Thursday, 11 May 2017



جهود أهل الصومال في خدمة المذهب الشافعي 6
د. محمد حسين معلم
في مجال الفتوى والإفتاء ( القسم الأول )
يتمتع الفقه الإسلامي مسائل كثيرة ومتنوعة مما له علاقة بجميع ميادين الحياة، بل ويندرج تحت علم الفقه وأصوله أموراً منها الفتوى والإفتاء والتي يُعدّ من القنوات الفقهية المعروفة بحيث كانت مزدهرة في الأروقة والمراكز العلمية في بلاد الصومال كغيرها من البلدان الإسلامية الأخرى ، بل لم تكن تخلو مثل هذا النشاط العلمي في الحلقات والاجتماعات الثقافية والعلمية التي كانت تعقد في البلاد ، وخاصة أنّ الأمة لم تكن تستغني عن ذلك المجال لحاجتها في ممارساتها اليومية لتستنير الطريق حتى  البلوغ إلى المراتب العليا ويزيد الإيمان ولا ينقص. وأنّ أهل العلم والاجتهاد في الصومال تطرقوا هذا الباب الواسع لحاجته  - كما أشرنا من قبل - ولم يكونوا عاكفين على التدريس وإلقاء الدروس فحسب، وإنما  كانوا يدلون بدلوهم في هذا الميدان مستخدمين بالمذهب الشافعي،  كما سنرى في السطور القادمة. 
والفتوى كما يعرّف به علماؤنا هو بيان حكم اللّه تعالى بمقتضى الأدلة، وعلى موجب هذا التعريف لم تكن مسألة الإفتاء هينة بل هي عظيم الخطر، كبير الموقع،  رغم أنّها كثير الفضل إذا وفق الله عبده، لأنّ المفتي وارث الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، كما ورد ذلك في مقدمة الإمام النووي رحمه الله في كتابه ( المجموع شرح المهذب )، وكان سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين وأئمة الدين يكرهون التسرع فى الفتوى ويود كل واحد منهم أن يكفيه إياها غيره، فإذا رأى أنها قد تعينت عليه بذل اجتهاده فى معرفة حكمها من الكتاب والسنة أو قول الخلفاء الراشدين ثم أفتى، والحق أنّهم كانوا – أي السلف الصالح رضي الله عنهم - يتهيبونها، ويودّون أن لو كفوا مؤونتها، ويقول أحدهم وهو عبدالرحمن بن أبي ليلى: " أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم-  ما منهم من محدث إلاّ ودّ أن أخاه كفاه الحديث، ولا مفت إلاّ ودّ أن أخاه كفاه الفتوى". ( أخرجه الدارمي في سننه في باب " من هاب الفتيا وكره التنطع والتبدع " ). وهكذا كان يرى العلماء حتى وصل الأمر إلى أن اعتبر أحدهم وهو الإمام الجليل ابن القيم الجوزية أبو عبد الله شمي الدين محمد بن أبي بكر المفتي موقعاً عن الله سبحانه وتعالى فيما يفتي به ، وألف في ذلك كتابه القيم " إعلام الموقعين عن رب العالمين".
ومن هنا لم يأت من فراغ عندما تحاشى العلماء في الصومال وغيرهم في مزاولة الفتوى والاسراع إليها إلا بالضرورة قاسية، بل كان بعضهم يتوقف عنها فلا يجيب بل يحيل إلى غيره أو يقول: لا أدري - خلافاً لما نشهد اليوم من التسرع وعدم الانضباط في مسألة الفتوى – أما العلماء الربانيون ... كيف لا يتهبون في ذلك وذاكرتهم قول إمامهم في المذهب، الإمام الشافعي رحمه الله الذي قال: " لا يحل لأحد يفتي في دين الله إلا رجلاً عارفًا بكتاب الله: بناسخه ومنسوخه، وبمحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، وما أريد به، وفيما أنزل، ثم يكون بعد ذلك بصيرًا بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ، وبالناسخ والمنسوخ، ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن، ويكون بصيرًا باللغة، بصيرًا بالشعر، وما يحتاج إليه للعلم والقرآن، ويستعمل مع هذا الإنصاف، وقلة الكلام، ويكون بعد هذا مشرفًا على اختلاف أهل الأمصار، ويكون له قريحة بعد هذا، فإذا كان هذا هكذا فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام، وإذا لم يكن هكذا فله أن يتكلم في العلم ولا يفتي" أنظر ( الرسالة للإمام الشافعي 1/509 ).
ومن الأهمية بمكان معرفة حقّ هذا المنصب العظيم، وأدب هذا المقام الرّفيع؛ حتّى تحفظ له حرمته، ويراعى حقّ أهله والقائمين به، وكان العالم يلجأ إليها إذا أحسّ بأنّ زهده عنها بمثابة كتمان العلم والحقيقة مع عدم نسيانهم بأنّ أمرها خطير وخاصة إذا عرفنا بأنّ الله سبحانه وتعالى تولى أمرها كما قال تعالى: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ).
أما الاستفتاء هي عبارة عن طلب الفتوى التي هي من أهم سبل التعلم ، إذ إن جميع فئات المجتمع المسلم قديماً وحديثاً تشترك في اتخاذها سبيلاً له، ولهذه الحاجة والمكانة التي تبوأتها الفتوى عُنيَ بها العلماء عناية عظيمة ، فبحثوا مسائلها في أبواب أصول الفقه ، كما صنفوا فيها التصانيف المختلفة ، المطولة والمختصرة، وما ذلك إلا لأهمية موضوع الفتيا وحاجة الأمة إليها، بالإضافة إلى خطورتها ، لذلك وضع عدد كبير من العلماء قديما وحديثاً مصنفات تتناول مسألة الفتوى وآداب المفتي والمستفتي. وليست من الغرابة إذا صنف أهل العلم عموماً في أمر الفتوى والمفتي والمستفتى لأنّ الأمر يتعلق بالدين الإسلامي وأحكام الشريعة، ومن هؤلاء العلماء العلامة أبو القاسم  عبد الواحد بن الحسين بن محمد الصيمري صاحب كتاب ( أدب المفتي والمستفتي )، والحافظ أحمد بن علي بن ثابت أبو بكر الخطيب البغدادي الذي وضع كتابه ( الفقيه والمتفقة ). وممن ألف في أمر الفتوى أيضاً المحدث عثمان بن عبد الرحمن، أبو عمرو، تقي الدين المعروف بابن الصلاح بحيث ألف كتاب ( أدب المفتي والمستفتي ). ثم بعد كل هؤلاء جاء العلامة يحيى بن شرف النووي أبو زكريا الشافعي الدمشقي، وقد استفاد المصنفات الثلاثة السابقة بعد مطالعته ثم قام بتلخيص ما رود فيهم مستوعبا لكل ما ذكروه خلاصته، مع الإضافة إليها نفائس من متفرقات كلام الأصحاب – كما ذكر نفسه - في  كتابه ( آداب الفتوى والمفتي والمستفتي ).
ولأهمية مسألة الفتوى لم تتوقف مواهب العلماء في تصنيف المصنفات عنها بحيث شرع أغلب علماء الإسلام - قديماً وحديثاً - في تأليف الرسائل والكتب عنها موضحين خطر شأنها وعظيم غررها، غير أننا نشير هنا أحدهم الذي صنف في هذا المجال وهو علامة  عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان الشهرز وي صاحب كتاب ( أدب المفتي وا لمستفتي ) والذي بيّن في مقدمة كتابه سبب تأليف الكتاب قائلاً : " .. رأيت أن أستخير االله تعالى وأستعينه وأستهديه وأستوفقه وأتبرأ من الحول والقوة إلا به في تأليف كتاب في الفتوى لائق بالوقت أفصح فيه إن شاء االله تعالى عن شروط المفتي وأوصافه وأحكامه وعن صفة المستفتي وأحكامه وعن كيفية الفتوى والاستفتاء وآداهبا جامعا فيه شمل نفائس ألتقطها من خبايا الروايا وخفايا الزوايا ومهمات تقر هبا أعين أعيان الفقهاء ويرفع من قدرها من كثرت مطالعاته من الفهماء وتبادر إلى تحصيلها كل من أرتفع عن حضيض الضعفاء مقدما في أوله بيان شرف مرتبة الفتوى وخطرها والتنبيه على آفاتها وعظيم غررها ليعلم المقصر عن شأوها المتجاسر عليها أنه على النار يسجر وليعرف متعاطيها المضيع شرطها أنه لنفسه يضيع ويخسر وليتقاصر عنها القاصرون الذين إذا انتزعوا على منصب تدريس واختلسوا ذروا من تقديم وترييس جانبوا جانب المحترس ووثبوا على الفتيا وثبة المفترس اللهم فعافنا واعف عنا وأحلنا منها بالمحل المغبوط ولا تحلنا منها بالمحل المغموط واجعل نعانيه منها على وفق هداك وسببا واصلا بيننا وبين رضاك إنك االله لا إله إلا أنت حسبنا ونعم الوكيل." انتهى.
ولا شك أنّ هدف علماءنا الأجلاء في تأليف تلك الرسائل والكتب إنّما كان تبيين أمرها وعدم التسرع إليها والتخفيف عن شأنها، مذكرين بأنّ هذا مقام الأنبياء حتى هاب أمرها من هابها من أكابر العلماء العاملين، وفي هذا الشأن يقول أستاذنا الجليل فضيلة الأستاذ الدكتور موفق بن عبد الله بن عبد القادر العراقي: " حتى لا يتجرأ على " الفتيا " أنصاف المتعلّمين .. ولحفظ هذا الدين من يد العابثين والمبتدعين ... صنّف العلماء المسلمين في " أدب المفتي والمستفتي " ... وليعرف العالم منزلته قبل أن يصدر " الفتيا " وليعلم المتستفتي أدب الاستفتاء ولمن يستفي". (انظر مقدمته في تحقيق كتاب أدب الفتي والمستفتي للشيخ عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري تقي الدين ابن الصلاح ، ط/1).
أما أهل العلم والدراية في بلاد الصومال لم يكونوا شاذين عن إخوانهم في العالم الإسلامي قديماً وحديثاً، لذلك بحثوا فيها وكتبوا عنها بعض الرسائل والتي سوف نشير هنا فيما بعد.
                                                         الفتاوي الصومالية عبر التاريخ:

