Thursday, 28 September 2017

الأمن الصومالي جزء من الأمن القومي العربي وليس جزء من الأمن الحبشي


ما أشبه الليلة بالبارحة
د/ محمد حسين معلم علي

ما من شك بأنّ الأمن الصومالي جزء من الأمن القومي العربي، كما أنّ الأمن العربي لا يستقر إذا كانت الصومال متوترة غير مستقرة، بل أكثر من ذلك فإن الاستقرار في الشريط البحري (الأحمر والمتوسط)كان عبر التاريخ بمثابة الحزام الأمني للمنطقة العربية بربمّتها، كما شكلت الدول والممالك الإسلامية فيما بعد على شاطئ البحر الأحمر طرازاً إسلامياً تمثل جوهرة عقده مدينة زيلع الصومالية. ومنذ محاولات الأحباش وهجمات قراصنتهم على سواحل جدة في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان المسلمون على حذر من هؤلاء، وقد أمر ابن الخطاب بإيفاد حملة بحرية للقضاء على نشاط القرصنة. أما في عهد خليفة عبد الملك بن مروان رحمه الله  فقد رأى محاصرة الأحباش على السواحل وبالتالي خطط على ابعاد خطرهم بجيث سيطر الأسطول الأموي على جزر دهلك الصغرى والكبرى لحدّ هجمات القراصنة لسفن المسلمين، وذلك حتى لا تعود هيمنتهم على المنطقة مثلما سيطروا على اليمن في فترة قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ومحاولاتهم بهدم الكعبة بقيادة أبرهة الأشرم.
وحينما غزت دولة البرتغال لمنطقة شرق إفريقيا بعد دورانها حول رأس الرجاء الصالح بقيادة الملاح فاسكو دي جاما بغية الوصول إلى المحيط الهندي والتخلص من سيادة العرب للطرق التجارية التقليدية، وقد استطاع البرتغاليون الاتصال بالملك الحبشي المسيحي ليتعاون معهم في مشروع احتلال مكة والمدينة والزحف تجاه السلطنات الإسلامية المطرزة على طول الساحل. 
البرتغال ودورانهم حول إفريقيا
نعم كان هدف البرتغال الهجوم على الحجاز وهدم الكعبة ونبش قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، بالإضافة إلى الوصول إلى الهند والشرق الأقصى مباشرة دون الحاجة إلى توسط المسلمين في نقل التجارة، لسيطرة المياة الإقليمية ثم لتحقيق الحصار الاقتصادي على العالم الإسلامي من ناحية الجنوب، في ذلك الوقت كان الشعب الصومال هو الشعب الوحيد في منطقة شرق إفريقيا الذي اعترض الأسطول البرتغالي في مدينة برافا ولم تتمكن هؤلاء الاكتحام بالمدن الساحلية الصومالية على غرار ما فعلوا على ممباسه وكلوة ولامو ومليندا وزنجبار، وبمجرد وصول الأسطول البرتغالي إلى سواحل إفريقيا الشرقية قصفوا بمدافعهم ونيرانهم حتى أخضعوهم وأرغم السكان على دفع الضريبة للملك البرتغال.
أما عند محاذاة سفن البرتغال بمدينة مقديشو خافوا منها لما رأو المنارات والمآذن الشاهقة ظناً منهم بأنها قلاع للحرب، واكتفوا فقط إطلاق المدافع عليها، ثم واصلوا الزحف نحو اليمن والحجاز واصطدموا
مع الأسطول المملوكي اليمني في بحر العرب الذي انتهز أمام البرتغال، وبالتالي فرض الأسطول البرتغالي حصاراً قوياً لمنع السفن القادمة من الهند من دخول إلى  البحر الأحمر والمواني العربية، كما أنّهم استخدموا أعنف أساليب القرصنة ضد التجار والحجاج المسلمين واستولى على بعض السفن العربية.
الأسطول ا لعثماني  في المحيط الهندي
ومن هنا أخذت الخلافة العثمانية مسؤوليتها تجاه العالم الإسلامي وعلى رأس ذلك حماية الحرمين الشريفين، بل توغل الأسطول العثماني إلى المنطقة بعد أن تهيأ لمصارعة البرتغال وكونت الجبهة الإسلامية، ثم تأمين البحر الأحمر، لعمل الحزام الأمني حول الحرمين الشريفين، واستطاع العثمانيون كبح جماح البرتغاليين وعدم وصولهم إلى الأماكن المقدسة، ومن هنا فشلت جميع المحاولات الترتغالية الحبشية للوصول إلى الحرمين الشريفين. من ناحية أخرى استطاع بنو عثمان وقف الزحف الشيعي الصفوي الذي كان متعاوناً بالبرتغاليين مثلهم مثل الأحباش، وكان العثمانيون يرون بأنّ عليهم مسؤولية حماية المسلمين من خطر المسيحي، كما أخذوا مسؤوليتهم حمايتهم المذهب السني من خطر الزحف الشيعي المتطرف..فما أشبه الليلة بالبارحة، وكأنّ التاريخ يعيد نفسه.











