Monday, 5 June 2017




جهود أهل الصومال في خدمة المذهب الشافعي 9
د. محمد حسين معلم 
حضور كبار الشافعية في مخيلة أهل الصومال:
لقد وصل اهتمام الكُتّاب وأهل العلم والدراية إلى تسليط الضوء على كبار شخصيات الشافعية الذين لهم أراء واجتهادات فقهية ، ولكنها متناثرة في بطون المصادر والموسوعات الفقهية، ومن الصعب استحضار تلك الآراء والكنوز لدى طلاب العلم ، ولكن أهل العلم والاختصاص حاولوا تحقيق ذلك في أكثر من مشروع علمي ظهر في الساحة العلمية هنا وهناك. وهذه ليست بدعة من البحث العلمي، لا سيما إذا عرفنا بأنّ العلامة محمد أحمد مصطفى أحمد المشهور بمحمد أبو زهرة من أوائل من قام دراسات مماثل في هذا المضمار وعلى رأسها دراسته المشهورة ( الشافعي، حياته، وعصره، وآراؤه وفقهه،)،
 علماً أنّ محمد أبو زهرة قام عديد من دراسات مماثلة لهذا النوع حول أئمة الأعلام مثل:
أبو حنيفة - حياته وعصرة - آراؤه وفقه
مالك - حياته وعصرة -  آراؤه وفقه
ابن حنبل - حياته وعصرة - آراؤه وفقه
الإمام زيد - حياته وعصرة - آراؤه وفقه
ابن تيمية - حياته وعصرة - آراؤه وفقه
ابن حزم - حياته وعصرة - آراؤه وفقه
الإمام الصادق - حياته وعصرة - آراؤه وفقه.
وفي الحقيقة " إنّ دراسة شخصية من الشخصيات العلمية المعروفة في دائرة معرفة مذهب معين، هو إسهام في دراسة نشأة ذلك المذهب دراسة تاريخية ومنهجية من ناحية، ودراسة الأصول والضوابط التي وضعها مؤسس المذهب ومراحل تطوره ونضوجه وإكماله من ناحية أخرى. وبما أن المذاهب الفقهية بكل شعبها مرت بأدوار مختلفة زاد في كل دور منها جديد، وظهر في كل دور أيضا عالم أو علماء أفذاذ بابعوا تأصيل هذا المذهب وساهموا في تطويره " ، كما يقول ذلك الباحث الشيشاني أزيوف عبد الغفور بن بشير في كتابه:( منهج الإفتاء عند الإمام النووي، وهو بحث دكتوراه في أصول الفقه، من كلية معارف الوحي والعلوم الإنسانية، بالجامعة العالمية الإسلامية بماليزيا عام 2008م، ص 2 ).
وقد حدا حدوه بعض الباحثين كفضيلة الدكتور محمد إيمان أدم الصومالي الملقب بالشاطبي دراسة حول الإمام النووي وآراؤه الفقهية في كتابه ( زيادات الإمام النووي واستدراكاته على الإمام الرافعي من بداية كتاب الصلاة إلى نهاية صلاة التطوع من خلال كتاب الروضة-جمعاً ودراسة مقانة). والدراسة عبارة عن بحث علمي نال المؤلف من خلال درجة الماحستير في الفقه عام 1426هـ في كلية الشريعة، بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في المملكة العربية السعودية.
ومنهم الأستاذ محمد معلم أحمد حيث أنجز دراسة حول الإمام النووي أيضاً وسماها ( اختيارات الإمام النووي الفقهية في العبادات من خلالا كتابه " المجموع" دراسة مقارنة )، وتناول المؤلف هذا الكتاب حول آراء واختيارات الإمام النووي في الفقه من خلال كتابه المجموع وقد اختصر في القسم العبادات بحيث تناول الطهارة والصلاة والصيام وقد استهل بها صلاة الليل التي كان الرسول – صلى الله عليه وسلم – يقوم بها ثم تناول الزكاة والصوم والحج. وقد بدأ المؤلف كتابه الحديث عن الإمام النووي نسبه وولادته وحياته العلمية ثم قدم دراسة قوية حول كتاب المجموع. والكتاب طبع بمطابع دار العلم بمصر في طبعته الأولى عام 1434ه الموافق 2013م.
وقد تتابعت هذا النوع من الدراسات لدى أهل العلم في الصومال واهتموا في إبراز بعض الجوانب من آراء وفقه بعض الكبار الشافعية بعد جردها من بطون الكتب والمصادر وجمعها ودراستها، بل ومقارنتها مع الفقهاء الآخرين في المذهب وغيرهم. ومن هؤلاء فضيلة الشيخ الدكتور باشنا إبراهيم محمود الذي قام بتحقيق إنجاز بحث علمي حول شخصية مهمة وآرائه في المذهب الشافعي، واستطاع إخراج دراسة تتناول مجال الأصول في الفقه الإسلامي، حيث وضع كتاباً أطلق عليه (على بن ابى هريرة وآراؤه الفقهية). ومن المعلوم أن العلامة على بن أبى هريرة من كبار الشافعية، وأن آراءه الفقهية تحوم حول المذهب، وقد استطاع فضيلة الدكتور أن يقارن هذه الأقول والآراء وأقوال الفقهاء الآخرين سواء كانوا شافعيين أو غيرهم ليظهر قيمة ما توصل إليه المؤلف. والكتاب عبارة عن رسالة علمية أكاديمية نال المؤلف من خلالها درجة الماجستير في الفقه وأصوله من قسم الشريعة والفقه التابع بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة أم القرى بمكة في المملكة العربية السعودية. والكتاب يسلط الضوء على آراء تلك العلامة الفقيه الأصولي.
