جهود أهل الصومال في خدمة
المذهب الشافعي 9
![]() |
| د. محمد حسين معلم |
حضور
كبار الشافعية في مخيلة أهل الصومال:
لقد
وصل اهتمام الكُتّاب وأهل العلم والدراية إلى تسليط الضوء على كبار شخصيات
الشافعية الذين لهم أراء واجتهادات فقهية ، ولكنها متناثرة في بطون المصادر
والموسوعات الفقهية، ومن الصعب استحضار تلك الآراء والكنوز لدى طلاب العلم ، ولكن أهل العلم والاختصاص حاولوا تحقيق ذلك في أكثر من مشروع
علمي ظهر في الساحة العلمية هنا وهناك. وهذه ليست بدعة من البحث العلمي، لا سيما
إذا عرفنا بأنّ العلامة محمد أحمد مصطفى أحمد المشهور بمحمد أبو زهرة من أوائل من
قام دراسات مماثل في هذا المضمار وعلى رأسها دراسته المشهورة ( الشافعي، حياته،
وعصره، وآراؤه وفقهه،)،
علماً أنّ محمد أبو زهرة قام عديد من دراسات مماثلة لهذا
النوع حول أئمة الأعلام مثل:
أبو حنيفة - حياته وعصرة - آراؤه وفقه
مالك - حياته
وعصرة - آراؤه وفقه
ابن حنبل -
حياته وعصرة - آراؤه وفقه
الإمام زيد -
حياته وعصرة - آراؤه وفقه
ابن تيمية -
حياته وعصرة - آراؤه وفقه
ابن حزم -
حياته وعصرة - آراؤه وفقه
الإمام الصادق - حياته وعصرة - آراؤه وفقه.
وفي
الحقيقة " إنّ دراسة شخصية من الشخصيات العلمية المعروفة في دائرة معرفة مذهب
معين، هو إسهام في دراسة نشأة ذلك المذهب دراسة تاريخية ومنهجية من ناحية، ودراسة
الأصول والضوابط التي وضعها مؤسس المذهب ومراحل تطوره ونضوجه وإكماله من ناحية
أخرى. وبما أن المذاهب الفقهية بكل شعبها مرت بأدوار مختلفة زاد في كل دور منها جديد،
وظهر في كل دور أيضا عالم أو علماء أفذاذ بابعوا تأصيل هذا المذهب وساهموا في
تطويره " ، كما يقول ذلك الباحث الشيشاني أزيوف عبد الغفور بن بشير في
كتابه:( منهج الإفتاء عند الإمام النووي، وهو بحث دكتوراه في أصول الفقه، من كلية
معارف الوحي والعلوم الإنسانية، بالجامعة العالمية الإسلامية بماليزيا عام 2008م،
ص 2 ).
وقد حدا حدوه بعض
الباحثين كفضيلة الدكتور محمد إيمان أدم الصومالي الملقب بالشاطبي دراسة حول
الإمام النووي وآراؤه الفقهية في كتابه ( زيادات الإمام النووي
واستدراكاته على الإمام الرافعي من بداية كتاب الصلاة إلى نهاية صلاة التطوع من
خلال كتاب الروضة-جمعاً ودراسة مقانة). والدراسة عبارة عن بحث علمي نال
المؤلف من خلال درجة الماحستير في الفقه عام 1426هـ في كلية الشريعة، بالجامعة الإسلامية بالمدينة
المنورة في المملكة العربية السعودية.
ومنهم الأستاذ محمد معلم أحمد حيث أنجز دراسة حول الإمام
النووي أيضاً وسماها ( اختيارات الإمام النووي الفقهية في العبادات من خلالا كتابه
" المجموع" دراسة مقارنة )، وتناول المؤلف هذا الكتاب حول آراء
واختيارات الإمام النووي في الفقه من خلال كتابه المجموع وقد اختصر في القسم
العبادات بحيث تناول الطهارة والصلاة والصيام وقد استهل بها صلاة الليل التي كان
الرسول – صلى الله عليه وسلم – يقوم بها ثم تناول الزكاة والصوم والحج. وقد بدأ
المؤلف كتابه الحديث عن الإمام النووي نسبه وولادته وحياته العلمية ثم قدم دراسة
قوية حول كتاب المجموع. والكتاب طبع بمطابع دار العلم بمصر في طبعته الأولى عام
1434ه الموافق 2013م.