Wednesday, 28 June 2017





أسد سرمان ووديانه مختار روبو الرحنويني
13
د. محمد حسين معلم
الشيخ مختار روبو

منذ أن صدر القرار الأمريكي من إخراج الشيخ مختار روبو من القائمة الأمريكية المطلوبة والمتهمة بالإرهاب الدولي في يوم الجمعة 23 يونيو 2017م اختلف الناس حول الخبر وتعددت آراءهم وأقوالهم بين مرحب ومستنكر. وقد لاحظ بعض المراقبين في شأن الصومال ردّ فعل حركة الشباب وانزعاجهم بالخبر، وكانوا يحاولون طيلة الأيام الماضية لتشويه صمعة أبي منصور حتى ينفض حوله بعض أتباعه، ويقال أنّ بعض القادة يخافون أن ينضم بعض المقاتلين من حركة الشباب إلى صفوفه وخاصة ممن ينتمون إلى قبائل ديغل ومرفلي إذا حدث تصادم بين الفريقين في ظل الظروف الجديدة. وفور صدور القرار برزت أيضاً في الساحة الإعلامية أنشطة فريق منظم يتمركز في العاصمة والقريب للحكومة الصومالية سواء في الأجهزة الأمنية أو المؤسسات الحكومية الاخرى وقد انشغل هذا الفريق بث أخبار غير صحيحة لتشوش صمعة الرجل و وتقليل شأنه، والغريب أنّ هذا الفريق وافق بما ذهبت إليه حركة الشباب من أخبار كاذبة، بحيث نشروا خبر اجتماع ضباط من أمريكا مع الشيخ مختار في مدينة بيدوا، وربما يخاف الفريق الأخير إذا انضم مختار إلى  صفوف الحكومة الصومالية أن  يكشف بعض الأوراق الأمنية لها علاقة بالحركة وبعض الناشطين في صفوف الحكومة.