 وعلى الرغم أنّه لا توجد داراً للإفتاء أو مجمعاً يلتف حوله أهل الفتوى والدراية إلا أنّه تعارف أهل العلم في منطقة   الساحل الشرقي الإفريقي بأنّ يكون الإفتاء العام على مذهب الإمام الشافعي أساساً ومنطلقاً للفتوى في تلك المناطق، ولم تظهر لكاتب هذه السطور حتى الآن سجلاً أو كشفاً علمياً تثبت بعض الفتاوي غير هذا المذهب ، ولعل ذلك الاختيار  تمّ – والله أعلم - بأنه – أي المذهب الشافعي - مذهب وسطي جمع بين أصول مدرستي الحديث والرأي، وخرج باجتهادات فقهية كانت وما زالت سبباً في تحقيق مصالح الأمة وجمع كلمتها، وهذا السبب - وإن كان متحققاً في المذاهب الفقهية الأخرى- إلا أن مذهب الإمام الشافعي حاز قصب السبق فيه- كما يرى بعض الباحثين - علماً أنّ الإمام الشافعي نفسه تربى تحت كنف مفتي مكة في زمانه الشيخ مسلم بن خالد الذي أذن بدوره للشافعي وهو فتى يافعاً في الإفتاء عقب أن سلمه أبوه للتفقه، ثم رحل إلى المدينة النبوية حيث التقى هناك الإمام مالك بن أنس فلازمه حتى  توفي مالك رحمه الله.
وفي العصور الوسطى لم تكن تعرف ما كان يسمى العالم الإسلامي بتلك الحدود التي نشاهد بها اليوم – من الأسف الشديد – والتي فرقت بين إخوة الأشقاء هنا وهناك، وأنّ الفقهاء والعلماء إذا وصلوا إلى منطقة معينة صاروا جزء من المجتمع ، بل يكرم ويرفع شأن العالم ويستفاذ من علومه وموهبته، وكان يسند إليهم أحياناً كثيرة  بعض المناصب الرفيعة – كما أشرنا في أكثر من موقع – ومن بين تلك المناصب منصب الفتوى والقضاء وفصل الخطاب. ومن هؤلاء – على سبيل المثال – العلامة الفقيه المبجل الشيخ محمد بن المقبول بن عثمان بن موسى ، أحد العلماء المحققين في الفقه ، وكان تابعاً بارعاً في الفقه وأصوله حتى أسند إليه رئاسة الفتوى في البلاد ، علماً أنّ الفقيه ينحدر أصوله من بلاد الزيلع وممالكها الإسلامية، ولكنه من مواليد اليمن وخاصة قرية اللحية سنة 959هـ ،وتوفي بها في اليوم الثاني من رمضان سنة 1048هـ. والانظر: ( القاضي  إسماعيل علي  الأكوع : هجر العلم  والمعاقله في اليمن ، دار الفكر المعاصر ، بيروت ، ط/1 1995م ).
ومن هؤلاء أيضاً الفقيه الصالح محمد بن علي الزيلعي ، كان فقيهاً متقناً معروفاً بالفقه وإصابة الفتوى والصلاح ، وشرح كتاب اللمع شرحاً مفيداً ، وقد تفقه على إسماعيل الحضرمي وعلي بن صالح الحسيني ، وقد أخذ عنه جماعة كثيرة مثل عمر السروري ، وكان الشيخ محمد بن علي الزيلعي رجلاً صالحاً ورعاً ينحدر من آل البيت ، ويقول بنفسه أنه شريف حسيني، وقد توفي سنة ثلاثين وسبعمائة. ومن هؤلاء الفقيه العالم أبوبكر آدم بن إبراهيم الجبرتي بلداً الزيلعي  .  لقباً، وكان هذا العالِم محققاً في الفقه ومتصدّراً للإفتاء ، بل وكان رأس علماء الإفتاء والتدريس في محلّ إقامته. ولا شلك أنّ المصادر اليمنية وغيرها تشير  إلى بعض العلماء الأجلاء من أصل أهل الصّومال تفننوا في عملية الإفتاء حيث تصدوا لها، ولكن ذلك الأمر يحتاج إلى البحث والغوص في تلك المصادر الثمينة والناذرة حتى نستخرج معلومات مفيدة لها علاقة بمنطقة شرق إفريقيا عموماً، والقرن الإفرقي خصوصاً.
أما في القطر الصومالي فقد وجد بعض أهل العلم تخصصوا في هذا المجال – أي مجال الفتوى - ولهم باع طويل ، سواء كان هؤلاء الذين أتوا من خارج البلاد أو علماء الصومال . ومن بين ذلك مفتى هرر وبلاد الزيلع في شمال الحبشة فضيلة الشيخ المفتي داوود في القرن الرابع عشر الهجري، وكان مفتى داوود هذا أسبق من العلامة المحدث الشيخ عبد الله الولينسي الذي يقال أنّه أول من أدخل علوم الحديث إلى هرر وأخذ منه علماء هرر الأجلاء بهذا الفن. (انظر  عبد الله كدير أحمد: الهجرة وأثرها في انتشار الاسلام بإفريقيا - الحبشة نموذجا ص 163).
ويسعدنا أن نشير في هذا الأطر إلى الفتوى
الصومالية المشهورة والتي انتشرت الفترة الأخيرة عبر وسائل الإعلام بالمملكة العربية السعودية وغيرها في منطقة الخليج، وذلك عند ما نشر الأستاذ الدكتور طارق الحبيب قبل مدة من خلال الوسائل الإعلام خبراً نفاذه بأنّ أباه قرأ مخطوطة تعود ل 150 عام لعلماء الصومال الذين أفتوا بجواز زكاة أهل البلد لفقراء نجد والحجاز في الجزيرة العربية، حيث كانت بلاد الخليج العربي في تلك الفترة تعاني من أشد موجات القحط والمجاعات على وجه الأرض. ورغم عدم تمكننا قراءة تلك المخطوطة – رغم محاولاتنا – إلا أنّه يظهر بأن هذه الفتوى مرتبطة بحاجة الأمة الإسلامية وهي نقل الزكاة – التي هي ركن من أركان الإسلام – من الصومال إلى الجزيرة العربية مع عدم أرجحية هذه المسألة في المذهب السائد في المنطقة، ولكنّ العلماء رأوا في ذلك أمراً ضرورياً ليصدّ الفراغ،
مما يدل على مرونة العلماء العالية وفهم أفقهم الواسع، بالإضافة إلى حرصهم على حياة المسلمين الذين كانوا يتضررون على القحط والجفاف ونقص الأموال والثمرات، كما يفعله اليوم إخواننا في الخليج وغير ذلك في نصرة إخوانهم في العالم بما فيها منطقة القرن الإفريقي. ولشدة المجاعة اضطر كثير من الناس النزوح إلى خارج الجزيرة العربية، ومن ذلك تلك الهجرات التي حصلت قديماً إلى الخارج بسبب المجاعة، سواء إلى الهند والمغرب والأندلس أو في إفريقيا الشرقية وغير ذلك.
الجدير بالذكر لم يكن أهل الصومال وحدهم ممن كانوا يمدّون يد المساعدة والعون لإخوانهم في الجزيرة العربية ، وإنما أيضاً  هناك بلدان أخرى كالهند أو ما كان يعرف بلاد السند والبنجاب، وكذا مصر وبلاد المغرب الأدنى والأوسط والأقصى رغم أنّ مذهبهم – أهل المغرب العربي - مالكي ولا يجيز نقل الزكاة من مكان إلى أخرى. وهكذا  كان المسلمون ينصرون بعضهم على بعض خلافاً لما نشهد اليوم يقتل بعضهم ببعض بل يناصر العدو على حساب أخوته في الدم والعقيدة – نسأل الله السلامة.
ولا غرابة في ذلك لأنّ هناك أمر معلوم في أوساط الأمة الإسلامية عبر التاريخ أينما كانوا وهو دفع بعض الدول والممالك المسلمة زكاتها أو تبرعاتها وأوقافها للحرمين الشريفين والأماكن المقدسة. ولا شك أنّه من المفيد البحث والإطلاع على السجلات والكشوف لحرمي مكة والمدينة خلال العصور الإسلامية الزاهية حتى في عهد الحكم العثماني، وأعرف أنّ هناك بحوث كثيرة تناولت أوقاف الحرمين أنجزها الباحثون في قسم التاريخ والحضارة الإسلامية في جامعة أم القرى بمكة،  كما أنّ هناك وثائق كثيرة في مكتبة مكة المكرمة وكذا مكتبة الحرمين الشريفين والمكتبة المركزية لجامعة أم القرى. كما أنّ هناك الكشاف التحليلي لصحيفة أم القرى والندوة (صوت الحجاز) لعل ذلك يستزيد الباحثون.


