Wednesday, 23 November 2016

أسد سرمان ووديانه مختار روبو الرحنويني

5

د/ محمد حسين معلم
                           
أبو منصور مختار روبو
وقد فاجأني الرجل بحديثه الصريح غير قابل للتأويل وانتقاداته الشديدة لحركته على الرغم من أنّه لم يعلن الانسحاب عنها.. وعندما تأكدتُ موقف الرجل وأنّ هناك أزمة حادة بين قادة الحركة وكوادرها استرسلتُ الحديث غير خائف، بل وأصبحتُ فضولياً يبحدث كل صغيرة وكبيرة 
وما يجري في داخل الجماعة التي تسيطر على أراضي شاسعة ولكنّ صناع قرارها مختلفين وأن بعض منهم خائفين.
واستمر الحديث وتحدث تصرفات الحركة في تلك الفترة وما ارتكبت من أعمال العنف ضد المدنيين لأهلنا في المناطق التي تسيطر الحركة، وخاصة العاصمة ، وقبل أن أواصل الحديث والأسئلة فاجأني الرجل مرة أخرى بقوله: " ألا تعرف يا دكتور أنّ عملية فندق شامو وكذا ورشة الجلود warshada hargaha iyo saamaha من ضمن صناعة حركة الشباب دون علمنا رغم أنني كنت الناطق الرسمي للحركة ، وعرفنا فيما بعد من خطط هذه العملية الفظيعة، ولم أكن وحدي ممن ينكر على ذلك وإنما كان هناك بعض القياديين الآخرين، وأعلنا بأننا لن نقبل هذا التصرف ...ولما تأكدت المجموعة التي خططت هذه الأعمال بمعارضتنا وعدم سكوتنا صارعوا إلى نفي الأمر بل واستنكاره، مع معرفتنا فيما بعد بأن الحدث كان أمر قد دبر بالليل، وقد أخبرت بعض الإخوة ولو تمّ تبني الحركة لهذه الأعمال سوف يكون ردي عنيفاً وعبر الوسائل الإعلامية مما سوف ندخل في مرحلة جديدة.
وسألتُ بعد هذا الكلام الخطير مباشرة " يا فضيلة الشيخ أليس معنى ذلك بأن الحركة رغم قوتها ونفوذها الواسع هشة في داخلها، ضعيفة في سياساتها ..؟" ..وقبل أن أنهي الحديث قال أبو منصور: أقول لك بالحقيقة إن حركة الشباب الموحدة انتهت وما يربط الآن بعضها بعض إلا بشيئين هما: الأول ميناء كسمايو، والثاني أسير الفرنسي الذي لدى حوزة الحركة،  وهذا يفسر بأن الأمر كله اقتصادي وليس تحقيق رضا الله والجنة كما كنا ننادي ونردد من قبل، ثم توقف برهة فحاول رد هاتفه الذي رن ّأكثر من مرة، فأخرج ثلاثة جوالات (موبيلات) مختلفة – كعادة أهل الصومال وكان لديه ثلاث هواتف نقالة مختلفة ولكنها قديمة جداً، وهي عبارة عن ثلاث الشركات للإتصال المنتشر في البلاد وخاصة في الجنوب، مثل هرمود، نيشن، وتليكم Hormuud, Nation, telecom وسمعت أن الحركة تفضل أنواع الموبيلات القديمة على الهواتف القديمة على الرغم من استطاعتهم في ذلك، لأنها – حسب رأيهم – يصعب التنصل فيها، وهو ما يردد كثير من الناس في الصومال. وكان ردّ الشيخ مختار على من اتصل به غير مطول، بحيث كان متحمساً بما كان يجري بيني وبينه من الحديث.
ثم أخذتُ الحديث ووجهدتُ إليه سؤالاً لم يكن في حسبانه بحيث قلتُ له: متى كانت آخر مرة التقيتم بالأمير؟ وكنتُ أقصد أمير حركة الشباب المجاهدين السيد أحمد عبدي غدني المعروف مختار أبو زبير... ثم بعد هذا السؤال سكت صاحبنا برهة ولم يعلق بلقب الأمير، مع أنّي كنتُ أحسّ منه بعض مضايقات، وقال لي لو كان السؤال متى كان فراقهم لكان أحسن أن توجه إليّ يا دكتور، ولكن ... فأخذتُ الحديث قبل أن يواصل صاحبنا وفرفعتُ صوتي بحيث قلتُ له: يا فضيلة الشيخ ليس عندي خبر بأنّه حدث فيما بينكم خلاف أوصل إلى هذا الحد من النزاع والحراب.