ومهما كان الأمر ..كنتُ أندهش كل ما أزور جنوب الصومال وبالذات مدينتي مقديشو وبيدوا وخاصة عندما كنتُ أسمع كلمات المدح والإثراء لأبي منصور مختار روبو وإطراءه بالحكمة والاعتدال فضلا عن الشجاعة وإفصاء الحق ونصرة المظلومين، وذلك منذ ظهور نجم المحاكم الإسلامية وحتى في عام 2011م، وكانت تزداد دهشتي واستغرابي حينما كان يصدر تلك الكلمات والإثراء من أشخاص مختلفة في أماكن متغايرة رغم أنّ الرجل حسب معرفتي في تلك الفترة لم يزل ينتمي إلى حركة الشباب المجاهدين الذين كانوا يرتكبون القتل وخلق الرعب في نفوس المجتمع، وعدم الاستقرار السياسي والديني والاجتماعي فضلاً عن عدم توفر لدى الجماعة وضوح الرؤية الثاقبة والاستراتيجية الواضحة لأحوال البلاد والعباد في المستقبل. والعجيب أنّ هذه الأوصاف المتميزة والخصال الحميدة التي كان الناس يوصفون بالشيخ لم تكن تتغير بين فينة وأخرى، بل كانت تزداد يوماً بعد يوم.
ولم يكن من باب الفضول عند ما بدأتُ - في السنوات الأخيرة – أسأل الناس الأسباب التي جعلتهم يمدحون الرجل ويفضلونه على غيره رغم أنّه وكثير من رفقائه في الدرب ما زالوا في خندق واحد، وفي عمق البحر التطرف ... ولكن
الناس كانوا يكتفون بقولهم: " ليس الأمر كما تظن يا محمد" ومرة : " الأمر يختلف على ما يذهب كثير من الناس ونحن نتكلم من أرض الواقع، ولكن قبل أن تحكم ابحث الأمر بالتروي والتريث دون أن تستعجل وتلقي الحكم أو اللوم على غير محله قبل أن تقوم بالدراسة المتأنية ... ".
وقد ساقه الله إليّ فرصة لم تكن في حسبان عند ما فاجئني الشيخ مختار روبو نفسه الاتصال بي وأنا موجود في بيدوا في الصيف عام 2011م كما أشرنا من قبل، وقد اتفقنا أن نلتقي معاً  في ضواحي مقديشو وخاصة منطقة الأبار رغم خطورة الموفق. وهذا الأمر وغيره مما دفعني إلى لقاء الرجل والجلوس معه، وأنّ هذا اللقاء تمخض سلسلة من المقالات التي نحن في صددها. وقبل ذلك كنتُ ينتابوني شك وريبة وخاصة أقوال أهالي مناطق جنوب الغرب الصومال، ظناً بأنهم ربما يتوددون إلى الرجل لأجل انتماءهم القبلي الذي يجمعهم مع الشيخ مختار، ومن هنا كان لزاماً أن أركز على أهالي العاصمة ، فكان النتيجة مفاجئة عند ما توافقت وتطابقت أقوالهم بما قال بعض من التقيتهم في بيدوا وبورهكة وبردالي وواجد فضلا عن منطقة سرمان التي ينحدر منها الرجل.
الأمير أحمد عبدي غدني
وبدت جلية مرونة أبي منصور وشجاعته في بوح الحق وإظهاره، بل وكشف بعض الحقائق رغم معارضة الحركة ذلك ، مثل رفضه باغتيال الناس سواء أؤلئك الذين يعملون في داخل الدولة أو أناس عاديين، كما رفض اغتيال بعض أتباع الحركة ولاسيما أؤلئك المهاجرين غير الصوماليين بجج وعلل واهية، وفي هذا الأمر استطاع أن يؤثر بعض القادة للجنوح والميل إلى رأيه ضد قائد الحركة السيد أحمد غدني عندما تمّ عقد اجتماع مصغر جنبا إلى جنب مع كبار قادة حركة الشباب آخرين بينهم الشيخ حسن طاهر أويس وإبراهيم حاج جامع ميعاد المشهور بإبراهيم أفغان، وفي هذا السدد أصدروا فتوى ضد محاولة غدني لقتل الجهاديين الأجانب. وقبيل ابتعاده عن الحركة فجر أبو منصور مفاجئة عندما اعترف ما عانوا من خسائر عسكرية فادحة أمام القوات الحكومية الاتحادية الانتقاليه وقوات الاتحاد الإفريقي في مقديشو وجنوب البلاد:
الشيخ حسن طاهر أويس
كما اعترف تراجع شعبية لحركة الشباب ومناصيرهم نتجة العنف ضد المدنيين وأخطاءهم الدينية والوطنية.
وهذا الخطة الجريئة والشجاعة المفرطة من قبل الشيخ مختار روبو سببت له بعض المشاكل، بل واتهم الرجل بأنّه لين ومداهن من داخل منظومته وحركته المسمى بحركة الشباب المجاهدين، عندما كان يتوقى العنف في أكثر من ميدان، والبعد عن إثارة النعرات القبلية... وأن يثير في حفيظة النفوس المجتمع الصومالي الحساس – كما أشرنا من قبل - ثم فيما بعد أصبحت الرؤية واضحة للشيخ ولم تكن تختلط لديه بحيث وصل الرجل إلى حد يستطيع أن يميز بين الجهاد الحقيقي الذي هو سنام الأمر في الإسلام وبين من يرفع راية الجهاد ويستخدم كل الطرق والوسائل الشرعية وغير الشرعية، وهذه النقطة جعلته يميز بين أمر بالمعروف وإصلاح بين الناس وتأديب المجرمين وزرع الخوف والرعب في نفوسهم، وبين ارتكاب الظلم والخوض في حرمات الله.
ولا ننسى أنّ نقاط الخلاف بين الطرفين أيضاً  كانت كثيرة مثل: محاولة بعض القادة لعولمة الجهاد والانتماء إلى منظومات جهادية خارجية، في حين كان أبو منصور مختار روبو يعترض ذلك كما أسلفنا من قبل، وقد ردد أكثر من مرة قوله " لا يوجد بيننا وبين الحركات الجهادية مثل القاعدة علاقة قريبة حتى نكون منهم ويكونون منا"، وقال أيضاً مسترسلاً حديثه حول ذلك " إنهم – أي جماعة القاعدة التي كان يترأسها الشيخ أسامة بن محمد بلادن -  مجاهدون وعدونا واحد يقاتلون الغزاة ونقاتلهم ... يريدون تطبيق شريعة الله على الأرض ونحن نريد ذلك. لكن تنظيميا ليسوا منا ولسنا منهم ". وقد قال لي: ليس هناك سبب ننتمي إلى القاعدة لأننا أحسن منهم في أكثر من وجه، ونحن نستولى  أراضي شاسعة حوالي احدى عشرة محافظة ويرفرف علم الحركة عالياً، بينما جماعة القاعدة يختبؤون خلف الكهوف وأعالي الجبال".
أما خلاف فيما يتعلق بالضرائب التي  فرضت  الحركة على الرقاب، اعترض أبو منصور بشدة بالإتاوات التي كانت تؤخذ من الشركات الوطنية وحتى الهيئات الدولية والإقليمية، ما عدا أؤلئك الذين يتاجرون القات بحيث كان يفضل عدم المنع ولكن القيام بالتضييق ودفع الضرائب الباهظة، بالإضافة إلى إخراج القات من وسط المدن إلى ضواحيها،  كما حصل ذلك في مدينة بيدوا.
ولكن أول هزة حدثت بين الشيخ مختار روبو وبعض قيادات الحركة كانت عند ما أطلق أبو منصور سراح بعض الوزراء والمسؤولين السياسيين في الحكومة الصومالية في مدينة بيدوا بعد استيلاء حركته عليها عقب استقالة الرئيس عبد الله يوسف أحمد واستلام رئاسة الجمهورية  السيد أدم محمد نور مدوبي، ومن بين من أطلق سراحهم الوزير محمد إبراهيم حابسدي أحد ابرز زعماء قبائل دغل ومرفلي في تلك الفترة، وحينها اتهم بالشيخ مختار أموراً  كثيرةً، بل وطلب منه أن يفرق بين الجهاد والكفاح وبين العاطفة القبلية، ولكن الرجل لم يكن يريد مزيداً من إراقة الدماء رغم ما يقال هنا وهناك في تلك الفترة. والحق أنّ مرونة الشيخ وتعامله بالسياسة اللين كان ديدنه، فقد سجلت له أكثر من مكان في طريقة تعامله مع الناس على الرغم مما كان يوجه إليه من انتقادات حاذة ولكنه لم يكن يبالي ذلك، وقد بدأها في مناطق باي وبكول التي ينتمي إليها، وخاصة عندما اقتحمت مليشات حركة الشباب المجاهدين المدينة بقيادته، وكان يفتخر باجتهاده هذا ويراها تقرباً إلى الله سبحانه وتعالى في تلك الطروف الصعبة التي كانت تمر البلاد من تدخل  صافر في شؤون الصومال كل من هبّ ودبّ. وأخبرني بأنّه ينبغي أن يكون الصراع موجهاً للأعداء والمخربين لوطننا لا لشعبنا العزل، كما أخبرني بأنّه دفع دية لمن قتلته مليشيات الشباب خطأ وعددهم 16 شخص وأغلبهم من مناطق باي وبكول ، ولكني وجهدتُ إليه سؤالاً " من يدفع الدية لمن قتلتموهم في العاصمة وجنوب البلاد ووسطها أو أي مكان آخر في ربوع وطننا ؟" ، فقال لي : " القضية هي الإحساس بالذنب وأنا أتبرأ  كل جريمة أو ذنب يغترف تحت إمرتي حتى أنجوا يوم القيامة " .