Thursday, 27 April 2017



جهود أهل الصومال في خدمة المذهب الشافعي 5
د. محمد حسين معلم 

مجال التحقيق ودراسة التراث الشافعية:
ومن الملاحظ أنّ الجهود العلمية التي بدل بها أهل الصومال تجاه خدمة المذهب الشافعي وصل إلى مجال تحقيق التراث، وتقديم الدراسات العلمية الوافية للمصادر الفقهية التي لها علاقة بالمذهب الشافعي وما أكثر من ذلك، غير أننا نعرض هنا تلك الجهود العلمية التي وقفنا عليها حسب قدرنا، والكمال لله سبحانه وتعالى ولعله يظهر دراسات أخرى لم نتمكن معرفتها فضلاً الوقوف عليها. ولكن في البداية ينبغي أن نشير إلى حرص بعض الكتاب والباحثين من أهل الصومال على إخراج المصنفات أحد أكابر الشيوخ الشافعية المرموقين وتحقيق تراثه ، بحيث ركز هؤلاء على تحقيق ما أنتج الشيخ الشافعية في زمانه العلامة الفقيه عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي سراج الدين، أبو حفص ابن النحوي، المعروف بابن الملقن، صاحب التصانيف العديدة حتى قيل أنّ له نحو ثلاثمائة مصنف نتيجة اعتنائه 

مخطوط قديم
بالتأليف المستقل والشرح بالأمهات الكتب، ومن الشروح التي قام بها فضيلته شرحه على الكتب المشهورة كالمنهاج والتنبيه والحاوي على كل واحد منهم، كما شرح جامع الصحيح البحاري والمصنفات الحديث الأخرى. والعلامة ابن الملقن هو الذي تتلمذ عليه جهابذة من الشافعية أمثال العلامة إبراهيم بن إسحاق بن شرف الدين المناوي أحد فضلاء الشافعية كما ذكر ذلك المحدث العراقي، وأحمد بن علي العسقلاني الشهير بابن حجر وغيره. ولا شلك أنّه استحق أن تتجه إليه أنظار بعض الباحثين إلى إنتاجه العلمي.
الراحل الدكتور أحمد حاج عبد الرحمن

ومن هؤلاء الذين ألقوا على عاتقهم في خدمة تراث العلامة ابن الملقن، فضيلة الدكتور المحدث الشيخ الراحل أحمد حاج عبد الرحمن محمد حرسي رحمه الله بحيث قام فضيلته بالتحقيق مع الدراسة لكتاب ( الإعلام بفوائد عمدة الأحكام ) لسراج الدين عمر بن علي المشهور بابن الملقن المتوفي سنة 804هـ، وخلالها شرع  فضيلته في  تحقيق الكتاب بدءاً من باب الوتر إلى كتاب الجنائز، مع الدراسة العلمية حول الكتاب وترجمة مؤلفه الشيخ عبد  الغني المقدشي صاحب كتاب" عمدة الأحكام ثم ترجم فضيلة الدكتور لابن الملقب شارح العمدة . كما قام المؤلف قام بدراسة وافية حول شروح العمدة وبيان المطبوع منها والمخطوط، وبالأخصّ شرح ابن الملقب الذي نحن بصدد الحديث عنه. والكتاب عبارة عن رسالة علمية نال المرحوم درجة الماجستير في علوم الحديث من قسم الكتاب والسنة بكلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى في المملكة العربية السعودية.

ومنهم فضيلة الدكتور عمر علي عبد الله محمد الذي أنجز بحث علمي فريد وهو عبارة عن دراسة وتحقيق لكتاب ( البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار والواقعة في الشرح الكبير، لابن الملقن، من باب سجود السّهو إلى صلاة الخوف، دراسة وتحقيق ). بحث نال فضيلته من خلال هذا الإنجاز العلمي الذي نال من خلاله الدرجة الأكاديمية من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في المملكة العربية السعودية. وقد قام فضيلته بتعريف كلا من الأمامين الرافعي وكتابه الشرح الكبير، والإمام ابن الملقن وكتابه البدر المنير، وقد بدأ فضيلته عمله من باب سجود التلاوة إلى باب صدقة التطوع. وقد اشتمل الكتاب على تحقيق الكتب والأبواب التالية: باب سجود السهو، سجود التلاوة والشكر، كتاب صلاة الجماعة، صلاة المسافرين، الجمعة، وكل هذه  الأبواب في مجال الفقه وأحكام الإسلام.
وإذا كان كتاب ( الإعلام بفوائد عمدة الأحكام ) وكتاب ( البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار والواقعة في الشرح الكبير ) عبارة عن كتابين منفصلين ولكنهما لمؤلف واحد وهو العلامة الفقيه ابن الملقن، وفإنّ هناك مصنف واحد للمؤلف نفسه اتجهت إلىه أنظار لفيف من الباحثين من أهل الصومال لخدمته وإظهار كنوزه، ولعل ذلك يكون من باب الصدفة ولكنه ليس من الغرابة أن تتجه أقلام الباحثين إلى مصنف واحد لعرض تحقيقه وإخراج مكنونه العلمي إلى النور مثل كتاب ( التوضيح شرح الجامع  الصحيح ) وذلك لكبر حجمه وكثرة أوراقه ولوحاته المخطوطه. ومن هؤلاء الباحثين من أهل الصومال فضيلة الدكتور الشريف عثمان أحمد سقاف حيث قام بتحقيق ودراسة كتاب ( التوضيح شرح الجامع الصحيح لإن الملقن – دراسة وتحقيق كتاب المغازي ) ، وعبر هذا العلم الجليل ومؤلفه القيم نال فضيلته درجة الدكتوراه في علوم الحديث من قسم الكتاب والسنة بكلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى في المملكة العربية السعودية.

