لغة.

ونستطيع القول بأنّ ما سبق من التبادل الثقافي والعلاقات العلمية لدليل واضح على مدى عمق العلاقة والاتصال بين الصومال والبلدان الإسلامية الأخرى وبالذات المناطق المجاورة، مثل اليمن والحجاز ومصر، وكذا الرحلات العلمية التي كان يخوض فيها طلبة العلم الصوماليين إلى المركز العلمية في العالم ثمّ رجوعهم إلى أرض الوطن بعد تحصيلهم العلمي وتفقههم في الدّين بالإضافة إلى تدفق العلماء والمثقفين إلى القطر الصومالي، كل ذلك قد أثر على الحياة العلمية والثقافية في المنطقة حتى صارت دوحة للعلم والمعرفة وقبلة  تقصد إليها طلبة العلم في أنحاء مختلفة من إفريقيا وآسيا.

وما ذكرناه سابقاً لدليل واضح على دور اللغة العربية – بما فيها علم الصرف – في عملية التدريس والحركة العلمية عموماً ، وأنّ أساتذه في هذه الحلقات كانوا بارعين في علم الصرف، بحيث لم تخل في الساحة العلمية فترة من الفترات مثل هذه النجوم ، وعلى سبيل مثال نضرب بشيخين جليلين برزا في علم الصرف وضروبه ، بل وتركوا لمسات علمية ليس في حلقاتهم العلمية التي كانوا يعقدونها فحسب، وإنّما حتى في مجال التأليف والابداع، وهما:

أولاً:  الشيخ عبد الرحمن الزيلعي

هو الشيخ عبد الرحمن بن أحمد نورية الديسو الكدلي نسبة إلى قبيلة ديسو الرحنوينية، وكان ماهراً في علم الصرف، بل وضع بعض الرسائل للصرف لتستفيد منها طلبته، واستهل ابداعاته العلمية بتأليف كتابه:

§        حديقة التصريف في علم الصرف

وهذه رسالة وضعها الشيخ عبد الرحمن الزيلعي وهي عبارة عن أرجوزة منظمة بالقوافي في أبواب علم الصرف وأبنيته، وجاءت جملة كافية لمقاصد هذا الفن، واستخدم بعض الألفاظ والأساليب القديمة. والرسالة صغيرة الحجم ومتناولة على أيدي طلبة العلم لاسيما القاصدين والراغبين في تعمق علم الصرف وضروبه. والقارئ لكتاب الزيلعي المشار إليه يلاحظ بأنّ المؤلف أراد أن يكون مقرراً لطلبة العلم المبتدئين، وهو متداول أغلب أهل العلم الدارسين والقائمين على حلقات العلم في المساجد وأروقة العلم في المدن والأرياف معا، مما يدل على أهمية الكتاب ومؤلفه، وهي أي الأرجوزة سهلة في حفظها وقرائتها ، لكنها صبعة في فهمها وفك غموضها ، وهو مما لاحظ المؤلف قبل رحيله إلى رفيق الأعلى حتى شرع في وضع رسالة أخرى تكون شرحا للأرجوزة وتحل معانيها وتفك لغزها، وبذلك أنتج رسالة أخرى يشرح الأول بألفاظها ويبين معانيها ليسهل طلبة العلم، وهي رسالته الثانية في علم الصرف المسمى:

§       فتح اللطيف شرح حديقة التصريف

ويذكر بعض الباحثين أسباب لتأليف الكتاب، ومن بين هذه الأسباب أنّ الشيخ الزيلعي أراد أن يبرز عضلاته في اللغة العربية ومدى قدرته بالتأليف في اللسان العربي وقواعده في تصريف الكلمة وموازينها، ” فقد قيل: إن الزيلعي حينما انتهى من إنشاد قصيدتيه: جوهرة الوسيلة، وكنز الحقائق في غرض الابتهالات والتوسل واجه نقداً مراً لاذعاً من قبل بعض العلماء في المدن الصومالية الغربية؛ فقالوا: إنه لم يأت بجديد، بل قدم قائمة بأسماء أبرز الشخصيات الإسلامية في العالم الإسلامي في عصورهم المختلفة؛ فأراد الزيلعي أن يرّد خصومه رداً حاسماً، وأن يجيبهم إجابة عملية؛ فألف كتابه”حديقة التصريف”وأرسله إليهم دون شرح، وطلب منهم متحدياً أن يضعوا له شرحاً، ولكن ما كان من هؤلاء المنتقدين، بعد دراسة الكتاب، إلا الاعتراف بقيمة هذا الكتاب الأكاديمية، وفضل مؤلفه، وغزارة علمه ومعرفته.”