 
 والحقيقة قد أكد لي أناس كثيرون في العاصمة ما ذهب إليه أبو منصور من تعامله بالحكمة والرفق، وأنّه جرب هذه
 السياسة – أي سياسة اللين وخفض جناح الذل للأمة – في وقت كانت حركته في أوجه قوتها وعنفوانها لا يخاف في الله لومة لائم، حتى أنّه كان يأتي في الأماكن العامة ويعلن سياسته، كما كان يقف على المنابر في مقديشو وبيدوا وينتقذ بالأعمال المنحرفة وما يقترفه بعض القادة من ترويع الآمنين وقتل الآبرياء.
والحق أنّه حينما أحسستُ منه بصدر رحب شرعتُ أسأل عدة الأسئلة مثل: "إذاً لماذا تصر على هذا الوضع السيئ كما تصفه  أنت َالذي لا تقتنع به ؟ " فأجاب فوراً وبدون تفكير أو تمهل: " فهل تعرف - يا أخي - فئة أحسن من حركة الشباب ... أؤلئك الشباب الصفوة المساكين بغض النظر عن القيادات المنحرفة والمتسلطة .... ألا ترى حولنا من الذئاب والمجرمين وأذيال المستعمر وجواسيس الأحباش وأهل الرشاوي وقطاع الطرق واللصوص... الحقيقة إنني مطمئن بالزمرة ولا أرى فئية أحسن منهم حتى الآن ... ولكن هذا ليس معناه بأن أسكت  الظلم والإجرام كالشيطان الأخرس، الظلم الذي يرتكبه بعضنا إذ ليس من شيمتى الجبن والمداهنة ".  واسترسل حديثه قائلاً : " لعلمك يا دكتور محمد بأنّي مستهدف من قبل بعض قيادات الحركة لأجل أفكاري، وقد جرى عدة محاولات لاغتيالي ونحن في أحلك الظروف ومع مواجهة العدو ، والهدف هو إسكاتي وعدم بوح الحقيقة.". وقال: " وأكثر من مرة قلتُ  بأني لا أفضل العمل بقضايا خفية وغامضة وعدم وضوح والرؤية " انتهى كلامه.