وكذلك عمل فضيلة الدكتور يوسف محمد علمي عندما قام أيضاً بتحقيق علمي ودراسة وافية لكتاب (التوضيح لشرح الجامع الصحيح لإبن الملقن المتوفى سنة 804 دراسة وتحقيق كتاب الإيمان)، وكما ذكرتنا من قبل فالكتاب شرح لصحيح البخاري لاسيما كتاب الإيمان الذي يضم 52 باباً من الإيمان، ويثبت أن العمل من الإيمان وأنه يزيد ونيقص،يحيث يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي. ويورد المؤلف أقوالاً  كثيرةً في مذهب أهل السنة والجماعة . ويمتاز الكتاب بأنه يتعرض إلى أشياء كثيرة مهمة مثل الرجال وتراجمهم وتاريخهم تعديلا وترجيحا، ثم يتناول الحديث وموارده في صحيح البخاري مسلم . ثم يتعرض إلى الألفاظ _ أي ألفاظ الحديث من حيث اللغة ويقوم بشرحها ويورد أغلب أقوال أهل اللغة . كما يورد الأحكام التي تؤخذ من الأحاديث من الفوائد والاحكام. علما أن المؤلف نال من خلال هذا البحث درجة الماحستير في العقيدة من كلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القري بمكة المكرمة ، ويقع الكتاب حوالي 700 صفحة تقريباً.

ومن الباحثين الصوماليين الذين شرعوا في تحقيق كتاب ابن الملقن الماشر إليه آنفاً الباحث الأستاذ جامع فارح جاس حيث قام بتحقيق جزء من كتاب (التوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقن)، ولكن من باب الصبر عند الصدمة الأولى من كتاب الجنائز إلى آخر باب  صدقة السر في 84 لوحة. وعلى كل حال فالكتاب جهد علمي قام به الباحث بعد تحقيق جزء كبير من الكتاب المذكور آنفا تحقيقا علميا ، ودراسة علمية، ونال من خلال هذا البحث درجة الماجستير في الحديث بقسم الكتاب والسنة التابع بكلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى في مكة المكرمة.
وليس معنى ذلك بأنّ عملية التحيقيق اقتصرت على مصنفات الفقيه ابن الملقن، ولكن هدفنا كان أن نشير إلى تلك الجهود من أهل الباحثين وأهل العلم في خدمة تراث أئمة الشافعية وأعلامهم المرموقين كابن الملقن وغيره، لا سيما لدينا نماذج كثيرة تبرهن في ذلك بحيث نجد أيضاً جهوداً علميةً قام بها الباحثون، مثل ذلك الجهد العلمي الرسين الذي قام به الباحث القدير الأستاذ أحمد عبد حيفو حيث قام بدراسة عميقة لكتاب ( إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ) لأحد الفقهاء الشافعية المشهورين الحافظ تقي الدين محمد بن علي القشيري المعروف بإبن دقيق العيد من بداية كتاب النكاح إلى نهاية الكتاب، وأصل هذه الدراسة رسالة علمية قدمها الأستاذ أحمد إلى قسم فقه السنة من كلية الحديث والدراسات الإسلامية لنيل الدرجة العالمية الماجستير. ومما يرفع دراسة هذا الكتاب بأنّ مؤلفه كان مالكاً قبل أن يكون شافعي المذهب والمشرب.

وفيما مضى ذكرنا بعض الجهود العلمية التي قام بها فضيلة الشيخ أحمد عثمان محمد الشاشي المقدشي المعروف بأحمد منير، وفي حينها أشرنا إلى ما قام به فضيلته خدماته العلمية للمذهب الشافعي عبر كتاباته وابداعاته الفقهية، ولكننا نشير هنا فقط جهده في مجال التحقيق ودراسة المصنفات في المذهب الشافعي الذي خلفه علماءنا وأئمتنا في المذهب المذكور، ومن ذلك قيام فضيلته – حفظه الله – بتحقيق كتاب ( إعانة  الطالب الناوي شرح إرشاد الغاوي في مسالك الحاوي ، لأبي عبد الله الحسين بن أبي بكر بن إبراهيم النزيلي ). هذا الكتاب حققه فضيلة الشيخ أحمد بن عثمان بن محمد الشاشي المقدشي بالاشتراك مع فضيلة الشيخ محمود عبد المتجلي خليفة - عضو لجنة الفتوى بالأزهر الشريف، ومبعوث الأزهر إلى الصومال سابقاً وقام فضيلته خلال تحقيقه هذه بتوضيح بعض المعاني والألفاظ، ومعالجة الإشكال ... ولا شك أننا بحاجة ماسة إلى مثل هذا الشرح الثمين، إذ يستعين منه كل من صعب عليه فهم المتن. وخلال تحقيق الشيخ أحمد بن عثمان بن محمد الشاشي المقدشي لهذا الشرح النفيس اعتمد على ثلاث نسخ ليقابل بعضها علي بعض ، وبذل جهداً كبيراً في سبيل مراجعة الكتاب وتحقيقه  وتصحيحه ، ولكن لم يكمل تحقيق كل الكتاب الذي بدأ أيام إقامته في مصر، حيث أحال ذلك على أحد الأعلام المصريين وزميله السابق فضيلة الدكتور الشيخ محمود عبد المتجلي خليفة ليكمل ما بقي من الكتاب تكملة لمراجعته ، وأن يعيد نظرة فيما حقق، وهو أهل لذلك ، حيث حقق – بدوره – أصول الكتاب وحرر ألفاظه ، واجتهد إخراج الكتاب على الصورة التي أراد مؤلفه ، وكلا المحققين كلفهما فضيلة الشيخ محمد أحمد محمود المشهور بالشيخ أبا – رحمه الله - ليقوما تحقيق الكتاب. ولا شك أن الشيخ أحمد بن عثمان قد قام بعمل جليل ووضع مقدمة مفيدة أعطى فيها نبذة عن الكتاب ومؤلفه ونسخه ، والمنهج الذي اتبع به خلال تحقيقه وتصحيحه ، كما قام ترجمة ضافية للمؤلف، وتعريفاً لمؤلف متن الإرشاد ، والكتاب يتكون من مجلدين ضخمين كبيرين وطبع بالقاهرة في مصر سنة 1415هـ الموافق سنة 1995م.
ومن هذه الجهود العلمية التي بدل بها أهل الصومال كذلك ما قام به الشيخ إبراهيم شيخ إسحاق في تحقيق كتاب: ( مقتصر قواعد الزركشى) لـ عبد الوهاب أحمد بن على الشعرانى (973هـ). واستطاع الشيخ إبراهيم أن يخرج هذا الكتاب إخراجاً علمياً ، تقريباً  كما أراد مؤلف الكتاب مع التحقيق والتدقيق والدراسة حول المؤلف وكتابه.
ومن ذلك ايضاً ما قام به فضيلة الدكتور الشيخ الأصولي أحمد حاج محمد شيخ ماحي، عندما أنجز مشروعه العلمي المتعلق بكتاب ( الفرائض والوصايا من الحاوي الكبير للإمام الماوردي الوصايا لأبي الحسن على بن محمد الماوردي 364 – 450هـ )، وقد أشرنا هذا الجهد العلمي من قبل في خدمة أهل العلم في الصومال في مجال الفرائض والمواريث، وقد استطاع فضيلة الدكتور تحقيق الكتاب ودراسته، علماً أنّ الكتاب ينقسم إلى قسمين. القسم الأول قام بالباحث دراسة حول الكتاب ومؤلفه من ذكر اسمه وكنيته ولقبه ونشأته وحياته وشيوخه وتلاميذه ، ومنزلته العلمية وأثاره العلمية، مع الدراسة حول كتاب الحاوي الكبير لا سيما كتابي الفرائض والوصايا. مبيناً منهجه في كتابه، ومصادره ، ونسخ الخطية التي اعتمد عليها في أثناء تحقيق جزء من كتاب الحاوي الكبير ، وخاصة كتابا ( الفرائض والوصايا) . كما تطرق المؤلف إلى كتاب الوصايا من الكتاب نفسه، فتناول كتاب الوصايا ومايتعلق به من الوصية للقرابة ، وما يكون رجوعاً في الوصية، والمرض الذي تجوز فيه الوصية، ومالا يجوز في الوصية. وتقع هذا الكتاب في ثلاثة مجلات كبيرة ، علماً أنّ هذه الدراسة كانت جزءا من كتاب( الحاوي الكبير، ويليه بهجة الحاوي ، والزاهر في غريب ألفاظ الشافعي)، وبعد طبع الكتاب أصبح  موسوعة في الأحكام الفقهية على مذهب الإمام الشافعي للشيخ علي بن محمد الماوردي، مع تعرض لمذاهب الفقهاء، وأدلتها ومناقشتها، ويليه كتاب (بهجة الحاوي) لزين الدين أبو حفص، عمر بن الوردي، وهو نظم لكتاب الحاوي، وكتاب (غريب ألفاظ الشافعي) لابن منصور محمد أحمد الأزهري . واستطاع فضيلة الدكتور الشيخ أحمد ماح محمد شيخ كما ذكرنا سابقا إخراج هذا الكتاب وتحقيقه مع مجموعة من الباحثين مثل : محمود مطرجي ، ياسين ناصر محمود ، عبد الرحمن عبد الرحمن ، وشميلة الأهدل. وبعد طبع الكتاب أصبح عبارة عن عدد مجلدات وفي 11332 صفحة ، وقد نشر بدار الفكر في دمشق بسوريا. والكتاب الذي أخرج الشيخ أحمد ماح وزملاؤه يتناول حول الفقه الإسلامي وأصوله.
وفي مجال الدراسة وتحقيق التراث الشافعية أيضاً قام فضيلة الدكتور أحمد حاج محمد عثمان جوليد المشهور بالشيخ " أحمد إمام " دراسة وتحقيق كتاب زهر الرياض في رد ما شنعه القاضي عياض على من أوجب الصلاة على البشير النذير في التشهد الأخير للعلامة محمد بن محمد بن خيضر قطب الدين الخيضري الشافعي المتوفي سنة 894هـ. وكان دور الشيخ أحمد الإمام دراسة هذا الكتاب وتحقيقه وتصحيحه بل وإخراجها كما أراد المؤلف ، بالإضافة إلى أنّه قام ترجمة وافية للمؤلف ، غير أنه قبل أن يقوم هذا الدور العلمي كتب مقدمة نفيسة أعطى للقارئ فكرة جيدة عن المسألة التي تناول فيها الكتاب أو يدور محور الكتاب في معالجته. والحقيقة أنّ هذه المقدمة التي وضعها فضيلة الدكتور مفيدةٌ جداً، وقد بلور فيها ما قام به الإمام الشافعي في المسألة التي يحمل الكتاب في مناقشته وهي الصلاة على النبي في التشهد الأخير ، حكمها الفقهي والآراء التي وردت فيها، لاسيما الرد الشنيع الذي قام به العلامة قاضي العياض على الإمام الشافعي. وكذلك قام فضيلة الدكتور دراسة مستفيضة حول المؤلف وكتابه بعد هذه المقدمة الضغيرة القيمة، حيث قدم ترجمة ضافية للعلامة الشيخ محمد بن محمد بن خيضر فض الدين الحيضري الشافعي التوفى ( 894) ، وجعله مبحثاً خاصاً له في ذلك. كما قدم مبحثاً مستغلاً حول المسألة التي يدور الكتاب حولها الخلاف. ثم المبحث الأخير قام المحقق بوصف النسخ الخطية للكتاب، مما يبرهن خبرة الشيخ أحمد بهذا المجال وعلمه الغزير في تحقيق المخطوطات. وأماكن وجودها ومستواها العلمي ، وكذلك الخطوط وما يتعلق بها. وعند تحقيق نص الكتاب أبدع فضيلة الدكتور أن يبرز الكتاب كما أراده المؤلف، كما علق كل ما يحتاج التعليق ، وتحقيق ما يلزم تحقيقه من الأعلام والأماكن وتفسير المبهمات. والكتاب يقع في 167 صفحة وطبع بمطابع أضواء  السلف بالرياض عام 1425هـ - 2005م الطبعة الأولى.