أما رسالته “فتح الطيف شرح حديقة التصريف” هي شرح للرسالة السالف الذكر، والدافع وراء تأليفه كما ذكر المؤلف نفسه في مقدمته: “.. ولما وضعت الأرجوزة المسماة بحديقة التصريف في علم التصريف، فجاءت بحمد الله جملة كافية، ولمقاصد هذا الفن حاوية، سنح لي، أي ظهر لي أن أضع عليها شرحا يحل ألفاظها ، ويبين مرادها ، فجاءت بحمد الله كتابا جامعا للمرام، مناسبا للمقام، وسميته : فتح اللطيق شرح حديقة التصريف”.

إذاً الكتاب شرح وتبسيط لكتاب آخر وضعه المؤلف نفسه، كما كان عادة أهل العلم المشغولين للتدريس ولإلقاء الدروس العلمية المنعقدة في حلقات العلم الذي تقصد إليها طلبة العلم، من هنا جاء هذا الشرح مفيدا ونفيسا يتناول على أبواب علم الصرف من أبنية الفعل المجرد وتصاريفه ، وفي حكم اتصال تاء الضمير أو نون بالفعل الماضي الثلاثي المعتل العين وألقاب الأفعال، وأبنية المزيد فيه، وفي المضارع والأمر، وأبنية أسماء الفاعلين والمفعولين، وأبنية الكثرة والمبالغة والمصادر، والمفعل والمِفعل ، وبناء المفعلى وبناء الآلة. وهذا الكتاب يقع في 88 صفحة ن ويعتبر من أروع شروح علم الصرف، وطبع بمطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر في يوم الأربعاء 20 رجب سنة 1357هـ الموافق 14 سبتمبر سنة 1938م.

ويقال أنّ الزيلعي أراد ذلك بردّ خصومه رداً حاسماً، وأن يجيبهم إجابة عملية؛ فألف كتابه”حديقة التصريف”وأرسله إليهم دون شرح، وطلب منهم متحدياً أن يضعوا له شرحاً، ولكن ما كان من هؤلاء المنتقدين، بعد دراسة الكتاب، إلا الاعتراف بقيمة هذا الكتاب الأكاديمية، وفضل مؤلفه، وغزارة علمه ومعرفته”.

والرسالتان “حديقة التصريف”و شرحها “فتح اللطيف في علم الصرف” قد طُبِعا في مصر في مجلد واحد من الحجم المتوسط عام 1938م: أي قبل ثمانين عاماً تقريباً، وهذان الكتابان قام الدكتور الشريف علوي بتحقيقهما، حيث قام بدراسة  وتحقيق كتاب حديقة التصريف وشرحه فتح اللطيق.

ورغم أنّ رسالة فتح اللطيف شرح حديقة التصريف عبارة عن شرح لرسالة الزيلعي الأولى، فإنّ بعض الباحثين قاموا بدراسة وتحقيق علمي لها، كما قام فضيلة الدكتور شريف علوي محمد آدم بعمل علمي حول إعادة نشر كتاب الشيخ عبد الرحمن بن أحمد الزيلعي ” فتح اللطيف، شرح حديقة التصريف، ويتكون عمل شريف علوي تجاه هذا الكتاب من مقدمة تتحدث بإيجاز عن حياة هذا المؤلف وعن أبرز مؤلفاته الأدبية واللغوية، ومن ثلاثة أبواب وستة عشر فصلاً. فالباب الأول: الأفعال: ويتكون من ستة فصول تناول فيها المؤلف أنواع الأفعال المختلفة، وعن أزمنتها وأوزانها القياسية والسماعية. والباب الثاني: الأسماء ويتكون من عشرة فصول يتحدث فيها المؤلف بإسهاب عن المشتقات من الأسماء، وعما يطرأ عليها من تغيير وتصريف، وإعلال وإبدال، وعن الأبنية والأوزان التي تأتي عليها سواء أكانت قياسية أم شاذة. والباب الثالث: الخاتمة حيث قدم المؤلف الحمد والثناء إلى ربه سبحانه وتعالى، وشكره على حسن توفيقه وامتنانه بإكمال هذا الكتاب، ثم صلى وسلم على نبيه، وعلى آله وصحبه.

وقد قام الدكتور علوي شريف دراسة تليق بمكانة الزيلعي العلمي مع تحقيق نصوص رسالته وفق المنهج البحث العلمي ، وقد طبع شريف علوي محمود آدم  بالمشاركة مع  الدكتور محمد بن تركي بن حميد، وقد نجح هذان العالمان في إخراج الكتاب لأول المرة عام 1429هـ الموافق عام 2008م.