ثم قال: المهم آخر لقاء وجلسة اجتمعنا معه كانت جلسة مستديرة مكونة أربعة أشخاص هم: أحمد عبدي غدني، وإبراهيم حاج جامع ميعاد المعروف بإبراهيم أفغان والمشهور في داخل حركة الشباب بأبي بكر الزيلعي، وفؤاد محمد خلف المعروف بفؤاد شنقلو وأنا، وكان الحديث عبارة عن مساجلة وجدال هادئ بيني وبين أحمد غدني فقط دون غيرنا، لاسيما كنتُ أعاتب عليه في انحرافه وتفرده في الأمر، وكنت أفهم جيدا بأنها سوف تكون اللقاء الأخير ولذلك ركزت عليه بعض الأسئلة في غاية أهمية، كما كان قصدي إقامة حجة عليه وتحمل المسؤولية بانقلابه الديني والسياسي والطريق المعوج الذي قاده الحركة أمام الله بدعوى طاعة ولي الأمر، وقتل وإهلاك كل من يعترض كلامه وتصرفاته، وكان بانتظاري أن يرد أحمد غدني علي انتقاذي وعتابي عليه، وبدلاً من ذلك التزم الصمت مطأطأ رأسه، .. في حين كنتُ أرى على وجوه إبراهيم أفغان وفؤاد شنقلو دهشة كبيرة لشدة غضبي وكلامي الشديدين، وخشونة لساني الحاد  وعنفوان حديثي المتواصل كوابل من السيل تجاه من كان يُظَنٌّ بأنّه جبل لا أحد يزحزحه أو شخص ينهى ويأمر ولاأحد يقول له كلاماً جافاً وحاداً... وواصل الحديث بحيث ذاكراً: " وأغرب من ذلك كله عندما قلتُ له – أي غدني – إذا كانت للخوارج خصال معروفة ومتفق عليه بين العلماء فإنّ فيك بعض منها.... والأمر مثل النفاق الذي ينقسم إلى قسمين: علمي وعقدي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم حينما ذكر آية المنافق وعدد بعص صفات منها، فلا شك فمن يتصف صفة من الصفات التي ذكر بها الحبيب صلى الله عليه وسلم سوف يتصف بالنفاق وليس بالضرورة بأن يكون ذلك الشخص أو فلان منافقاً حقيقياً... وهكذا الخارجي، فمن تبدوا عليه وعلي تصرفاته بعض سمات الخوارج وعلاماته " .... ، وأردف أبو منصور قوله : "ولكن السيد أحمد غدني كان هادئاً مبتسماً غير منزعج وقال: اسمع يا أبا منصور فاعلم إذا كان فيّ خصلة من خصال الخوراج فأنا أميرك، وأميرك خارجي فماذا تقول؟... فجاء جوابي فوراً بحيث أجبتُ سؤاله: " ليستَ أميراً لي في تلك النواحي يا أخي ولن أقبل على ذلك مهما كان الأمر، ونصيحتي لك ما أقوله لك الآن، يا أخي اتق الله ولا تكن سبباً في مزيد من إراقة الدماء بيننا وبين الآخرين ، بل وفيما بيننا، وإذا رفضت نصيحتي فاعلم أنّه سوف يبقى حولك بعض شرذمة قليلة وسوف تتقاتلون فيما بينكم، أما أنا فسوف ترون موقفي. انتهى كلام ابن روبو"، وعلى لسان حاله:
لا خير في ود امرئ متملق          ***    حلو اللسان وقلبه يتقلب
يعطيك من طرف اللسان حلاوة   ***     ويروغ منك كما يروغ الثعلب
اترك هلا بك                       ***     وكيف الحال وشلونك
وفي الحيقيقة كنتُ أستغرب كلام أبي منصور دون خوف ووجل، بل واستنكرتُ عليه وصفه لأحمد غدني بالخوارج، لأنّ إذا فتح هذا الباب فسوف يدخل كثير ممن يظنّ نفسه بعيداً عن الفكرة، وكان في شهر يوليو عام 2011م، وحتى في تلك اللحظة لم نسمع منه بأن صرح علناً عبر الوسائل الإعلامية بأنّه انسحب من الحركة، بل قال لي كلاماً واضحاً نفاذه : " ورغم كل ما ذكرته لك من الانحراف والفتنة التي اقترف بعض منا فأرى بأنّه لا يوجد من هو أحسن من حركة الشباب ظالما الفساد انتشر في كل مكان والأصابع الخارجية لها دور في تحريك أمر بلدنا. 
والحق بأنني تحيرتُ في الأمر لأني كنتُ أعرف بأنّ صاحبنا لم يكن آمناً من قبل الحركة التي كان يحبها ويزكيها، وكان دائماً يحمي نفسه من قبل قادة الحركة وغيرهم الذين كانوا يتربصون باغتياله، بل وقد عرفتُ فيما بعد بأنّ البعض أرادوا قتله  أكثر من مرة أثناء معركة شرسة مع القوات الأجنبية، وكأنّه يواجه عدواً من أمامه وآخر من ظهره ولكن الأخير من البيت الشبابي... وهكذا فرق الضالة والمبتدعة عندما يبتعدون عن السنة وعن مجالس العلماء العاملين تقتل بعضها ببعض، وتستبيح حرمات الله سبحانه وتعالى ظلماً وجوراً، أو جهلاً وتأويلاً. 
ومسكين ابن روبو يواسي نفسه بسراب وعلى عيونه رماد ولسانه يردد مجازاً:
خليلي جريت الزمان وأهله       ...   فما نالني منهم سوى الهم والعنا
 وعاشرت أبناء الزمان فلم أجد  ...   خليلا يوفي بالعهود ولا أنا
ومع ذلك كله كان أبو منصور يعرف أموراً  كثيرةً لها علاقة بالحركة، ويتوقع بما سيحدث في المستقبل القريب، وقد تحقق ما ذكره في تلك الفترة فيما بعد، وذلك عندما قام أمير الحركة أحمد غدني بقتل بعض رجالاته مثل إبراهيم أفغان ومعلم برهان وغيرهما، أما فؤاذ شنقلو ما زال حتى الآن خائفاً شارذاً، ولعله – أي فواذ يؤكد أو ينفي – أو يصحح - ما ذكر به أبو منصور في الجلسة السابقة التي كان فؤاذ جزءاً منها.
أما أسد سرمان ابتعد عن المجموعة منذ 2011م عند ما استعصى الأمر دون حدوث التغيير أو حلاً مناسباً لمسير الحركة كما أراد ابن روبو وغيره من المعتدلين _ إذا كان هناك معتدلون_ وارتحل إلى مسقط رأسه بلاد سرمان، وعلى لسان حاله ينشد:
إذا لم أجد خلاً تقياً يؤانسني    ...    وفوحدتي خيرٌ وأشهى من غويلٌ أعاشره
وأجلس وحدي للعبادة آمناً    ...    أقرّ لعيني من جليسٌ أحاذره
والحديث له بقية.