وهذا النوع من الدراسات والبحوث العلمية التي أنجز بها أهل الصومال إن ذلّ على شيئ فإنّما يدل على مذى اهتمامهم بالمذهب وبراعتهم في مجال تحقيق التراث الإسلامى المتعلق بالفقه وأصوله، لاسيما فيما يخصّ بالمذهب الشافعي ، وأنّ لهم حظّ كبير في ذلك. 

Friday, 21 April 2017





جهود أهل الصومال في خدمة المذهب الشافعي 4
د. محمد حسين معلم علي

خدمتهم في علم الفرائض:
لابد لنا قبل الدخول في الموضوع أن نشير إلى أنّ علم الفرائض يسمى أيضاً بعلم المواريث، وتارة بعلم التركات، وكل هذه الألفاظ الثالثة عبارة عن أسماء تدل على مسمى واحد، ونحن سوف نرى هنا بأن أهل العلم في الصومال قد استخدموا بتلك الألفاظ والأسماء المختلفة ، كما جرى اصطلاح أهل هذا الفن. ويعرف طلبة العلم وخاصة أؤلئك الذين في مجال علم الفقه وأصوله بتلك التعاريف المتقاربة التي أطلق عليها الفقهاء على هذا الفنّ، غير أننا نقتصر هنا فقط بأنه – أي علم الفرائض - علم بأصول من فقه وحساب ، بمعنى هو علم الحساب الموصل لمعرفة ما يخص كل ذي حق من التركة. ومن ذلك يظهر لنا بأنّ هذا العلم الذي له صلة بالقواعد الفقهية كذلك له علاقة بعلم الحساب الذي يمكن من خلاله معرفة نصيب كل وارث من التركة. ولأهمية هذا العلم وخصوصيته يسند إلى ربنا باعتبار أنّ واضعه هو الله سبحانه وتعالى ، لأنّه قد تولى جل جلاله في علاه  قسم المواريث بنفسه في كتابه ، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن هنا اهتم المسلمون بهذا العلم كما اهتموا غيره من العلوم. وعلى العموم فإنّ علم المواريث يشتمل على ثلاثة عناصر:
معرفة الوارث وغير الوارث، ومعرفة نصيب كل وارث، والحساب الموصل إليه، مما يعني بأنّ من يزاول هذا العلم ينبغي أن يتقن ثلاث علوم أو تخصصات مختلفة حتى يستطيع أن يفتي بمسائل المواريث.
وأهل العلم في الصومال تناولوا علم الفرائض ولهم اسهامات في ذلك قديماً وحديثاً، ليس في مجال تحقيق ودراسة للتراث الشافعية فحسب، وإنما أيضاً في مجال التأليف والابداع، وهذا الأمر يدلّ على أنّ الأقلام الصومالية طرقت أبواباً عديدةً وفصولاً متغايرة في علم الفقه بل لم يقتصر جهودهم على نوع معين من أنواع الأحكام الشرعية وفروع الفقه الإسلامي، أو في مجال تحقيق المصادر والموسوعات الفقهية ودراستها – والتي سوف نتناول عبر سلسلتنا في حلقاتها القادمة إن شاء الله - ومن بين هؤلاء المؤلفين والكُتّاب الذين انتجوا كتباً ورسائل نفيسة تتعلق بعلم الفرائض، الشيخ الفاضل أبو محمد نور الدين علي بن أحمد السلفي رحمه الله، وله رسالة صغيرة سمّاها: (الفرائض )، ولأهمية هذه الرسالة صارت مقرراً في معهد كيسوني العلمي في ممباسا في دولة كينيا .
 والشيخ نور الدين  علي بن أحمد كان يشار إليه بالبنان في أوساط أهل العلم فيما يتعلق بعلم الفرائض حيث كان – رحمه الله -  بارعاً ومتبحراً فيه ، وقد تتلمذ عليه أعداد كثيرة من طلبة العلم وأخذوا عنه علوماً كثيرةً ، وكان علم الفرائض من أهمّ ما أخذوه عنه، على الرغم من أنّ الشيخ اشتهر في بدايات أمره، علم التوحيد ومحاربة البدع والمبتدعين . الجدير بالذكر فإن رسالته في بعلم الفرائض ما زالت مخطوطة لدى أحد أبنائه .
وممن اشتهر في هذا الفنّ - أي علم الفرائض - وله أسهام علميّ ، الشيخ علي بن مؤمن الشافعي الصومالي ، وله كتاب سمّاه : (فتح الغوامض لمريد علم الفرائض) ، وهو كتاب يشرح كتاب الفرائض من كتاب المنهاج للإمام النووي – رحمه الله  . والمؤلف استطاع أن يخرج كتاباً يشرح في ذلك العلم، والكتاب أحد الكتب المعتبرة في المذهب الشافعي ، وقام بشرح واف حتى يستطيع القارئ أن يفهم المقصود. غير أن سبب تأليفه كان بعد أن طلب منه بعض أصحابه وطلبته أن يضع لهم شرحاً يسهل لهم فهم كتاب الفرائض من كتاب المنهاج المعروف ، وفي ذلك يقول المؤلف في مقدمة كتابه : (( طلب منى بعض المحبّين أن أجعل شرحاً وجيزاً على كتاب الفرائض من منهاج الإمام النووي –رضيّ الله عنه - ونفعنا به ، فأجبته لما طلب راجياً من الله الإعانة ومؤملاً الدخول في حديث ( والله في عون العبد ماكان العبد في عون أخيه ) وليس لي فيه إلأ النقل من كتب الفقهاء المعتبرين ومن أفواه من لقيت منهم –رضيّ الله عنهم- وذلك هو الإتيان بالمقدور والميسور  لا يسقط بالمعسور وسمّيته " فتح الغوامض لمريد علم الفرائض". ويمتاز هذا الكتاب بأن مؤلفه كتب بعض الفوائد التي ظهرت لديه من خلال شرح الكتاب،كما أنّه ظهرت براعته في هذا الفنّ وإتقانه فيه ، ويعدّ هذا المؤلف من العلماء القلائل الذين كان يضرب بهم المثل في الصومال في علم الفرائض . والكتاب عموماً صغير الحجم ويقع في 67 صفحة ، وطبع بدار العالم العربي بالقاهرة عام 1407هـ 1987م .
ومن الكتب الفقهية وخاصة في علم الفرائض كتاب : ( الإيجاز في علم التوارث) للشيخ بشير محمد عثمان المقدشي الصومالي. والكتاب يتناول بعض المواضيع التي تتعلق بعلم الفرائض وقد حوى المؤلف معتمد الأقوال من الأئمة الأعيان الذين تبحروا في علم الفرائض، وقد أورد المؤلف معظم أقوال الفرضيين بأسلوب سهل العبارة، ولطيف الإشارة ، واستخدم أعذب الألفاظ وأحلاها وأسهلها وأجلها، وبدأ كتابه بمقدمة مختصرة تناول فيها معنى كلمة الفرائض لغةً واصطلاحاً، وذكر واضع هذا العلم وموضوعه وثمرته وحكمه ، ثم ذكر التركة وما يتعلق بها من حقوق وشروط الإرث وأركانه وأسبابه ، كما تناول موانع الإرث والورثة ، والفروض ومن يرث بها ، وذكر توريث الجدات والعصبة سواء العصبة بنفسه والعصبة مع غيره والولاء، وتناول إرث بيت المال والردّ، والمشركة، وذكر الحجب والمحجوب وحاجبه، وكذا أحوال ذوي الفروض، ثم بعد ذلك ذكر أبواب النسب والمناسخات وما يتعلق بعلم الفرائض الأخرى، والمؤلف حرص على أن يسهل الموضوع لطلبة العلم ويقرب مسائل علم التوارث حيث استخدم ألفاظاً رفيعة ومقاصد أنيقة، علماً أنّ هذا الكتاب طبع بمقديشو بمطبعة مركز الصومال Somali Printing Center عام 1420ه/1999م.
ومن الكتب التي تتعلق بعلم الفرائض والتي استطاع أن ينتج بها أهل الصومال كتاب: (الغيث الفائض في علم الفرائض) وهذا الكتاب ألفه المؤلف السابق نفسه وهو الشيخ بشير محمد عثمان المقدشي الصومالي، وهو كتاب نفيس ومطول جداً، ويتناول علم الفرائض ، ولشدة طوله إضطر المؤلف إلى إختصار الكتاب ، فشرع في ذلك حتى أخرج الكتاب السابق المسمى: (الإيجاز في علم التوارث).