وهناك دراسة قام بها الأستاذ عثمان علي فارح حول الآراء الفقهية للعلامة أحمد بن حجر العسقلاني من كبار الشافعية في عصره ، وهذه الدراسة ميسومة بـ ( الاجماعات الفقهية المنقوضة لابن حجر العسقلاني )، وهو بحث نال صاحبه درجة الدكتوراه في فقه السنة في جامعة المدينة العالمية في ماليزيا المتمثل قسم الحديث وعلومه، وتناول الباحث الاجماعات الفقهية المنقوضة لعلامة  العسقلاني من خلال كتابه فتح الباري والذي هو شرح لكتاب جامع صحيح البخاري.
كما قام فضيلة الشيخ الأستاذ عبد القادر علي مؤمن عدو دراسة نفيسة في هذا المنحى حيث سلط موهبته على أحد الأعلام الشافعية وهو العلامة الفقيه الأصولي سليمان ين يسار عبر كتابه (الفكر الفقهي لسليمان بن يسار)، وتحدث هنا الأستاذ الآراء الفقهية للإمام سليمان يسار والتي هي متناثرة في بطون الكتب والمصادر الفقهية، وبعد جردها وجمعها قام الباحث بالترتيب حسب الأبواب الفقهية، ثم قام بدراسة مقارنة هادئة، حيث قارن الآراء الفقهية المماثلة والمخالفة والتي ذكر الفقهاء مع ذكر أدلتهم ، ولم يكتف الباحث هنا في ذلك وإنما قام بالترجيح على حسب ما ظهر إليه. وقبل ذلك تناول الأستاذ عبد القادر علي مؤمن بترجمة العلامة سليمان بن يسار وحياته وعصره وما قال عنه العلماء ومكانته العلمية. والكتاب عبارة عن رسالة الماجستير من جامعة المدينة العالمية في ماليزيا، بكلية العلوم الإسلامية ، قسم الفقه.
وكذلك أنجز الباحث حسن عبد الله حسن دراسة علمية حول أحد الفقهاء الشافعية وهو الإمام ابن خزيمة رغم آرائه الفقهية المستقلة ومخالفة للمذهب بعض الأحيان، ودراستة الأخ جاءت تحت عنوان (آراء الإمام ابن خزيمة الفقهية من أول كتاب الصيام إلى نهاية أبواب الصدقات والمُحَبَّسات من كتاب الزكاة جمعا ودراسة )، وهذا الموضوع مُهم في بابه؛ لأنه قام في جَمْعِ ودراسة آراء أحد الأئمة الأعلام الموثوقين ومن الذين برزوا في القرن الرابع الهجري، علما أن الإمام ابن خزيمة يعتبر شافعي المذهب – كما أشرنا من قبل - وله آراء تخالف المذهب أحيانا تدل على بعده عن التعصب المذهبي واهتمامه بالدليل؛ ولذا فإن آراءه اتسمت بقوة الحجة، والناظر في تعليقاته على الأحاديث وتراجمه في كتابه الصحيح يتبن له باعه الواسع في علمي الفقه والحديث حيث سلك فيها مسلك الإمام البخاري رحمهم الله تعالى في صحيحه. وذكر الباحث أن دراسته هذه تناولت موضوعات يحتاجها المسلم في دينه كالصيام والزكاة والصدقات، والعمل فيه يُسهم في إبراز جهود العلماء ويثري المكتبة الإسلامية ويتيح الاستفادة منها سواء للعامة أو طلبة العلم، علماً انّ هذه الدراسة عبارة عن بحث علمي نال الكتاب بدرجة الماجستير من قسم الفقه بلكية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في مملكة العربية السعودية.
أما فضيلة الدكتور محمد شيخ أحمد شيخ مٌحٌمد عمر متان الحسني المشهور بشيخ محمد حاج كعادته له جهود علمية في حضور المذهب الشافعي وشيوخه في فكره وقلبه وقالبه، وقد وفق الله فضيلته إنجاز دراسة علمية أصولية وفقهية سماها ( مقاصد الشريعة العامة عند الإمامين: العز ابن عبد السلام والشاطبي دراسة مقارنة )، استهدفت هذه الدراسة أساساً المقارنة بين جهود الإمامين العز بن عبد السلام والشاطبي، في موضوع المقاصد والمصالح والمفاسد بصفة عامة، والمقاصد العامة بصفة خاصة، وذلك إيماناً من الباحث بأنَّ الدور الإصلاحي والتجديدي الذي اضطلع به كل من الإمامين في عهده، كان من ورائه تفطنهما للمقاصد الشرعية، وتفوقهما فيها، إضافةً إلى ما اتسما به من صدقٍ، واستقامةٍ، ووضوح، وتحرر في التفكير والمواقف، وتحرير للمسائل والقضايا، مما جعلهما يغزوان هذا العصر، ويُشكِّلان حضوراً قوياً في الكتابات المعاصرة في الفكر الإسلامي بصفة عامة، وفي الفقه وأصوله ومقاصد التشريع الإسلامي بصفة خاصة؛ ولذلك هدفت الدراسة إلى استلهام العبر والدروس من منهج الرجلين التجديدي والإصلاحي في الفكر والتشريع في هذه المرحلة، ولا شك أنَّ ذلك سيسهم كثيراً في دفع عجلة التجديد ومسيرة الإصلاح الفكري عامة، والتشريعي خاصة، كما ذكر ذلك فضيلة الدكتور علي بن العجمي العشي بعد قرآءته للكتاب. وأصل الدراسة كانت رسالة علمية نال بها الدكتور الماجستير في أصول الفقه من قسم الشرية والقانون التابع بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة إفريقيا العالمية بالسودان عام 2002م.