وقد
تتابعت هذا النوع من الدراسات لدى أهل العلم في الصومال واهتموا في إبراز بعض
الجوانب من آراء وفقه بعض الكبار الشافعية بعد جردها من بطون الكتب والمصادر
وجمعها ودراستها، بل ومقارنتها مع الفقهاء الآخرين في المذهب وغيرهم. ومن هؤلاء
فضيلة الشيخ الدكتور باشنا إبراهيم محمود الذي قام بتحقيق إنجاز بحث علمي حول
شخصية مهمة وآرائه في المذهب الشافعي، واستطاع إخراج دراسة تتناول مجال الأصول في
الفقه الإسلامي، حيث وضع كتاباً أطلق عليه (على بن ابى هريرة وآراؤه الفقهية). ومن
المعلوم أن العلامة على بن أبى هريرة من كبار الشافعية، وأن آراءه الفقهية تحوم
حول المذهب، وقد استطاع فضيلة الدكتور أن يقارن هذه الأقول والآراء وأقوال الفقهاء
الآخرين سواء كانوا شافعيين أو غيرهم ليظهر قيمة ما توصل إليه المؤلف. والكتاب عبارة عن رسالة علمية أكاديمية نال
المؤلف من خلالها درجة الماجستير في الفقه وأصوله من قسم الشريعة والفقه التابع
بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة أم القرى بمكة في المملكة العربية
السعودية. والكتاب يسلط الضوء على آراء تلك العلامة الفقيه الأصولي.
وهناك دراسة قام بها الأستاذ عثمان علي فارح حول الآراء الفقهية للعلامة
أحمد بن حجر العسقلاني من كبار الشافعية في عصره ، وهذه الدراسة ميسومة بـ ( الاجماعات
الفقهية المنقوضة لابن حجر العسقلاني )، وهو بحث نال صاحبه درجة الدكتوراه في فقه
السنة في جامعة المدينة العالمية في ماليزيا المتمثل قسم الحديث وعلومه، وتناول
الباحث الاجماعات الفقهية المنقوضة لعلامة
العسقلاني من خلال كتابه فتح الباري والذي هو شرح لكتاب جامع صحيح البخاري.
كما قام فضيلة الشيخ الأستاذ عبد القادر علي مؤمن عدو دراسة نفيسة في هذا المنحى حيث سلط موهبته على أحد الأعلام
الشافعية وهو العلامة الفقيه الأصولي سليمان ين يسار عبر كتابه (الفكر الفقهي لسليمان بن يسار)، وتحدث هنا الأستاذ الآراء
الفقهية للإمام سليمان يسار والتي هي متناثرة في بطون الكتب والمصادر الفقهية،
وبعد جردها وجمعها قام الباحث بالترتيب حسب الأبواب الفقهية، ثم قام بدراسة مقارنة
هادئة، حيث قارن الآراء الفقهية المماثلة والمخالفة والتي ذكر الفقهاء مع ذكر
أدلتهم ، ولم يكتف الباحث هنا في ذلك وإنما قام بالترجيح على حسب ما ظهر إليه.
وقبل ذلك تناول الأستاذ عبد القادر علي مؤمن بترجمة العلامة سليمان بن يسار وحياته
وعصره وما قال عنه العلماء ومكانته العلمية. والكتاب عبارة عن رسالة الماجستير من
جامعة المدينة العالمية في ماليزيا، بكلية العلوم الإسلامية ، قسم الفقه.
وكذلك أنجز الباحث حسن عبد الله حسن دراسة علمية
حول أحد الفقهاء الشافعية وهو الإمام ابن خزيمة رغم آرائه الفقهية المستقلة
ومخالفة للمذهب بعض الأحيان، ودراستة الأخ جاءت تحت عنوان (آراء الإمام ابن خزيمة الفقهية من أول كتاب الصيام إلى
نهاية أبواب الصدقات والمُحَبَّسات من كتاب الزكاة جمعا ودراسة )، وهذا الموضوع
مُهم في بابه؛ لأنه قام في جَمْعِ ودراسة آراء أحد الأئمة الأعلام الموثوقين ومن
الذين برزوا في القرن الرابع الهجري، علما أن الإمام ابن خزيمة يعتبر شافعي المذهب
– كما أشرنا من قبل - وله آراء تخالف المذهب أحيانا تدل على بعده عن التعصب
المذهبي واهتمامه بالدليل؛ ولذا فإن آراءه اتسمت بقوة الحجة، والناظر في تعليقاته
على الأحاديث وتراجمه في كتابه الصحيح يتبن له باعه الواسع في علمي الفقه والحديث
حيث سلك فيها مسلك الإمام البخاري رحمهم الله تعالى في صحيحه. وذكر الباحث أن دراسته
هذه تناولت موضوعات يحتاجها المسلم في دينه كالصيام والزكاة والصدقات، والعمل فيه
يُسهم في إبراز جهود العلماء ويثري المكتبة الإسلامية ويتيح الاستفادة منها سواء
للعامة أو طلبة العلم، علماً انّ هذه الدراسة عبارة عن بحث علمي نال الكتاب بدرجة
الماجستير من قسم الفقه بلكية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في
مملكة العربية السعودية.