ثانياً: الشيخ عبد الرحمن العلي

وهو الشيخ عبد الرحمن بن الشيخ عمر العلي الأبغالي الورشيخي، أحد العلماء المشهورين في القطر الصومالي، وله مؤلفات عديدة، منها ما يتعلق بعلم الصرف مثل رسالته:

§       نثر الجواهر في قاعدة الصرف الفاخر

وهي رسالة يتناول بها المؤلف علم الصرف وقاعدته ، وذلك لتكون هذه الرسالة شرحا للامية الأفعال الصرفية المعروفة التي ألفها العلامة الإمام محمد بن مالك الطائي – رضي الله عنه – كما أن هذف المؤلف كان ليسهل طلاب العلم والراغبين في هذا الفن. وكان أصل هذا الكتاب شرحا للامية الأفعال بالغة الصومالية للشيخ آدم بن محمد الصومالي ، ثم شرح المؤلف ليحول هذا الشرح إلى اللغة العربية ولتعمّ الفائدة إلى جميع طلبة العلم المتقنيين باللغة العربية عامة والراغبين في تعمق فن الصرف ومتغيرات الكلمة العربية ، ومن هنا سمى المؤلف كتابه باسمين : أحدهما : نثر الجواهر في قاعدة الصرف الفاخر، وهو الاسم الذي تحمله النسخة التي نتعامل معها في بحثنا هذا. وثانيهما : التحفة السنية في قاعدة لامية الأفعال  الصرفية. ومن هنا يجدر أن ننوه بأن المؤلف وضع كتابا واحدا في هذا المنحى وليس كتابين. وعلى أي الحال فإن المؤلف اشتهر في هذا الفن، وكان رحمه الله من الذين يشار إليهم بالبنان ليس في القطر الصومالي فحسب، وإنما في أنحاء أخرى من بلدان شرق إفريقيا المجاورة للصومال مثل كينيا وإيثوبيا وجيبوتي وتنزانيا  وغير  ذلك. وبما أنه أصبح مشهورا بتفوق هذا الفن قصد إليه راغبوا هذا الفن من طلبة العلم من أنحاء مختلفة في داخل بلاد الصومال وغيره إلي بلدة الشيخ المسماة “بورشيخ” أي حوض الشيخ المتاخمة بالعاصمة مقديشو. والشيخ عبد الرحمن بذل جهدا مضنيا في هذا المنحى ولاسيما كتابه هذا ، حيث قام بشرح وافي للامية الأفعال، إضافة إلى تهذيبه غاية التهذيب، وبسطه لتفهيم الطالبين وحل المشكل بسؤال وجواب حتى صار جامع القواعد وحاوي المقاصد. والكتاب طبع على نفقة بعض أحباب الشيخ المؤلف.

إذاً مما سبق يتضح بأن العلماء في حلقاتهم وأنشطتهم العلمية الأخرى كان  كتاب لامية الأفعال لابن مالك في صدارة المصادر التي تدرس إضافة إلى شروحه مثل : البحر الكبير والصغير . بحيث كانوا يركزون على تدريسه وشرحه ونشره.

وللحديث بقية…..

واقرأ المقال أيضاً بالرابط التالي:

https://qarninews.net/2022/11/09/%d8%a5%d8%b3%d9%87%d8%a7%d9%85%d8%a7%d8%aa-%d8%b9%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%b1%d9%81-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%88%d9%85%d8%a7%d9%84-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%af%d8%b1/

الهوامش:

1- با علوي ، محمد بن أبي بكر الشلي : المشرع الروي في مناقب السادة الكرام آل علوي دون ذكر اسم دار النشر والمكان والتاريخ ، وطبع وقف لله تعالين  ص 189 – 190 ؛ انظر الشريف العيدروسي : بغية الآمال ، مرجع سابق ص 41.

 


Monday, 31 October 2022

 

إسهامات أهل الصومال في علم الصرف بين المدرسة التقليدية والنظامية (1)

توطئة

يشكل فنّ الصرف أساسا ً من الأسس المهمة في اللغة العربية قديماً وحديثاً، بل إنّ كل من اشتغل بالل العربية – من نحوي أو لغوي آخر- يحتاج إليه، ولا يستغني عنه، لذلك فإنّ علم الصرف له أهميته ليست في اللغة العربية وأدابها فحسب، وإنّما في فهم النصوص الصحيحة المقدسة من الكتاب والسنة، لاسيما في فهم عموم الشريعة الإسلامية وأحكامها ومعاني ألفاظها، وغير ذلك.