ثم ظهرت دراسات وبحوث ضخمة تسهم في إبراز آراء فقهاء اندسرت كتبهم وأخرى أقوالهم متفرقة في بطون كتب الفقه. وهكذا استمر الباحثون – ليس في الصومال – فحسب وإنما غيرهم على انجاز دراسات تبرز قيمة الآراء الفقهية لبعض الأعلام الشافعية وغيرهم مثل دراسة " الإمام الآخري وآراؤه  الفقهية " للشيخ الكتور قيس عبد الغفور نجم الخفاجي الذي استنبط منهجه الفقهي من آرائه ثم جمع المسائل الفقهية موزعة على أبواب الفقه، في ذكر رأي الإمام الآجري ثم رأي من يوافقه ثم آراء الآخرين مع ذكر أدلة كل مذهب، ثم الترجيح في نهاية كل مسألة معتمداً على قوَّة الأدلة مع مراعاة التيسير على العباد .كما قام الأستاذ هادي حسين الكرعاوي خدمة مماثلة في كتابه ( ابن جنيد وآراؤه الفقهية، دراسة في فقه الحجر ).
أما فضيلة الشيخ عبد الله علي جيله أحد الأعلام المشهورين في منطقة القرن الإفريقي صار حاضراً في ميدان العلم والمعرفة كعادته ولاسيما في استحضار الفقهاء الكبار في ذاكرته من خلال كتابه المسمى ( مقدمة في قواعد الفقهية )
وذلك عند ما أراد أن يخدم لتراث العالم الحافظ أبي بكر بن أبى القاسم بن أحمد بن محمد بن أبى بكر الأهدلى الحسينى اليمنى التهامى الشافعي المتوفى عام 1035ه، وقد أراد المؤلف أن تكون مقدمته هذه مقدمة لكتاب الأقمار المضيئة للشيخ الأهدل المشار إليه آنفاً. وقد جاءت هذه المقدمة الأنيقة حوالي 17 صفحة وهي رسالة لطيفة عبارة عن مقدمة مفيدة جمع فيها الشيخ علمه الغزير وفهمه الكثير وعصارة جهده القدير.
ولا شك إنّه من المفيد لمحاولة هؤلاء الباحثين والكُتّاب في تفحص مدارك الفقهاء الشرعية في استنباطهم للأحكام وكيفية استدلالهم عليها بمختلف الأدلة وكيفية استيعابهم للأقوال المتعددة للخروج بحكم يطمئن إليه، وهو أمر يثري البحث العلمي ويبعث في نفوس طلبة العلم الأمل والاندفاع إلى خوض هذا التراث الإسلامي الواسع.









Thursday, 25 May 2017



د. محمد حسين معلم


جهود أهل الصومال في خدمة المذهب الشافعي 8
بين الفتوى والقضاء:
وظالما يتشابه بين منصبي الفتوى والقضاء فإننا نرى بعض الأحيان من تولى منصب القضاء قد زاوله في الوقت نفسه الإفتاء واشتهر بأنّه مفتي البلاد، مما يدل على أنّ الفتوى تشترك مع القضاء في بعض الوجوه بحيث أن كلا منهما إخبار عن حكم الله تعالى ولذلك ينبغي لكل منهما أن تتوفر لديه شروط الاجتهاد، على الرغم أن القضاء ينحصر في فصل الخصومات و قطع المنازعات بل ويلزم على المكلف، بخلاف الفتوى التي لا يلزم فيه من جهة المفتى وكذا المستفتي. ولكن من ناحية أخرى فإن اصدار  الفتوى تعم أحكام الدنيا والآخرة، بخلاف القضاء التي تنحصر فقط في دنيانا، ومن هنا يقال إنّ مقام الفتوى أعظم خطراً من القضاء من حيث أن حكم الفتوى يتعلق بالمستفتي وبغيره وكل من يريد أن يزالها ويستفيد منها.
ومن الصعب
حصر ممن زاول منصب الفتوى والقضاء في أي قطر من الأقطار عبر التاريخ، غير أننا نحاول أن نشير إلى بعض هؤلاء الذين تولوا  ذلك، وبمجرد الرجوع إلى مصادرنا الإسلامية في العصور الماضية وخاصة المصادر اليمنية لعلنا نجد ممن تصدى أمر الفتوى في الديار اليمنية على الرغم أنّ لهم أصول فيما كان يعرف في التاريخ الإسلامي بلاد الحبشة سواء كانوا الزيالعة والجبرتية أو كانوا من الفئات المسلمين المختلفة في المنطقة، علماً أنّ لقب الزيلعي أو الجبرتي كان يطلق على كل من قدم على الجزيرة العربية من جهة الحبشة تمييزاً على الأحباش غير المسلمين، وإن كان فيما بعد وجدت طوائف وجماعات اشتهرت بتلك الألقاب في بلاد اليمن والصومال وإرتيريا وإيثوبيا، كما بيّنا في أكثر من مكان.