أما
فضيلة الدكتور محمد شيخ أحمد شيخ مٌحٌمد عمر متان
الحسني المشهور بشيخ محمد حاج كعادته له جهود علمية في حضور المذهب الشافعي وشيوخه
في فكره وقلبه وقالبه، وقد وفق الله
فضيلته إنجاز دراسة علمية أصولية وفقهية سماها ( مقاصد الشريعة العامة عند
الإمامين: العز ابن عبد السلام والشاطبي دراسة مقارنة )، استهدفت هذه الدراسة
أساساً المقارنة بين جهود الإمامين العز بن عبد السلام والشاطبي، في موضوع المقاصد
والمصالح والمفاسد بصفة عامة، والمقاصد العامة بصفة خاصة، وذلك إيماناً من الباحث
بأنَّ الدور الإصلاحي والتجديدي الذي اضطلع به كل من الإمامين في عهده، كان من
ورائه تفطنهما للمقاصد الشرعية، وتفوقهما فيها، إضافةً إلى ما اتسما به من صدقٍ،
واستقامةٍ، ووضوح، وتحرر في التفكير والمواقف، وتحرير للمسائل والقضايا، مما
جعلهما يغزوان هذا العصر، ويُشكِّلان حضوراً قوياً في الكتابات المعاصرة في الفكر
الإسلامي بصفة عامة، وفي الفقه وأصوله ومقاصد التشريع الإسلامي بصفة خاصة؛ ولذلك
هدفت الدراسة إلى استلهام العبر والدروس من منهج الرجلين التجديدي والإصلاحي في
الفكر والتشريع في هذه المرحلة، ولا شك أنَّ ذلك سيسهم كثيراً في دفع عجلة التجديد
ومسيرة الإصلاح الفكري عامة، والتشريعي خاصة، كما ذكر ذلك فضيلة الدكتور علي بن
العجمي العشي بعد قرآءته للكتاب. وأصل الدراسة كانت رسالة علمية نال بها الدكتور الماجستير في أصول الفقه من قسم الشرية والقانون التابع
بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة إفريقيا العالمية بالسودان عام 2002م.
ثم ظهرت دراسات وبحوث ضخمة تسهم في إبراز آراء فقهاء اندسرت
كتبهم وأخرى أقوالهم متفرقة في بطون كتب الفقه. وهكذا استمر الباحثون – ليس في
الصومال – فحسب وإنما غيرهم على انجاز دراسات تبرز قيمة الآراء الفقهية لبعض
الأعلام الشافعية وغيرهم مثل دراسة " الإمام الآخري وآراؤه الفقهية " للشيخ الكتور قيس عبد الغفور
نجم الخفاجي الذي استنبط منهجه الفقهي من آرائه ثم جمع المسائل الفقهية موزعة على
أبواب الفقه، في ذكر رأي الإمام الآجري ثم رأي من يوافقه ثم آراء الآخرين مع ذكر
أدلة كل مذهب، ثم الترجيح في نهاية كل مسألة معتمداً على قوَّة الأدلة مع مراعاة
التيسير على العباد .كما قام الأستاذ هادي حسين الكرعاوي خدمة
مماثلة في كتابه ( ابن جنيد وآراؤه الفقهية، دراسة في فقه الحجر ).
أما فضيلة الشيخ عبد الله علي جيله أحد الأعلام المشهورين في منطقة
القرن الإفريقي صار حاضراً في ميدان العلم والمعرفة كعادته ولاسيما في استحضار
الفقهاء الكبار في ذاكرته من خلال كتابه المسمى ( مقدمة في قواعد الفقهية )
وذلك عند ما أراد أن يخدم
لتراث العالم الحافظ
أبي بكر
بن أبى القاسم
بن أحمد بن
محمد بن
أبى بكر
الأهدلى الحسينى
اليمنى التهامى
الشافعي المتوفى
عام 1035ه، وقد أراد المؤلف أن تكون مقدمته هذه مقدمة لكتاب الأقمار
المضيئة للشيخ الأهدل المشار إليه آنفاً. وقد جاءت هذه المقدمة الأنيقة حوالي 17
صفحة وهي رسالة لطيفة عبارة عن مقدمة مفيدة جمع فيها الشيخ علمه الغزير وفهمه
الكثير وعصارة جهده القدير.
ولا شك إنّه من المفيد لمحاولة هؤلاء الباحثين والكُتّاب في
تفحص مدارك الفقهاء الشرعية في استنباطهم للأحكام وكيفية استدلالهم عليها بمختلف
الأدلة وكيفية استيعابهم للأقوال المتعددة للخروج بحكم يطمئن إليه، وهو أمر يثري
البحث العلمي ويبعث في نفوس طلبة العلم الأمل والاندفاع إلى خوض هذا التراث
الإسلامي الواسع.

