ومن البديهي أن يتحرك طلبة الحلقات العلمية وخاصة في مجال الفقه الشافعي في القطر الصومالي نحو اتجاه خدمة الفقه الشافعي، وهذا أحد طلبة العلم الصوماليين النابغين في القطر الجنوبي للبلاد. ومن أشهر طلبه الشيخ محمود جود المشهور في بلاد الصومال، وخاصة في المناطق الجنوبية، وهو الشيخ عبد الله معلم عبد عد الذي أنجز رسالة مفيدة في محتواها، صغيرة في حجمها، وهو يتحدث عن علم الفرائض وأطلق رسالته هذه ( خلاصة الفرائض ) وكأنّه يقدم للأمة عصارة ما نهل من العلوم والمعرفة من تلك الحلقات ا لمباركة. والرسالة بعمومها تتحدث عن علم الفرائض، وقد استهل صاحبها بتعريف الفرائض لغة واصطلاحا ثم تحدث عن شروط الفرائض وأسبابه واحتياجاته وموانعه وموجبات التوقف ، ثم ذكر بعض قوائد تتعلق بعلم الفرائض. وكيفة وضع الكتاب وأسبابه وقال المؤلف في مقدمة كتابه : “ التقطت دررها من أفواه  العلماء وكتبهم ، جمعتها ليسهل حفظها وفهمها لطلبة علم الفرائض، وسميتها خلاصة الفرائض" ولتسهيل الأمر استرسل المؤلف الأمثلة وفصولا لها علاقة بهذا العلم الفريد. كما ذكرنا أنّ الرسالة تتعلق بعلم الفرائض ، والتقط المؤلف دررها من أفواه العلماء وكذا من بحور الكتب. وقام بجمع معلومات تتعلق بهذا الأمر ليسهل حفظها وفهمها لطلبة علم الفرائض. وقام المؤلف أيضا بتقديم مقدمة ضافية لعلم الفرائض ومباحثه ودروبه، حيث بدأ تعريف هذا الفن والنصوص التي وردت فيه، وأركانه وشروطه وأسبابه وممن اشتهر من أصحابه واحتياجاته وفوائده. ومن فصول أبحاثه التي تناول المؤلف فصل في المجمع عليى ارثهم من الرجال والنساء وما يتبع ذلك كالردّ مضربا بأمثلة واضحة في الفرائض، وتوريث ذوي الأرحام. كما تناول فصل في الفروض المقدرة في كتاب الله تعالى وأصحابها، وفصل في الحجب وفصل في إرث الأولاد وأولاد الابن انفرادا واجتماعا، وفصل في إرث الأب والأم والجد والجدة، وفصل في ميراث الحواش، وفصل في الإرث بالولاء، وفصل في ميراث الجد مع إخوة والأخوات لابوين أو الأب، وفصول أخرى تتعلق بعلم الفرائض مثل: موانع الإرث وموجبات التوقف وغير ذلك. وحجم الكتاب صغير حيث يصل إلى 73 صفحة وتمّ طباعته الأولى في 20 من محرم عام 1427ه في مطابع الأهرام للطباعة في مقديشو _ الصومال. وللمعلومية أن المؤلف له مؤلفات أخرى في مجال غير مجالات الفقه مثل كتاب ( البدور الزاهرة في طبقات الأشاعرة)، وطبع هذا الكتاب بطبعته الأولى شهر رمضان في عام 1429ه بمقديشو الصومال.
وممن أتى ليخدم في مجال علم الفرائض في الفقه الشافعي الشيخ عبد الله علي عد أحمد، بحيث وضع كتاباً هدفه ليسهل أحكام التي تتعلق بالفرائض والميراث وأطلق كتابه باسم ( تسهيل الميراث )، هذا الكتاب في الحقيقة يتناول الميراث وما يتعلق به من الأحكام مثل باب ما يتحقق به الميراث، وأنواع الورثة وكيفية توريثهم، ومن بين الأبواب التي تناول بها المؤلف باب الحجب مثل ميراث الجد مع الإخوة والأخوات لغير أم، وباب الحساب، وباب الإرث بالتقدير والاحتياط المفقود والخنثى والحمل. ويقع هذا الكتاب في 157 صفحة. أما السيد علي بن حسين بن آدم البٌور أيلي buur ayle  فقط وضع رسالة لطيفة سماها ( عون الرحمن في تسهيل علم الفرائض ) وقد استهل المؤلف في مقدمة كتابه هذا سبب تأليفه للرسالة حيث قال: " ... ولما رأيت قلة من يعرف علم الفرائض أردت أن أؤلف لعلم الفرائض كتابا مفهما مع أهليتي لذلك فاجتهدت وألفت هذا الكتاب بعون الله تعالى وسميته : عون الرحمن في تسهيل علم الفرائض، وقد ذكرت فيه أمثلة كثيرة ليفهمه القاصدون به، وجعلت في بعض الأمثلة محجوبا ليعلم الطالبون حجت الحرمان ، وقد ذكرت في تقريراته شرح دقائقه وأصول المسائل وتصحيحها وتقسيم السهام لئلا ينبهم على القاصدين به شئ من ذلك...الخ ".ويمتاز الكتاب بأن الؤلف بسط ما يراه من الكلام ، وفسر الغموم ليكون بقرب القارئ وذلك لكونه في الحاشية التي عممها تقريبا على الكتاب. والكتاب يناول تقريبا كل الأوبواب العلمية التي تتعلق بعلم الفرائض . ورغم صغر حجم الرسالة إلا أنها تناولت فصولا وأبوابا متعددة في علم الفرائض. وتقع الرسالة في 40 صفحة ، وتمّ طباعتها في ذي الحجة سنة 1426ه الموافق يناير سنة 2006م في مطبعة درييل في مقديشو – الصومال.
وكنتُ أعتقد بأنني أعرف زميلنا وحبيبنا فضيلة الدكتور يوسف محمد علمي حق المعرفة بحكم احتكاكنا مع فضيلته أيام الدراسة في رحاب جامعة أم القرى بمكة المكرمة في التسعينات من القرن المنصرم، وقد نهل فضيلة الدكتور – حفظه الله – قسم الكتاب والسنة من كلية الدعوة وأصول الدين وكان متخصصاً بالقرآن الكريم وعلومه ثم الحديث وعلومه، ولاسيما كان كل هموم فضيلته وميوله تتجه نحو علم القرآءات والدراسات القرآنية، والسنة النبوية، وقد أنجز في هذا المضمار بعض البحوث، ولكن فضيلته فاجأني بأنّ لديه كتاباً حول المواريث بحيث أنني لم ألاحظ في تلك الفترة التي قضيناها معاً بأي اهتمام يعير فضيلته في قضايا الأحكام والمسائل التشريعية فضلا عن المواريث، رغم قدرته الكبيرة وعلمه الواسع في مجالات الفقه والأحكام الشريعة، وقد برهن ذلك فضيلة عندما  وضع كتاباً سماه ( كتاب المواريث )، ويتناول هذا الكتاب بعلم والمواريث وقد عرض المؤلف بطريقة مبسطة ، وما زال الكتاب مخطوطا غير مطبوع ويقع في 150 صفحة.
ومن المعلوم أنّ بعض أهل العلم في الصومال قاموا في تحقيق التراث الشافعي، ومن هنا خصص بعض منهم جهودهم العلمية تتجه نحو ذلك المجال وتحقيق التراث، حتى سلط بعض أهل العلم في الصومال قلمه على أبواب الفقه الذي له علاقة بعلم الفرائض وذلك ما قام به  فضيلة الدكتور أحمد حاج محمد شيخ ماح، عندما أنجز مشروعه العلمي المتعلق بكتاب ( الفرائض والوصايا من الحاوي الكبير للإمام الماوردي الوصايا لأبي الحسن على بن محمد الماوردي 364 – 450هـ )، علماً أننا سوف نتحدث هذا المشروع العلمي ضمن الجهود العلمية وتحقيق التراث الشافعي في الحلقة القادمة إن شاء الله – كما أسلفنا من قبل-.