ومن المفيد الرجوع إلى ما تبقى من تراثنا التاريخي والحضاري، على الرغم مما حصل عليه من الدمار والضياع في الفترة السابقة بما فيها المكتبات الخاصة والعامة – مثل الدواوين والسجلات التي دونت أخبار المحاكم وفصل الخصومات عبر التاريخ، لعلنا نحصل ما يغني من الجوع، مثل " ديوان قضايا الخصومات والمرافقات في محكمة جالكعيو " الذي أعده الشيخ محمد محمود طيري ، القاضي المشهور في عصره في وسط الصومال وكذا في منطقة الأوغادين. هذا الديوان أعده القاضي محمد وهو عبارة عن بعض القضايا والخصومات التي حكمها القاضي بين المتنازعين في المجتمع الصومالي ولاسيما ما كان يجري في محكمة جالكعيو علما أن محكمة جالكعيو كانت تشمل مناطق مختلفة وأراضي شاسعة من طوسمريب وحتى منطقة وورطير في غرب الصومال. ورغم أن الكتاب قد جمع القاضي ما كان يتعلق بعمله القضائي والذي كان يلزم فصل الخصومات وردّ المظالم إلى أهلها إلا أن هذا الديوان يمتاز بأن صاحبه زجّ بعض القضايا الفقهية والأصولية التي لها علاقة بالحكم والقضايا المحكومة وبعض تفنيد المسائل وكشف الملابسات مبينا بكفية الوصول القاضي بحكمه. ومن خلال هذا الديوان نستشف بأن القضاء كان له علاقة قوية بسلطة عصره حتى ولو كانت تلك السلطة غير مسلمة مثل الاستعمار الإيطالي طالما أن الحكم يسير وفقا على الشريعة الإسلامية وخاصة المذهب الشافعي المنتشر في المنقطة حتى يكون القاضي موقف القوة وذات الشوكة يستمد سلطته من السلطات ليسهل تنفيد القضايا والأمور التي تمكن القاضي الحكم عليها. ويمتاز هذا الديوان بأنّ صاحبه وهو الشيخ محمد محمود طيري كان متبحرا بالفقه وأصوله لذلك كان من البداهة إذا اسندت إليه منصب القضاة في زمنه.
وقد مارس القضاة في مدينتي جالكعيو ووطير في الثلاثينيات والأربعينات من القرن المنصرم. ومن المعلوم أنّ الشريعة الإسلامية هي أساس السند والمعتمد التي يستمد منه النظام القضائي في عالمنا الإسلامي، وعلى هذا ينطلق أغلب القوانين من روح الشريعة من فهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والمصالح المرسلة التي تواكب الزمان والمكان ، وعند ما يصدر القضاة الأحكام القضائية عند فصل الخصومات وقطع المنازعات يفترض أن يكون حكمهم منبثقاً ومعتمداً على هذا المفهوم، لأنّ مصداقية القوانين والتزامها تستدعي من هذه الناحية، وإذا حصل أي خطأ وما أكثر الأخطاء التي ارتبكها القضاة طلباً للدنيا أو مجاملة للحاكم كان من جانب القاضي لا من حيث الاعتبار بالقوانين التي اتفق عليها أهل الحل والعقد.
وما أكثر ممن تولى منصب القضاء ثم اشتهر بالفتوى في عصرنا، ولعل ذلك يحتاج إلى تتبع وبحث مستقل، غير أنّه يحضرني في هذه العجالة وفي هذا الإطار صاحب المعالي فضيلة الشيخ موجه درر سمتر رحمه الذي اشتهر بمنصب القضاء في جيبوتي ثم عين مفتى البلاد في جيبوتي حتى جاء أحد العلماء في ذلك القطر وهو الشيخ عبد الله عبد القادر الجيلاني وكتب كتاباً سماه: " القاضي فضيلة الشيخ موجه درر سمتر – دوره ورحلاته في دعم القضاء الشرعي ونشر الدعوة الإسلامية بجمهورية جيبوتي" ويظهر الكتاب بأنّ المؤلف يحاول أن يغطي على رحلات القاضي موجه وجهوده في ذلك المنصب.
 وقد استحق قاضي موجه بهذا الاهتمام وهو عالم وقاضي وسياسي، تنسم أرقى المناصب في جيبوتي وأصبح الشخصية الاجتماعية الأولى في البلد بفعل منصبه كقاضي القضاة ومفتي البلاد، علماً أنّ القاضي نفسه ألف بعض رسائل عن القضاء مثل كتابه " تنظيم القضاء الشرعي في جيبوتي " ، وكذلك كتابه " تنظيم القضاء عند العيسى ".
خريطة ا لصومال الكبرى
وبلاد الصومال الكبير – سواء ما يعرف الآن جمهورتي الصومال وجيبوتي أو حتى تلك المناطق التي تأتي تحت سيطرة كلا من إيثوبيا وكينيا - كانت لها خصوصياتها ويظهر أنّه كان متلازماً ومتلاحماً بين القضاء والفتوى وخاصة إذا عرفنا أن منصب القضاء لم يكن يتولى  إلا الفقهاء ومن له إلمام بالعلوم الإسلامية وأحكام الشريعة الإسلامية، على الرغم أنّه انضم إلى السلك القضائي ممن عاد الرحلة العلمية في الخارج والذين تخصصوا في القانون والحقوق ما بعد استقلال الجمهورية الصومالية في عام 1960م ، ومع ذلك كان ممن يجيد أحكام الشريعة الإسلامية حاضراً في الميدان، ومن هنا  كان عالم الشريعة والفقيه يقضي بين المتخاصمين بصفته قاضياً، وفي الوقت نفسه ربما كان يقوم بمقام المفتي الذي يفتي بعض المسائل في ضوء الفقه الشافعي وفهمه بأحكام الشريعة عند ما يلجأ إليه الناس. ولعل ذلك يتضح جلياً عند عودة الدواوين القضائية وما تبقى الآن من مدونات القضاء التي يمتلكه بعض الأسر أو مما هو محفوظ في مكتبات الدوائر الاستعمارية في البرتغال والمملكة المتحدة وإيطاليا وفرنسا.