Saturday, 19 November 2016

طيورنا المهاجرة .. غراً محجلين
4
الكاتبة والروائية والمترجمة الصومالية الشابة زهرة مرسل عمر


الكاتبة الروائية زهرة مرسل عمر
زهرة الصومال وبهجتها







الحديث عن العصفورة والروائية الصومالية الأستاذة زهرة مرسل عمر حديث له مذاقه ونكهته الخاص، لاسيما أنّ القلم لم ينكسر بعد، بل ويعشق بأن يصل مداده إلى زهرة الصومال وبهجتها وسفيرتها الشابة، صاحبة القلم الرشيقة، بنت بارطيرى البارة لتكتمل العدالة بين الجنسين، عقب الحديث عن الأديب الشاب محمد علي ديريه، تنفيذاً للوعد الذي سبق من قبل، ووفاءاً لحملة رسالة الصومال في المحافل الإقليمية والدولية وفي وطننا العربي وغيره، بالإضافة إلى تشجيع فئة الشباب الأخرين وخلق الأمل والرغبة في العلم والتقدم الحضاري.

والروائية الصومالية زهرة مرسل عمر قد فرضت نفسها على جماهير القرآء العربية في مصر والخليج والشام، عند ما أصبح كتابها الأخير «أجوران عين إفريقيا» مسيطراً على معارض الكتب والساحات الأدبية،بالإضافة إلى أنّه قد لمع نجمها في زهرة شبابها ولا تقل أهمية عن أديبنا الطبيب الدكتور محمد علي ديريه. ويأتي الحديث عن زهرتنا في هذه الحلقة ضمن طيورنا المهاجرة لأنّها من مواليد مدينة بارطيرى الزراعية في بلاد الصومال في شهر أغسطس عام 1987م، وكانت في طفولتها تعيش مع أهلها على ضفاف نهر جوبا وتشرب من مائه العذب إلا أنّ الله سبحاته وتعالى قدر في عمر شبابها بأنّ ترقص على ضفاف نهر النيل أطول نهر في العالم في مصر المحروسة كنانة الله في أرضه وبالذات القاهرة المعز، مغردة بصوتها الجميل ومروية بروايات الزمان الأصيل، في رحاب ممالك الصومال القديمة والحضارة العريقة، ولكن عبر القوالب الأدبية الرفيعة والموجات البحرية الساحرة بيد الفنانة الصومالية المغمورة عبر قلمها اللين ذات مداد الخفيف، بغية تدكير شعبها في مصر والصومال في آن واحد عبق التاريخ القديم والعمق الحضاري في غابر الزمان عبر العلاقات التاريخية القديمة بين الفراعنة و أهالي بلاد بونت. وإذا كان مسقط رأس كاتبتنا مدينة باطيرى من إقليم غدو في جنوب الصومال – كما أسلفنا من قبل – هذا الإقليم المتآخم بحدود دولتي كينيا وإيثوبيا، فإنّ زهرة الصومال اللطيفة نشأت وترعرعت في أطهر بقاع الله في هذا الكون، المدينة المقدسة .. أرض مكة العمران ومولد النبوي العدنان ومهبط الوحي الفرقان، ومنبع ماء زمزم الشرفان، ومكللة بزيارات الأماكن المقدسة العرفان، لأنّها ابنة الدكتور مرسل عمر أستاذ علم الطب في جامعة أم القرى بمكة المكرمة حوالي عشرين سنة، وما زال يدرس حتى الآن وتعيش أسرته هناك، ولا غرابة في ذلك لأنّ الدكتور عمر تلقى تخصصات عالية في مجال الطب في كل من إيطاليا والسودان، وكان بداية إنطلاقه في بلده الصومال من الجامعة الأمة الصومالية، غير أنّه لما اندلعت الحرب الأهلية الصومالية في بداية التسعينات انتقلت الأسرة للإقامة في المملكة العربية السعودية، وسكنت في مكة.
وكانت الكاتبة زهرة مرسل عمر ضمن العائلة وتلقت تعليمها الأولى في المملكة العربية السعودية، وخاصة بالعاصمة المقدسمة مكة المكرمة، وحصلت على الثانوية العامة من المدرسة 22 الثانوية، قسم العلمي، ثم رحلت إلى الأراضي المصرية والتحقت بجامعاتها، وتلقت تعليمها فى مصر لدراسة العلوم الإنسانية، على الرغم من أنّها خريجة من القسم العلمي في المرحلة الثانوية إلا أن هوايتها وميولها الأدبية أجبرتها على الدراسة في كلية الأداب، ومن ثم حصلت على شهادة ليسانس قسم علم الاجتماع من كلية الآداب بجامعة القاهرة عام 2009م.
والكاتبة الأستاذة زهرة مرسل حالياً مقيمة في مدينة القاهرة وتعمل كمترجمة روايات وعلى يدها الآن كتاب " أيان درن " باللغة الصومالية أي صاحبة سوء الحظ والذي وضعها الكاتب السيد عبد الله شيخ حسين هنتوداغ بحيث تحاول ترجمته إلى اللغة العربية، وفي السنوات الأخيرة ركزت على كتابة البحوث والروايات الأدبية، ومن هنا نستطيع القول بأنّ الكاتبة زهرة حقاً أنّها مؤلفة قديرة وكتابتها عبارة عن فنّ رواية يتسم بالحيوية والموضوعية ذات أهداف نبيل، كما أنّها  مؤلفة تكتب مقالات فريدة في بعض المواقع العربية ولها مدونة سمى جردينيا. ويرى كثير من قراء أهل الصومال بأنّ الكتابة زهرة مرسل عمر إحدى أبرز الروائيات الصوماليات، وهى كاتبة وصحفية وروائية، كما أنّها نشطت في مشاركة الأندية الأدبية في العالم العربي وتشارك معارض الكتب هنا وهناك سواء من خلال كتاباتها المؤلفة أو الأخرى المترجمة، ولا يستغرب لكاتبتنا في ذلك لأنّها كاتبة نشطة وذات حيوية شديدة في اندفاع إلى الإمام، ويدل على ذلك بأنّها وبعد فترة وجيزة من تخرجها من الجامعة بالإضافة إلى دخولها في الحياة الزوجية بدأت مشوارها في عالم الكتابة والرواية والدراية ككاتبة مستقلة، واستطاعت
 