وأخيراً وليس بآخر، ولشدة اهتمام بعض الكتاب والباحثين الصوماليين وإصرارهم لم يتردد اختيار دراساتهم في مجال الفرائض والمواريث في المراحل الدراسات العليا، وهذا فضيلة الشيخ عبد العزيز على أحمد الصومالي فقد وفقه الله في تحقيق مشروعه العلمي، عندما قام بجمع النصوص والآثار المتعلقة بأحكام العصبة ثم دراستها وتفنيدها حسب قواعد البحث العلمي، ومن هنا استطاع انجاز بحثه ( أحكام العصبة في الفقه الإسلامي جمعاً ودراسة ). هذا البحث نال المؤلف درجة العالمية العالية الدكتوراه من كلية الشريعة ، قسم الفقه بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة بالمملكة العربية السعودية.  وقد اشتمل البحث جميع أبواب الفقه المتعلقة بأحكام العصبة ومن ضمنها علم الفرائض، وهو علم من العلوم العظيمة المهمة الجليلة، والتي قد يبخس في حقها هذه عصرنا الحاضر، وهي مزية للباحث أن يشتغل فيها، ويستطيع القارئ للبحث أن يلاجظ في أول الوهلة بأن في دراسة فضيلة الشيخ الدكتور وفرة في معلوماته، وتنوع في مراجعه بصياغة جميلة ولغة لائقة سليمة، وأسلوب علمي قوي معتنياً بالتخريج في جملته، مما أعطى الدراسة رونقها وعذبها للقرآء، ومما لا شك فيه فإنّ هذا الجهد العلمي المبارك من جمع النصوص ، واختيارات أقوال العلماء والفقهاء لا يخلو من ابداعات العلماء الشافعية وأقوالهم الفقهية ولاسيما فيما يتعلق بأحكام الفرائض.













Tuesday, 18 April 2017





جهود أهل الصومال في خدمة المذهب الشافعي 3
د. محمد حسين معلم على

وقبل أن نواصل حديثنا حول جهود أهل العلماء والباحثين من أهل الصومال تجاه المذهب الشافعي ينبغي أن أشير - معتذراً -إلى ما حصل من الخطأ غير المقصود في الحلقة الثانية من هذه السلسلة  عند ما أسندنا  كتاب ( المسائل الفقهية التي انفرد بها المذهب الشافعي في العبادات ) إلى أحد الشيوخ من أهل الصومال وهو الشيخ علي بن مؤمن الفقيه الشافعي الذي كان له حلقات علمية في مجال الفقه بالإضافة إلى براعته في التأليف والكتابة وخاصة في مجال تخصصه الفقه، ولكن في الحقيقة أنّ الكتاب المشار إليه من تأليف فضيلة الشيخ الفاضل الأستاذ عيسى محمود عبد الله  من أهل منطقة جبلي Gabiley صاحب ثقافات متعددة بحيث درس كل من الصومال وجيبوتي  والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وجمهورية السودان، وقبل ذلك تربى على الحلقات العلمية المباركة مثل حلقة الشيخ الزميل الفاضل عبد الله علي جيلي في جبيوتي وحلقة فضيلة الشيخ طاهر عيسى في مدينة جبلي بالصومال. وكتابه المذكور – أي كتاب المسائل الفقهية التي انفرد بها المذهب الشافعي في العبادات _ عبارة عن بحث علمي نال صاحبه بالدرجة العلمية من جامعة إفريقيا العالمية، علماً أنّ فضيلة الشيخ عيسى محمود عبد الله له كتاب آخر وهو كتاب ( أحكام البغات في الفقه الإسلامي) ومن خلال هذا الكتاب تحدث المؤلف الأحكام الشرعية التي تتعلق بالبغات والمعتدين في نظرة الفقه الإسلامي ،كما تحدث المؤلف عن قضية التعبير الأمور السياسية والشرعية ، والكتاب يقع في 80 صفحة.
وأما قولنا " أهل الصومال " فنعني ما تعنى الكلمة في الصومال الكبير بدون اعتبار القيود الحدودية التي اصتنعها الاستعمار، بحيث أننا نقصد بتلك الجماعة المتجانسة في قوالب كثيرة دون أن توجد فوارق من حيث الثقافة والعقيدة وجميع المرتكزات الحياة الاجتماعية، وانطلاقاً من ذلك فهناك بعض إنجازات علمية حققها أهلنا في جيبوتي في هذا المضمار عبر علمائها ومثقفيها، وهذه الإنجازات والجهود العلمية من الصعب حصرها غير أننا نشير إلى جهود العلامة الشيخ الزاهد المحبوب فضيلة الشيخ عبد الله علي جيلة بحيث كتب بمقدمة لطيفة سماه ( مقدمة في قواعد الفقهية ) وقد أراد المؤلف أن تكون مقدمته هذه مقدمة لكتاب الأقمار المضيئة للشيخ عبد الهادي ضياء الدين إبراهيم بن محمد القاسم الأهدل أحد فقهاء الشافعية، علماً أنّ لفضيلة الشيخ أعمال علمية مفيدة أخرى، غير أننا نذكر هنا فقط تلك الأعمال التي لها علاقة بالحديث وعلومه مثل كتابه ” تخريج الأحاديث الواضح في أصول الفقه لدكتور الأشقر”، بحيث خرّج فضيلته الأحاديث النبوية الواردة في الكتاب تخريجاً علمياً مما يبرز براعة الشيخ وتفوقه في الفنّ.
ومن جهود أهل العلم في الصومال الكبير وخاصة في المنطقة الحدود الشمالية التي تقع تحت سيطرة دولة كينيا، تلك الجهود العلمية التي قدمها فضيلة الأستاذ الدكتور يونس عبدلي موسى يحيى آل الفقي المسّريّ، وهي كثيرة جداً ولكننا هنا نشير فقط إلى جهده العلمي ( الولاية في الزواج بين الشريعة والتقليد في إقليم شمال شرقي كينيا)، ورغم أنّ فضيلة الدكتور ناقش هذه ا لمسألة بمنظور فقهي وخاصة الفقه الشافعي إلا أنّه لم يهمل الجانب العرفي أو التقليدي كما يبدوا عنوان بحثه، لأنّ هذه المسألة لها علاقة بالعرف والعادات الأمة الصومالية التي تتمذهب بالمذهب الشافعي. وهذا الكتاب عبارة عن رسالة ماجستير غير منشورة، مقدمة للجامعة الإسلامية في أوغندا، كلية التراث الإسلامي، قسم الشريعة الإسلامية، 2001م. وفي المسألة نفسها التي ناقشها الدكتور يونس تناول أبو عمر عبد العزيز بن آدم بن حسن الصومالي في كتابه ( الإصابة في نقض نكاح المسافة ) وهي رسالة جيدة يناقش المؤلف في هذا النوع من النكاح مشدداً تحريمه ومنادياً ابتعاد المجتمع هذا النوع من النكاح وهو نكاح مشهور عند أهل الصومال.