ولكن بعض الدراسات المعاصرة تؤكد عدم تطابق بين الشريعة الإسلامية وبعض القوانين الوضعية في الدستور الصومالي بعد استقلال البلاد في بعض حيثيات، مثل تلك الدراسة الأكاديمية التي قدمت الباحثة الصومالية القديرة الأستاذة صفية محمود محمد وذلك عبر بحثها " نظام العقوبات في الصومال ( القتل، السرقة والزنا) "، وهي في الحقيقة دراسة تحليلية في ضوء الشريعة الإسلامية ولا سيما فيما يتعلق بجرائم القتل والسرقة والزنا وعقوبتهم في القانون الصومالي مقارنة بالشريعة الإسلامية من حيث الموافقة والمخالفة. والصومال دولة مسلمة لشعبها، ودينها الرسمي الإسلام، كما نص ذلك الدستور، مما يفترض أن تكون قوانيها وأنظمتها ودستورها المستقاةً الشريعة الإسلامية، إلا أنّ الواقع جاء خلاف هذا الفرض كما توصلت الباحثة في دراستها التي نالت بدرجة الماجستير في القضاء والسياسة الشرعية من كلية العلوم الإسلامية، قسم الفقه وأصوله بجامعة المدينة العالمية بماليزيا. ولعل هناك دراسات مماثلة تضاهي ما ذهبت إليه الباحثة لأنّ البحث العلمي لا نهاية له طالما أدواته متوفرة، والحاجة إليه ملحة.

الصومال وانحراف الفتوى

الشيخ عبد الله بن بيه

وقد حدث انحراف خطير في صناعة الفتوى في العالم الإسلامي عموماً وبلاد الصومال خصوصاً في العصر الحاضر نتيجة ابتعاد الناس عن المعايير والموازين التي كانت توزن الشريعة الإسلامية عبر المجاميع الفقهية المعتبرة. وقد خصصت قناة الجزيرة حلقة كاملة عبر برنامجها " الشريعة والحياة في 15/ 11/ 2009م حول ذلك عندما استضافت العلامة عبد الله بن بيه نائب رئيس اتحاد علماء المسلمين الذي أكد بدوره فساد الفتاوى التي تحض على إهدار الدماء كما يفعل بعض طلبة العلم في الصومال، ويرفض أن تكون الفتوى بوابة للاقتتال والفتنة. 
وقدم الشيخ عبد الله بن بيه توصيفاً فقهياً لما يسود حالة الفتوى في العالم الإسلامي، مع تطبيق على نموذج الصومال، الذي قدمه بوصفه معبرا عن تراجع العقلية الإسلامية في فهم الشريعة، وفي منهجية تنزيل النصوص واضطرات المحل الذي تنزل فيها النصوص. وقد تابع العلامة عبد الله بن بيه تحليله للنموذج الصومالي في التوظيف الإفتائي، على مستوى الاستخدام والتطبيق في مجال التكفير، وحالة الاستيلاد الذين يبنون عليها أحكامهم. وأكد بن بيه أن الفتاوى لابد من تنزيلها على الواقع وتحقيق المقاصد، ووضعها في عين الاعتبار،

الشيخ عبد الله بن بيه
 وتحديد المصالح والمفاسد التي يتم إصدار الفتوى من أجلها، أي أن يتم تنزيل الفتوى تنزيلا سليما مستندا إلى الدليل والحكم الشرعي. وعن قضية سيولة الفتوى وكثرة إصدار الفتاوى التي يطلقها الشيوخ عبر الفضائيات وغيرها، أكد بن بيه أن هناك أصولا لابد أن يكون المسلم على دراية بها وألا يسأل فيها، مثل قضية الحرية، وبراءة الذمة؛ حيث وصف فضيلته مثل هذه الأمور بالأصول التي لابد أن يكون المسلم ملما بها وألا يسأل فيها. وأكد بن بيه أن الخلل في صناعة الفتوى اليوم يرجع إلى عدم احترام معايير الفتوى، والمتمثل في احترام الجزئيات في مقابل الكليات، ثم عقد مقابلة بين الاثنين حتى يكون بينهما تفاعل وتفاوض وتفاهم، وشدد على أن ضبط الفتوى يكون من خلال ضبط الفتوى بمنهجية، ومنهجية الفتوى تبدأ بأصول الفتوى المستمدة من الكتاب والسنة وما يستنبط عنهما. (http://binbayyah.net/arabic/archives/438 )
الفتوى بين الأمس واليوم
د. يونس عبدلي موسى
ولأهمية تاريخ الفتوى ومدلولاتها وضوابها، بل وأداتها وآدابها، وفقه النوازل والمستجدات، قام أحد أهل العلم من منطقة القرن الإفريقي كتاباً مفيداً حول ذلك، فهذا فضيلة الأستاذ الدكتور يونس عبدلي موسى يحيى أل الفقي المسّرِيّ قارن مسألة الفتوى في الماضي والحاضر في كتابه ( الفتوى بين الأمس واليوم ) وقد ناقش فضيلة الدكتور – حفظه الله - ضوابط الفتوى ومناهج المفتين،وتوحيد فتوي في النوازل. والكتاب مفيد يرشد القارئ لا سيما طلبة العلم الشرعيّين ، ويُرسم لهم منهج السلف في الفتوى. وقد أورد المؤلف في كتابه هذا معلومات مهمة تتعلق بالفتوى مشيراً بأنّه لا يجوز للمفتي الترويج وتحيير السائل وإلقاؤه في الإشكال والحيرة، بل عليه أن يبّين بياناً مُزيلاً للإشكال متضمناً لفصل الخطاب، كافياً في حصول المقصود لا يحتاج معه إلى غيره.