وعموم الحديث عن هذه المادة اللغوية يأخذنا إلى أربعة أبعاد أو مستويات مختلفة، كحديث عن المستوى الصوتي، والمستوى الصرفي – أي بنية الكلمة، والمستوى التركيبي النحوي، والمستوى الدلالي وهو المعنى بالمعنى، وإذا كان النحو يبحث في أواخر الكلمة فإن علم الصرف يبحث في بناء الكلمة، وأحوال هذه الأبنية التي لا تخصّ الإعراب ولا البناء، من حيث كون الحروف صحيحة أو معتلة، وأصلية أو زائدة، أو حصل فيها إبدال في الحروف، وما شابه ذلك، ولذلك فإنّ علم الصرف يدرس التغيير الذي يظهر على صيغة الكلمة وبنيتها، كالزيادة، أو النقصان، أو الإبدال والقلب، وغير ذلك.

لا يخفى على أحد العلاقة بين علم الصرف والمعاجم اللغوية التي تبحث عن استعمال الكلمة العربية الفصيحة ومفردها ومثناها وجمعها، وفعلها ومصدرها والمشتقات منها، كما لا يخفى على أحد تلك العلاقة بين علمي الصرف والنحو، بحيث أنّهما جزآن مهمان في اللغة العربية ولا ينفصلان، وأنّ كليهما يكمل بعضه بعضا.

ويرى بعض الباحثين أنّ دراسة الصرف تُعد مقدمة ضرورية لدراسة النحو ، وأنّ كليهما يكمل بعضه بعضا أو مهم للآخر، علماً أنّ الصرف في اللغة العربية صرف جبري، بدقة القياس، والاعتماد على الجذور، ومرونة الاشتقاق، ولذا كان إخضاعه للضبط الحاسوبي أمراً ممكناً.([1])

ومن هنا أردنا أن نستعرض وعبر شبكة القرن حصرياً “إسهامات أهل الصومال في علم الصرف “من خلال الحديث عن المجهودات اللغوية الصرفية التي قدمتها المدرسة التقليدية المعروفة، وكذا المدرسة النظامية الأكاديمية دون أن نقيد فترة من الفترات، أو منطقة معينة من بلاد الصومال الكبير المترامية الأطراف التي يقطنها أهل الصومال في القرن الإفريقي، وذلك بهدف التعرف على مدى إسهامات هؤلاء. علماً أنّ دراستنا تقتصر فقط على المجهودات التأليفية، مع علمنا أهمية الجوانب العلمية الأخرى من التعليم والتدريس عبر الحلقات العلمية التي كانت تقعد في المساجد والزوايا وغير ذلك.

ومن خلال هذا البحث نحاول إبراز تلك الجهود الجبارة التي قدمها العلماء والباحثون في بلاد الصومال في حقل اللغة العربية ولا سيما في علم الصرف، وكذا بعض نماذج من البحوث والدراسات الأكاديمية التي تناولت علم الصرف بأي وجه من الوجود العلمية المكتوبة.

ولا شك أنّ العودة إلى الأصالة وتراث الأولين والإطلاع عليه أولاً ثم البحث فيه إنّما يعني في الحقيقة ترسيخا للتواصل بين الماضي والحاضر، واستفادة من تجارب أهل الفنّ والإبداع، وكيف لا، ومن يستطيع القفز على ذلكم الكنز الثمين الذي خلفه الأوئل بدون أن يستنير بتجاربهم الثرية، كما أنّه يصعب أيضاً بناء جسور المعرفة المتينة وانتاج العلم الرصين وتحقيق التقدم الحضاري من دون الاهتمام بالمصادر والاستلهام من منابع المبدعين.

 وإذا كان هناك باحثون وأكاديميون تخصصوا في فنون اللغة العربية في المؤسسات التعليمية النظامية عل مر العصور القديمة والمتأخرة في الداخل والخارج فإنّ ذلك لم تأت من فراغ، بل من خلال ما بناءه الأوائل وما بذلوه من جهود مضنية في المجالات العلمية المختلفة، ها نحن نرى اليوم في الساحة التعليمية تطورا هائلا، ليس في مجال اللغة العربية ودروبها فحسب، وإنّما في أكثر من حقل من حقول العلم والمعرفة نتيجة تلك الجهود المذكورة من المدرسة التقليدية ليكتمل الجسر المعرفي في المدراس والمعاهد والمؤسسات التعليمية النظامية الأخرى على طول البلاد وعرضها، وفي الأرياف والمدن رغم الظروف الصعبة وحالة عدم الاستقرار التي مرت بها الصومال في العقود الثلاثة الأخيرة.

واقرأ المقال أيضاً من شبكة القرن  الصومالية في الرابط التالي:

https://qarninews.net/2022/10/31/%d8%a5%d8%b3%d9%87%d8%a7%d9%85%d8%a7%d8%aa-%d8%a3%d9%87%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%88%d9%85%d8%a7%d9%84-%d9%81%d9%8a-%d8%b9%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%b1%d9%81-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84/

الهامش


[1] – انظر د. مسفر بن محماس الكبيري الدوسري: حوسبة الصرف: التصغير أ نموذجاً، الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، ص 194.