 أن تصدر أولى إنتاجها الأدبي والثقافي في قالب الرواية عام 2012م، وهي روايتها الميسوم " أميرة مع وقف التنفيذ " – والذي سوف نتناول عند الحديث عن الإنتاج الأدبي والثقافي للإستاذة زهرة – وكيف لا يكون طبعها يتجه إلى هذا المنحى، ومجال الكتابة أصبح في عشقها وهوايتها مند نعومة أظفارها، بدءاً بمدينة بارطيرى المكتظة بخلاوي القرآن الكريم، ومروراً بمدارس البلد الأمين بمكة المكرمة على مراحل التعليم المختلفة، بالإضافة إلى بيت والديها، ومنذ ذلك شرعت في كتابة عدد من المقالات التي نُشرت أغلبها في بعض المجلات المصرية، وتختص بالكتب بكل أنواعها والمواقع الأثرية ، وليس فقط عملها محصور بالكتابة بل أيضاً تتناول في ترجمة العديد من الروايات من اللغة الصومالية واللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية كما أسلفنا سابقاً..
وللحديث بقية.


Friday, 11 November 2016

طيورنا المهاجرة ...غراً محجلين
3
ابن ديريه ... اسم تعلق بالأروقة العلمية العالمية
كم يثلج صدورنا عندما نرى المتمرد الأسمراني
 الدكتور محمد علي ديريه تعلق اسمه في الجلسات الأكاديمية الإقلمية والعالمية، ويتسابق الباحثون إلى وصول معدن إنتاجه الأدبي ونظراته الثقافية الحديثة، ولا شك فإنّ الأمر لم يأت فجأة إنّما نتيجة الكفاح الثقافي والأدبي خاض المتمرد منذ صغره، كما لا يستغرب أن يبرز الأديب وإنتاجه العلمي والثقافي في الساحات العالمية حتى وصل الأمر إلى ميادين الدراسات الأكاديمية العليا بغية نيل درجة علمية، وهو ما فعله أحد الباحثين الأردنيين في المملكة الهاشمية الأردنية، بل وصل ابداعات ديريه إلى قارة العجوز أروربا بحيث درست أحد باحثاتنا الصوماليات رسالة لها علاقة بأديبنا تحت عنوان " الغربة عند محمد علي ديرية، وانجزت الباحثة بحثها في باريس بفرنسا، وكأنّ لسان حالها يقول : " هذه بضاعتنا ردّت إلينا". ويكفيه فخراً واعتزازاً بأن جامعة كولومبيا  كتبت عن عصفورنا ديريه التي لها علاقة ثقافية معها ويقيم فيها حالياً لأسباب علمية وثقافية.
وليس من دأب أديبنا حب الظهور وجر وراء الشهرة بل انتقذ على كثير من أدباء العرب الذين يبجثون الشهرة من خلال رواية أو قصة أنتجوا بها، وقد جاء انتقاذه عبر محاضرة ألقاها حول الرواية العربية والقصة القصيرة، وأغلب الحاضرين كانوا من فئة الشباب والشابات، وقد كرر مراراً في ذلك وقال: " الشهرة لا تأتي البحث وإنما الجمهور والقراء هم الذين يوزعون، وكم من أديب لامع وروائي ساحر اختفى حتى ظهر اسمه بعد عشرات سنين".
عشقه بالحرية والأحرار:
يعشق الفتى الحرية ولا يجامل من أجلها بل ويستميت في نصرة الكلمة الحرة وإطلاق عنان الحرية، ولعل ذلك يعود إلى مشربه الصافي على يد والدته آمنة التي حرصت على أن يكون ولدها آمناً مطمئناً لا يخاف في الله لومة لائم، ولأجل ذلك اضطر الاتصال المباشر بنا عندما كان زملاءنا في مركز مقديشو للبحوث والدراسات يعبقون بالسجن بدون تقديم المحاكم والعدالة، كيف لا يفعل مثل ذلك وهو الذي يرى "بأن المثقف الحقيقي هو الذي يعشق بالحرية..وكيف لا يحرك ساكناً وهو الذي يرى بأنّ المثقف الحقيقي هو الذي يقف بجوار الضعفاء وبجوار الأقليات مع الحق دائما ".