Saturday, 20 May 2017





جهود أهل الصومال في خدمة المذهب الشافعي 7
في مجال الفتوى والإفتاء ( القسم الثاني )
تابع للفتاوي الصومالية عبر التاريخ:
د. محمد حسين معلم
من ناحية أخرى كانت تصل إلى أهل العلم في الصومال بعض المسائل الفقهية والشرعية المستعصية من أقطار إفريقية أخرى أو من أطراف بلاد الصومال الكبير، كما حصل ذلك للعلامة الشيخ علي بن محمد بن صديق بن عثمان المشهور بالشيخ علي ميه الدرقبي البكري المركي بحيث كانت له مراسلات واتصالات بينه وبين سلاطين سلطنة زنجبار الإسلامية الذين ينحدرون من أصول عمانية من آل البوسعيدي، وقد بعث الوالي البو سعيدي في زنجبار إلى الشيخ علي ميه في مدينة مركه الساحلية في جنوب الصومال رسالة تحمل في طياتها بعض الأسئلة يطلب فيها السلطان إجابة لسؤال نفاذه الحيّ أفضل أم الميت؟ وذلك أن أحد القساوسة النصاري جاء إلى هذا الوالي في زنجبار فطرح عليه هذا السؤال فأجاب الوالي الحيّ أفضل من الميت، فقال القسّ إذاً عيسى أفضل من محمد، لأنّكم تقولون إنّ عيسى حي لم يقتل بل رفعه الله و أنه سينزل في آخر الزمن ، ومحمد مات ، فتحيّر الوالي، ثم راسل  إلى الشيخ علي بن ميه رسالة يستفسر الأمر ويطلب منه إجابة شافية في المسألة. فشرع الشيخ يجيب رسالة السلطان ولكن عن طريق كتابة علمية كتب فيها رسالة لطيفة يجيب فيها عن هذا السؤال، و قد أطلق رسالته هذه ( وردية الليب في فضل الحبيب ) فبدأ الشيخ حديثه يذكر معنى الفضيلة ومدولها مازجاً كلامه بالمنطق وعلم الكلام ، وناقش الأفضلية حيث بحث المسألة برمّتها في منظور حسّي ، واستدل الشيخ علي بن ميه في ذلك من الكتاب والسنة وبعض أقوال العلماء كالشيخ أحمد بن حجر الهيتمى والشيخ جلال الدين السيوطي والشيخ محمد البوصيري والشيخ إبراهيم بن محمد البيجوري. والرسالة مازالت مخطوطة في 12 ورقة في كل ورقة 13 سطراً. 

وهناك واقعة مماثلة حدثت مع الشيخ علي بن حاج عبد الرحمن فقيه المشهور بشيخ علي المجيرتيني، ولكن من داخل القطر الصومال الكبير وذلك عند ما وصلت إلى فضيلته رسالة مكتوبة من أقصى الحدود الصومالية من ناحية الغرب مع الحبشة  تسـأل عن بعض المسائل ليجيب عنها ويعطي جواباً شافياً ومقنعاً لمن استفتاه . فما كان الشيخ علي إلاّ أن يجيب على هذه الأسئلة عن طريق كتابة علمية أيضاً فدوّن الأسئلة وإجابتها في كتاب سماه ( الأجوبة الغيبية للسؤلات الغربية )، ومع إجابة الشيخ بهذه الأسئلة الدينية ارتفعت مكانته العلمية، وأصبح الناس يعجبون بغزارة علمه وقدرته في الفتيا، وبالتالي لم تنقطع الأسئلة تصل إلى مقر الشيخ ومجالسه العلمية، وحينما انهالت العديد من الأسئلة الدينية علي الشيخ  وكثر من يستفتى إليه، شرع في مشروع ديني عبارة عن تأليف رسالة علمية يجيب فيه عن بعض هذه الأسئلة ويضع بعض قواعد للفتيا والمستفتى له فسمى كتابه هذا: (فتح الوليّ في أجوبة الشيخ علي).
وهكذا كان دور أهل العلم في الصومال، وخاصة الفقهاء الذين برعوا في الفقه وفاقوا أقرانهم، حتى لجأت الأمة إليهم تستفتيهم وتسأل عن أمور دينهم . ولا شكّ أنّ هذه النماذج من أهل العلم ودورهم في الفتوى تؤكد مدى اهتمام العلماء والفقهاء باصلاح الأمة وأداء رسالتهم الإسلامية بين الناس، إحساسا بالمسؤلية الكبيرة الملقاة على عواتقهم تجاه مهمتهم المنوطة إليهم، ابتغاءً بمرضاة الله سبحاته وتعالى دون اعتبارات اقتصادية وسياسية أخرى، خلافاً لما نشاهد اليوم في أوساط الدعاة والوعاظ.