وفي شمال الصومال كان فضيلة الشيخ علي حاج إبراهيم مرموقاً في مجال الكتابة والتأليف وله عدد من المؤلفات، غير أننا نشير هنا فقط تلك التي تخص بمجال الفقه مثل: الدرر اللوامع في مختلف المطالع، والرسالة تتناول في أمور جغرافية لها علاقة باختلاف المطالع عن بداية شهر رمضان، وعند نهايته ومراقبة الهلال في عيد الفطر المبارك، ومع ذلك فالرسالة لها علاقة قوية بالفقه بيحث يترتب من خلالها أموراً فقهية كثيرة. وله كتاب (درر العناية في دروس العبادة )، والرسالة تعني بنظم العبادة. ومن جهود الشيخ العلمية:
التوضيح في مسائل التشريع
تحقيق التربية الجناية في حكم قتيل السيارة
الروضة البهية في الأسئلة والأجوبة الجلية
وهكذا أهل العلم في الصومال يؤلفون رسائل علمية وخاصة في مجال الفقه ليستفيد طلبة العلم كما فعل الشيخ علي سمنتر في رسالته ( غاية المرام في حل ألفاظ مقدمة المنهاج ) ويحاول الشيخ تفسير وتبسيط بعض الألفاظ الواردة في كتاب المنهاج في المذهب الشافعي المشهور في القطر الصومالي.
ومهما كان الأمر، فالحديث عن الخدمة العلمية للمذهب الشافعي التي تمت على أيدي أهل الصومال هنا وهناك، فلا شك وكما ذكرنا من قبل فإنّها ليست من السهل تجميعها في عدد مقالات مستعجلة غير عميقة ولكننا نشير بعض منها، ومن بين تلك الدراسات والإسهامات العلمية ما أنجز به فضيلة الدكتور محمد إيمان أدم المشهور بالشيخ الشاطبي مثل كتابه ( زيادات الإمام النووي واستدراكاته على الإمام الرافعي من بداية كتاب الصلاة إلى نهاية صلاة التطوع من خلال كتاب الروضة-جمعاً ودراسة مقانة)، وهو بحث علمي نال المؤلف من خلاله درجة الماحستير في الفقه عام 1426هـ في كلية الشريعة، بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في المملكة العربية السعودية.
وإذا كان فضيلة الدكتور محمد إيمان أدم اختار مشروعه  العلمي حول زيادات الإمام النووي واستدراكاته على الإمام الرافعي، فإنّ فضيلة الأستاذ محمد معلم أحمد شرع في مشروع بحثه حول ( اختيارات الإمام النووي الفقهية في العبادات من خلالا كتابه " المجموع" دراسة مقارنة ) ومن خلال هذا البحث القيم تناول المؤلف هذا الكتاب حول آراء واختيارات الإمام النووي في الفقه من خلال كتابه المجموع وقد اختصر في القسم العبادات بحيث تناول الطهارة والصلاة والصيام وقد استهل بها صلاة الليل التي كان الرسول – صلى الله عليه وسلم – يقوم بها ثم تناول الزكاة والصوم والحج. وقد بدأ المؤلف كتابه الحديث عن الإمام النووي نسبه وولادته وحياته العلمية ثم قدم دراسة قوية حول كتاب المجموع. ومما يرفع قيمة هذا الكتاب بأنّ أصل الكتاب كان عبارة عن دراسة عملية نال المؤلف من خلالها درجة الماجستير في الفقه المقارن من قسم الفقه وأصوله بكلية الشريعة والقانون التابع بجامعة أم الدرمان الإسلامية بالسودان. وقد طبع الكتاب بمطابع دار العلم بمصر في طبعته الأولى عام 1434ه الموافق 2013م.
وأما فضيلة الشيخ أبو عبد الرحمن أحمد بن عبد الشكور ساهم في خدمة المذهب الشافعي عبر رسالته الفقهية ( أحكام ملخصة تتعلق بطهارة المرأة ولباسها في الصلاة ) كما تناول في الرسالة حدود المرأة المسلمة لإظهار زينتها، فهذه الرسالة صغيرة لطيفة تخص بالنساء المسلمات اللاتي ليس عندهن معرفة كاملة الأحكام دينهن لاسيما ما يخص بشئونهن مثل أحكام الحيض والاستحاضة ، والنفاس وغير ذلك من الأحكام ، ورغم صغر حجم الرسالة إلا أنها تحمل في طياتها أحكاماً جمّاً لا ستغنى عنهااللفتيات المؤمنات ، وقد قام المؤلف بشرح بعض ألفاظ الغريبة من الأحاديث ، مع تعليق مناسب إذا اقتضت الضرورة ، وكان ينبغي للمؤلف أن يستخدم بأبسط ألفاظ وأسهل الأساليب ليسهل لهم المراد. والرسالة تقع في 94 صفحة، وطبع في طبعتها الثانية سنة 1424هـ/2003م.

كما قام فضيلة الشيخ عثمان الشيخ عمر بن الشيخ داود (حدج) رسالتين في مجال الفقه وهما (التبيين في أدلة التلقين ) ورسالة (قص الشارب) وكلا الرسالتين تدوران حول الفقه الشافعي. وعلى العموم فهذه سمة أهل العلم في الصومال قديما وحديثا بحيث كانوا يعطون جل اهتمامهم في خدمة المذهب الشافعي في قوالب مختلفة ، وليس من الغرابة أن يخدم أصحاب الفكر والابداع من أهل الصومال لمذهب الإمام محمد بن إدريس الشافعي التوفى سنة 204ه، بل ومن الوفاء قيام ذلك وتقديم دراسات وبحوث تخدم لهذا التراث القيم الذي انتفع به سكان منطقة شرق إفريقيا قاطبة من خلال تعلقهم بالفقه الإمام الشافعي منذ أن وصل المذهب إلى المنطقة حتى عمّ على جميع أرجاء الساحل الإفريقي الشرقي بقدوم المهاجرين المسلمين السنيين الذين وفدوا من مناطق مختلفة في العالم الإسلامي كاليمن والحجاز والشام والعراق وغير ذلك. وخدمة المدهب تعني نشره وتطويره من خلال الحلقات العلمية والمراكز الثقافية، وكذا من تأليف ودراسة وتحقيق لمجميع المصادر والكتب التي تخص بالمدهب بدءاً بإنتاج الإمام الشافعي ونظرياته الفقهية، ثم الإنتاج العلمي الذي أبدعه العلماء الشوافع عبر القرون الإسلامية حتى يومنا هذا. وهناك كم هائل من الباحثين والعلماء من أهل الصومال تطرقوا هذا الباب خدمة لهذه المدرسة الفقهية في أكثر من وجه وحيثية، ومن الصعب حصر كل الجهود المبدولة عبر التاريخ في بحث واحد حتى ولو كان هذا البحث مستقلاً ومستفيضاً فضلاً عن هذه العجالة التي نحن بسددها في ملتقى أهل العلم والفضل من أحبابنا الكرام الذين لهم دراية في الفقه وأصوله، رغم أنّ بضاعتي مزجاة في هذا الباب، ولكن من باب فضول حاولنا تأريخ خدمة هذا التراث الثمين من خلال تتبع أقلام كُتابنا الصوماليين حسب المستطاع، علماً أنّ ذلك مجرد نماذج ليس إلا