والحقّ إنني لا أنسى كيف سهر معي في تلك الليلة – وهو في سفر متعب إلى الولايات المتحدة  - يناقشني في سبيل حصول الحرية لهؤلاء الزملاء، ولم يكن بينه وبين المعتقلين معرفة مسبقة إلا أنّ نفسه التواقه إلى الحرية لم ترض أن ترى تلك العصافير في قفص الاتهام دون أن يمثل أمام العدالة، كما أبدت شجيته ونخوته أن يرى ويقرأ بعض إخوانه يسلبون حريتهم بهذا الشكل المخيف.وكان يردد هذه الليلة " تصور يا دكتور لو كنّا في مكانهم اليوم فماذا كنا نفعل؟ .. ولم يخف دكتور مشاعره بتلك اللحظات تجاه تلك القضية لأنّه كان يرى أنّ حرية الإنسان تساوي حرية الجميع .. الجميع تحت القانون ، ومن هنا لم يخف بأنّه  مبتعض في سجن الأحرار بدون تقديمهم إلى العدالة، بل حرية التعبير حق أصيل لكل إنسان حر، والصوماليون شعب حر يكره الظلم ويأبى الضيم أينما كنّا ". وأكثر من ذلك كان يشجعني في سبيل مواصلة  الكفاح والمناصرة التي كنتُ أبدلها في سبيل حصول الإخوة  المسجونين في تلك الفترة حريتهم الكاملة ،  وكان يكتب إليّ بعض كلمات  مزعجة وهي عبارة عن مدح وإطراء يوجه إليّ كقوله: " أنت الأديب المؤرخ سيدي وأستاذي"، وأعرف أنّ ذلك من تواضعه الجم وتربيته الحسنة، كما يعرف كثير من أصدقائي وزملائي في الدرب بأنّني لا أستحق بهذه الأوصاف والألقاب الجميلة.
حبه بالمنظومة الأدبية والثقافية:
والدكتور محمد ديرية رغم أنّه ترعرع في الخبر وهي مدينة صغيرة ليس لها شهرة واسعة في العالم إلا أنّ أديبنا استطاع أن يكوّن علاقات واسعة وخاصة مع الأندية والنوادي الأدبية والثقافية الآخري ليس في وطننا العربي فقط وإنّما أكثر من بقعة في هذا العالم، ولدى كاتبنا مكانة عظيمة عند المنديات والنوادي الأدبية في وطننا العربي مثل " نُون بوسا والرصيف ومدونات الجزيرة". مما يدل على أنّ موهبته الأدبية تتوق إلى ابحارها وإبرازها إلى الجماهير العربية لتعرف هذا الأدب البريئ الممتع غير متكلف.
 وكأنّه أراد أن يحول هذه العلاقة الأدبية والثقافية إلى مكسب يعود لبلاده الصومال رغم أنّه طار على الآفاق ولكنه لم ينسى بلده الذي ينتمي إلى ترابه، و من هنا استطاع أن يعمل بمجهود كبير في نجاح ذلك، ومن مجهوداته بأنّه عمل على تأسيس صفحة " من الصومال بالعربية" والتي أنشأها بالتعاون مع الأخ محمد موسى في لندن بالمملكة المتحدة، وما زال الدكتور محمد يشرف عليها.
مساعدته للشباب بالقراءة والحث العلمي:
وكان صاحبنا وأديبنا في صغره يحب القرآءة والكتب، بل وحبب إليه الذهاب إلى المكتبات ليتعرف إلى عالم الكتب والمجلات والدوريات، وقد قرأ أغلب الروايات العالمية سواء في جنوب أمريكا والهند وشمال أمريكا وليس فقط في العالم العربي. وعندما استوى ساعده في القرآءة ومطالعة الكتب لم يتوانى أن يشجع لغيره في الطريق إلى القرآءة ومطالعة الكتب، ولمشاركة مشروع دعم القرآءة وتطويرها شارك في إحياء ذكرى اليوم العالمي للقرآءة بسايتك، وقدم خلال هذا المشروع محاضرة قيمة تحدث فيها " الرواية ... لماذا وكيف نقرأ "، وفي الوقت نفسه أنّه أحد متطوعين لأندية إقرأني والتي تشجع للناس بالقرآءة والمطالعة. وهذا التشجيع والحث على القرآءة لم تكن هينة لدى الدكتور بل ويعرف في الحقيقة ما لها من قيمة أدبية وأهمية ثقافية وعلمية بحيث يراها – أي القرآءة والمطالعة - شكل من أشكال المعرفة، كما أنّ القرآءة لدى الدكتور تأخذ مناحي مختلفة وألوان متعددة، وقال " أنّ القرآءة تتنوع بألوان مختلفة، ولا تنحصر القرآءة فقط بقرآءة الكتاب والورق، وإنما هناك أخرى مثل قرآءة الطبيعة وقرآءة وجوه الناس. ومن ناحية أخرى يرى الدكتور أن القرآءة فعل ستار ، تستر سوءة المرء ومواطن ضعفه" .