 إرشاد الطالب إلى أحكام الشارب
 وهناك كمّ هائل من الأسئلة تستفتي أهل العلم وتطلب منهم الإيضاح والتبيين في بعض أمور دينهم، وقد أجاب العلماء لهذه الأسئلة ولكن أجوبة العلماء جاءت على قالب أدبي موزون تجيب عن الأسئلة الدينية التي وجهدت إليهم، بمعنى أنّ الأجوبة جاءت عن طريق الشعر المقفى ليسهل الناس بالحفظ، كما كان يفعل فضيلة الشيخ عبد الله إسحاق الدراويّ البارطيريّ، ويقال أنّه نظم مسائل فقهية في أبواب العبادات والبيوع والديات. وكان الشيخ عبد الله إساق هذا يركز على الجوانب العقدية ثم الفقهية. وقد بلغني أنّ الشيخ أحمد السوداني بمدينة منديرا في كينيا من عشيرة الشيخ لديه  مخطوطة عبارة عن قصائد الشيخ مكتوبة بالحرف العربي ولكنها بلهجة قبائل الرحنوين.
نماذج من شعر الشيخ عبد الله إساق حول العقيدة باللهجة الرحنونية. 

ومثل ذلك فعل فضيلة الشيخ على عبد الرحمن فقيه الذي أشرنا من قبل ودوره في الإفتاء، غير أننا نشير هنا إلى أن بعض فتاوي الشيخ كانت تتم بعض الأحيان من خلال الشعر والأدب السائر ، عندما كان يوجه إليه الأسئلة يجيب عليها الشيخ بالشعر وكان أغلبها تتم باللغة الصومالية، ليسهل فهمها ولاسيما العامة، لأنّ الأدب وخاصة الشعر ومناحيه أكثر تأثيراً وأبلغ فهماً من النثر في أوساط أهل الصومال في تلك المناطق وغيرها، ولكنّ من الأسف الشديد ما زالت أشعار الشيخ متفرقة في صدور الناس ، ولو حاول البعض جمعها ولملمتها لكان أحسن بدلاً من إضاعتها.
معالي الوزير سعيد حسين عيد

ومن المفيد أن أشير هنا إلى أن هذه النقطة تناولتُ مع معالي الوزير الأستاذ سعيد حسين عيد قبل 25 سنه بعد لقائنا في مقديشو عند ما كان معاليه رئيس تحرير مجلة رياغ التي كانت تصدر في مدينة جرووي في شمال الشرق الصومال، وكان على يد الأخ مخطوطة " الأجوبة الغيبية للسؤالات الغربية ( أجوبة الغيبية في أسئلة الغربية ) وحينها وعد الأخ محاولة ذلك وعرض الأمر على ورثة الشيخ في إحياء تراث الشيخ وإنقاذه، ولا أدري ماذا حصل فيما بعد. كما تحدثتُ الأمر نفسه للمؤرخ الصومالي الكبير الراحل الشيخ جامع عمر عيسى – رحمه الله – وكان  الشيخ جامع هذا حافظاً عدداً من الأبيات الشعرية المنسوبة إلى الشيخ علي عبد الرحمن فقيه ، علماً أنّه كتب فيما بعد كتاباً حول الشيخ علي وتراثه.
مع الشيخ جامع في نيروبي 1998م
 
ولا ننسى فتاوي الشيخ علي حاج إبراهيم الإسحاقي – رحمه الله - أحد علماء الصومال المشهورين في مدينة بربرا الساحلية، وقد أشار فضيلته بهذه  الفتاوي وأنها جاءت عقب الأسئلة التي وجهها البعض إلى فضيلته كما جاء ذلك في كتابه ( الفتاوي والأسئلة الشرعية والعلمية )، وقد بين الشيخ في هذا الكتاب بعض الأحكام ا لشرعية التي طرحت في الساحة وأجوبته حسب كما كان يراه صواباً ، معتمداً على المذهب الشافعي الذي كان يجيد فضيلته رحمه الله.
 إرسال بعض الفتوى إلى الخارج:
وأحياناً إذا استعصى أمر الفتوى لظروف ما ، كان يضطر بعض  أهل العلم الاتصال إلى إخوانهم في العالم الإسلامي لكي يجدوا جواباً شافياً ومقنعاً  في مآربهم ظالما الأمر متعلق بديننا الحنيف، لأنّهم كانوا يرون في ذلك المسؤولية الكبيرة أمام الله سبحانه وتعالى خلافاً بما يحدث في زماننا  هنا وهناك التسرع بالفتوى مع عدم أهليتهم، نسأل الله سبحانه وتعالى العفو والعافية. وقد أشار بعض الباحثين إلى أن اهل الصومال كانوا أحياناً يلجؤون إلى أخوانهم في مصر، حيث كانوا لا يستغنون عن بعض المسائل التى تصعب عليهم ، لاسيما  علماء الأزهر، إذ كان الأزهر يلعب دوراً مهماً في إصدار الفتوى ويرسلها إلى الصومال ( كما ذكر ذلك الشيخ عبد الرحمن محمد النجار في كتابه الرحلة الدينية إلى إفريقيا ص 115 ).