وفي سبيل التطبيق العملي لرفع شأن القرآءة يقترح الدكتور إذا اشترى أحد منا كتاباً وانهى قرآءته أن يعطي لغيره في سبيل الإعارة بدلاً من أن يظل الكتاب حبيساً على الرفوف، والهدف من ذلك يقول الدكتور "حتى لا تموت الفكرة ... الفكرة التي يحملها الكاتب والمؤلف مهما كان، ولا شك أن ذلك تشجيع من نوع آخر للقرآءة وتغذي لأفكار والأرواح".
مخالفتنا لدكتور محمد ديريه:
وفي احدى محاضراته الأدبية لاحظنا بأن الدكتور يتعصب بهوايته القصة والرواية، وهذا أمر طبيعي بأن ينحاز كل واحد منا إلى هوايته وتخصصه، غير أنّه ينتقذ على المؤرخين وإنتاجهم الثقافي بحيث يصفهم "بأنّهم – أي المؤرخون - جلف وأنهم شخصيات لا ترحم" ، ورغم اختلافتنا بما ذهب إليه حبيبنا الغالي من أن المؤرخين جلف .. وأنهم شخصيات لا ترحم ، إلا أنّ حبيبنا نَسِيَ  بأن التاريخ – كما يقال – لا ترحم ، وبالتالي ما الذنب الراوي والمؤرخ الذي روى بأمانة بتلك الأحداث ولو كانت مريرة لتعبيرها لأجل العظة والعبرة .. لا شك أنّ أديبنا فاته بأنّ المؤرخ لا يصنع الأحداث التاريخية، فإنّما الأمم والظروف التاريخية هي التي تصنع التاريخ... غير أنّي أتفهم بما يريد ... ولا أنسى سبب إلقائه بهذه الكلمات النارية تجاه المؤرخين .. لأنه أراد أن يشجع الشباب بالقرآءة .. وحتى لا يملو حثهم بقرآءة ما يستمتعون به في القرآءة كالرواية وما شابهها.. رغم أنه أنصف فيما بعد، وقال المؤرخون شخصيات تقول الحقائق تم تمضيى ، لأنه ملزم أن يقول كل شيئ بدمته والتي حضرها وما فهمه ووعاه لأنه مستأمن على ذلك ... بخلاف الروائي لأنه شخصية عاطفية تماما  ويبحث العاطفة الداخلية.
الأدب الصومالي العربي في المهجر العربي والغربي:
وديريه لم ينسى موطن أجداده في حسه وفي كتابته، بل ويرى بعض الكُتّاب العرب أنّه أثرى أدب المنفى العربي وذلك من خلال استقاء مصادر عربية ومعايير عربية في سياق صومالي يمنح من خلال ذلك الأدب العربي حدوداّ أبعد، على الرغم من أنّه أحياناً كثيرة لا يذكر مباشرة، كما فعل في قصة "لعنة الجنوب"، وصرح ديريه بأنّه حاول نسيان كل ما يعلق بأرض أجداده، ولكنه يعترف بأنّ تلك المحاولات باءت بالفشل الذريع في نهاية المطاف، بحيث لم تزل بقايا الصومال مترسبة في ذهنه، كما ذكر ذلك الكاتب راضي الشمري عند ترجتمه بعض ما كتب ديريه إلى لغات الإنجليزية والفرنسية. وقد ترجم بعض ما كتب ديريه إلى بعض لغات حية كالإنجليزية والفرنسية، بحيث يتناول قراء تلك اللغات ما توصلت معدن الدكتور وقريحته الأدبية سواء الموزون القافي أو النثر المنثور.
ونختتم الحديث عن هذا العصفور الصومالي الجميل والذي طار أكثر من مكان في هذا الكون الفسيح من خلال أدبه في الرواية والقصة والشعر حتى احترمه الناس.
ولمعرفة أكثر مما كتبنا حول الأديب محمد على ديريه ارجع إلى هذه الروابط:

محاضرة ألقاها الأديب محمد علي ديريه بعنوان: " لماذا وكيف نقرأ الروايه"

https://www.youtube.com/watch?v=RT7Glxgu9Go
مداخل لدكتور محمد ديرية حول مناقشة كتابه
حول أفكاره وشغفه الأدبي
واقرأ أيضاً:








Tuesday, 8 November 2016




أسد سرمان ووديانه مختار روبو الرحنويني
4
الحديث على جلسة الشاي 
د/ محمد حسين معلم 
الشيخ مختار بوبو
 على مائدة الشاي بدأ الحديث كحديث لسوالف الزمان، لاسيما تلك التي في بداية الأزمة الصومالية وما جرى في بيدوا في مطلع التسعينات... وتمثلتُ كلمات الأديب محمد جار الله السهلي:
تدور الأرض وتدور السوالف والسنين تدور تدور وأنا لو أعرف اللي راح ماني بعرف الباقي
كما تمثلتُ قول من قال:
خل السوالف أنا مشتاق لعيونك .. عجل وشفلك طريقه نلتقي فيها..
ولكن الزمن اختلف عما مضى وتغير ولا ذنب عليه وإنّما نحن - معشر أهل الصومال – غيّرناه وبدلناه وليس فيه عيب، كما قال الشاعر:
نعيب زماننا والعيب فينا      وما لزماننا عيبُ سوانا
ونهجو ذا الزمانَ بغير ذنبٍ      ولو نطق الزمان لنا هجانا
وليس الذنبُ يأكلُ لحم ذئبٍ   ويأكلُ بعضنا بعضاً عيانا
 كما أنّ الأرض ليست أرض السلام والوئام مثلما كانت من قبل لأنّ الناس هنا – منطقة الآبار وضواحيها - يعيشون في حالة سيئة مصحوبة بقلق عميق وخوف مستمر تجاه المستقبل، ومتواصل ظروفه على أرض الواقع مثل أي بقعة من ربوع وطننا الكبير والعزيز على كل مواطن معافى، ولكن هنا الناس أكثر خوفاً وجزعاً من غيرها، والأزمة القائمة أنهكت معنويات الشعب وبددت آمال الأمة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً. ومما يعمق الجرح ويضعف المناعة بأنّ المشكلة لها أصابع متعددة وأغراض متنوعة، هناك أيادي خارجية وداخلية، ومآرب دينية ودنيوية، وأهداف قريبة وبعيدة ذات صبغة قبلية وأخرى عميلة ومتورطة بالخيانة الوطنية على الرغم من أنها تقمصت بقمصان حماة الإسلام وحراس العقيدة، بل ويسود الموقف بالاحباط والعجز تجاه عودة هيبة الدولة وكرامة الوطن والإصلاح بين الناس...ويحزنني أن يبوح تلك الكلمات القاتمة والجمل اليائسة ولكن الحقيقة لا مناصة بإظهارها ولا مفر من ذكرها. ورغم ذلك كله هنا بعض شرائح الشباب العاطلين يحاولون قيام تسلية الحوارات الواهية والأحلام الغامضة كمناقشة المباريات الأوربية لاسيما تلك التي  أكثر زخماً وإثارةً في عالم الرياضة والتي تجرى مسابقتها الكروية في أرض المملكة المتحدة بين ليفربول ومانشستر يونايتد وغير ذلك، ومن يمر بجنب هؤلاء يفضل الجلوس والحديث معهم  والخوض فيما يخوضنه مستأنساً بصراخهم العالي وثرثرتهم العاري بدلاً من كراهية الإنسان والانحطاط الخلقي والعقدي والذي يخرج تحت عباءة التدين مرة، والوطنية والدفاع عن مجد القبيلة والتأر لها تارة أخرى، لاسيما أنّ الدهن الخالي من تشويشات المشوشين وخزعبلات الخرافيين يتوق نفسه أن تتسلى مع تلك الفتية التي أبت أن تقع في المستنقع الدموي العميق والوحل النتن بدماء الأبرياء، وأموال البؤساء، ومستقبل الأطفال الشرفاء.. غير أنّ ظروفي لم تكن  تسمح بذلك، وكنتُ مضطراً بالجلوس مع الأسود كأسد سرمان ووديانه أبو منصور مختار روبو علما أنّ قلبي لم يكن
مطمئناً  كما أنّ النفس لم تكن مستقرةً، ويزداد القلق عندما أتذكر من حيث أتيت وطني الثاني بلاد النرويج.. عندما أتذكر توصيات أولادي وأمهم وكذا وداعهم الأخير – وليس بآخر – عند محطة القطار بمدينة أسكر Asker- Norway ، عندما أتذكر توصية طبيب العائلة الخاص تجاه الأمراض المزمنة في إفريقيا وأخذ تطعيم السفر...