ومهما كان الأمر فإنّ مقام المفتى كانت – ولا تزال – عالية بل ولا يكون أمره هيناً لدى العلماء الربانيين، وحتى ممن يطلق عليهم مفتى الديار في العالم الإسلامي في وقتنا الحاضر نراهم بأنّهم عبارة عن واجهة للمنصب  يحيث أنّهم يترأسون دار الفتوى للقطر ما، ويلتف حولهم كوكبة من أهل العلم والدراية لهم تخصصاتهم المختلفة ليس في علم الفقه وأصوله فحسب، وإنما في علوم أخري كالقرآن وعلومه والحديث وعلومه واللغة والأدب ، وعلم التاريخ. بل إنّ دار الفتوى أو مكتب المفتي علاقته مفتوحة إلى أهل الدراية في بعض التخصصات مثل الطب وغيره، وبهذه الطريقة تصون الشريعة ولا يحصل مخالفة كبيرة لإصدار الفتوى حتى ولو جانبوا الصواب، لأنّه من الصعب أن تجتمع الأمة على الباطل. وعلى هذا الوجه نرى في عصرنا الحاضر من يطلق عليهم مفتي الديار أو تعين الجهات الرسمية لبلد ما  مفتي عام.
علاقة الفتوى بالمذهب الشافعي:
فقد أشرنا من قبل أنّ الفقه عموماً ومجال الفتوى خصوصاً كان غالباً يتمحور حول المذهب الشافعي السائد في منطقة شرق إفريقيا ، غير أنّ التزام دائرة الإفتاء والفتوى على مذهب الإمام الشافعي لا يعني التقليد التام لاجتهادات فقهاء المذهب، بل للدائرة رؤية متقدمة في طريقة الاستفادة من جميع مفردات المذاهب الفقهية عند الضرورة كما هو الحال في قضية إرسال الزكاة إلى خارج البلاد. ومن الطبيعي أن يكون المذهب الشافعي مهيماً على الأروقة العلمية بعدد عوامل مثل عامل العلماء، لأن في البلاد عدد من العلماء الفقهاء من أهل الصومال تفننوا وتخصصوا بالفقه وأصوله على المذهب فقط دون غيره، وحتى العلماء المهاجرون الذين وصلوا إلى المنطقة أكثرهم كانوا فقهاء على مذهب الشافعي وكان لهم دروساً فقهيةً في حلقاتهم العلمية التي كانوا يديرون بها في المراكز والمساجد، كما أنّ المعلمين العرب فى المدارس كانوا شوافع. ويضاف إلى ذلك عاملاً آخر وهو طلبة العلم الذين نزحوا إلى اليمن والحجاز، وحينما وبعد انتهاء فترة طلب العلم عادوا إلى بلدانهم وهم شوافع وخاصة تلك الطلبة الذين كانوا في اليمن وبالذات منطقة زبيد، فقد عادوا المنطقة بحيث أصبحوا علماء ومفتين على المذهب الشافعي مثل العلامة المفتي داود بن أبي بكر الذي رحل إلى اليمن ثم الحجاز بجوار حرمي مكة والمدينة، وعاد إلى منطقة القرن الإفريقي بعد تحصيله العلمي. (انظر  عبد الله كديرأحمد: الهجرة وأثرها في انتشار الاسلام بإفريقيا (الحبشة نموذجا ( ص 165). وهناك عامل آخر يتعلق بنوعية الكتب بحيث أنّ معظم المصادر والكتب الفقهية التي كانت تأتي من الخارج  وخاصة من الديار المصرية واليمنية كانت على المذهب الشافعي، ومن هنا كان من البديهي أن استقى طلبة العلم على هذا المعين، وبالتالي برز في الساحة العلمية  كوكبة من الفقهاء الأجلاء اشتهروا في المنطقة وخاصة بجوانب الفقهية ، وهؤلاء كانوا منتشرين في أغلب المدن العلمية في الصومال ، كما انتشروا في أنحاء أخرى في العالم الإسلامي.  وقد أورد العلامة الجعدي بعضاً من هؤلاء الفقهاء من أهل الصومال
 Bilderesultat for ‫طبقات فقهاء اليمن‬‎
مثل : موسى بن يوسف ، وأبو القاسم بن عبد الله ، وإبراهيم بن محمد المثنى، وعبد الله بن عبد ، وأحمد بن المزكيان ، ثم أشار إلى أنّ هؤلاء نزحوا إلى اليمن  من مدينة مقديشو التي اشتهرت وبرزت في فترة من الفترات في الجوانب العلمية ،بل وقادت الحركة العلمية والثقافية في المنطقة (  أنظر فقهاء اليمن ص 209). إذاً فليست من الغرابة إذا زار بعض أهل العلم من الفقهاء الأجلاء إلى المنقطة لشهرة علمائها للفقه وأصوله، وممن زال المنطقة العلامة الفقيه والقاضي أبو عبد الرحمن حسين بن خلف المقيبعيّ - أحد فقهاء تهامة في اليمن المشهورين في القرن السادس الهجري - حيث زار مدينة زيلع سنة ست وخمسائة وكان فقيهاً فاضلاً عارفاً كاملاً أصولياً فروعياً  محدثاً ، كما أنه كان أحد فقهاء تهامة  المشهورين ، حيث اشتهر هذا الشيخ بعلمه الغزير وفقهه الواسع ( كما ذكر ذلك العلامة  الجعدي وأبو مخرمة).