عندما تستعيد ذاكرتي الكلمات الأخيرة لبنتي سمية وابني همام في السويد في أخذ الحيطة والحذر، والعناية الكاملة من قبل المتطرفين الإسلاميين، بالإضافة إلى أنّ الريبة والشك  كان ينتاب في داخل نفسي عما يريد أن يتحدث القائد الميداني وصاحب القوة العسكرية في قطاع كبير من العاصمة – وأعني الشيخ مختار روبو- .. بالإضافة إلى معرفتي بأن الرجل كان له أعداء كثر ليس من قبل القوات الأجنبية وأمراء الحرب فحسب، وإنّما أيضا من قبل حركته ورفقاء دربه الذين لم يستحسنوا تصرفاته الإصلاحية ومعارضته القوية على الطريق الذي رسمه قادة الحركة الجدد وسلكوا فيه، في حين كان يرى ابن روبو بأنّ طريق مشبوه ومشوب بالخطر الديني والعقدي ، على الرغم بأنّ القادة اختاروه سبيلا نحو الكفاح والنجاح، مع أنّه كان يراها في تلك الفترة المتقدم  بأنّ ذلك انحراف عن المنهج ومخالفة الاتفاق بل ردة على الأعقاب .....وما سمعتُ من كلمات مختار روبو كان مطابقاً عما كان يقول الناس عنه في بيدوا ومقديشو وأنّه يختلف جماعته بكثير، بيد أنني لم أكن أرى ذلك على أرض الواقع على الرغم من أنّ كلماته هذه مغايرة عما كمتُ أتصور من الرجل، ولو لم التق به لاعتقدتُ بأنّه يشارك الفكر والتطرف تماماً مع زملائه، وحينها كان يحق أن أتمثل:            
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه *** فكلّ قرينٍ بالمقارن مـقـتـدى 
ولكي ندخل التفاصيل الأكثر نسترجع اللقاء بيني وبين ابن عمنا، وحتى أتأكد ما توصلتُ به بدأتُ الحديث عن حركة الشباب المجاهدين في عدة نواحي ولكني كنتُ أركز على الجانب السياسي وتعامل الحركة بواقع البلاد وخاصة القطر الجنوبي والصراع السياسي بحكم أنّ الحركة – وما زالت حتى كتابة هذه السطور – تسيطر على أراضي شاسعة ولديهم كوادرهم وأتباعهم المخلصين، وبعبارة أخرى إنّ حركة الشباب من أهم صناع القرار لبلادنا بل ويعتبر بعض الغربيين بأنّهم من أهم فئة صومالية تستطيع توفير الأمن والاستقرار للصومال، وأكثر من ذلك يرى هؤلاء لو أُستُغِلّ قدرات الحركة ونظامها الأمني بطريقة ذكية لربما توصل أهل الصومال حلاً لأزمتهم التي طال عليها الأمد بعد فشل السياسة الصومالية بمختلف وجوههم الاسلامية والعلمانية، وكذا الوطنية والإقليمية، كمالم يستفد الصوماليون جميع الجهود السياسية السلمية  التي بدلها المجتمع الدولي، كما يرى بعض المراقبين لشأن الصومال السياسي بأنّ الحركة وغير من الجماعات الإسلامية الأخرى قنبلة موقوتة للبلاد، وأكثر من مرة أصبحوا حجر عثر للعملية السياسية بطريقة مباشرة وغير مباشرة، وجميعهم يتلونون على حسب هوى الأصابع التي تستقل بهم للوصول إلى مآرب ما،  وليس لديهم  حنكة سياسية وخبرة عالية تتعامل الأمور على ظروفها لاسيما الأجيندات الإقليمية والعالمية ....
والحقُ بأنني كنتُ أقصد الابتعاد والتجنب بالحديث عن الأمور الدينية والمنهجية والاشكالات العقدية والتنظيمية خوفاً من الرجل حتى لا أقع على خطر مهلك أو حرج مضحك، بحيث لم يتبين موقفه من مجريات الأمور وخاصة بأنّه ما زال الناطق الرسمي للحركة علي الرغم مما سمعتُ منه من أخبار إيجابية تبشر بخير وتدفع إلى فتح بابه والحوار المفتوح معه...
غير أن الشيخ  مختار كان متعطشاً للحديث عن الجانب الديني والمنهجي وأثره على مستقبل الحركة، فبدأ كلامه يعدد مساوي الجماعة ومخالفتها عن المنهج المتفق عليه وحفظ كرامة المسلم قبل كل شيئ ...واستمر حديثه يبدي تصرفات الحركة المشين والجنوح عن الطريق الصحيح ....فقلتُ له: من المعروف يا شيخ أنّ الاختلاف فى الرأى لا يفسد للود قضية... ودون أن انهي حديثي لم يتمالك الرجل نفسه وقال بشدة: ولكن دكتور محمد القضية تتعلق بديننا الحنيف ودماء الأبرياء، وأنت أدرى مني بتعاليم ديننا وقد درستَ في رحاب الحرمين الشريفين وجامعة أم القرى بمكة، وصدقني " لو استقبلت من أمري ما استدبرت".... وهذا الكلام كان في نهاية شهر يوليو عام 2011م.

والحديث له بقية





Wednesday, 2 November 2016

طيورنا المهاجرة ...غراً محجلين
2



الدكتور محمد علي ديرية


حبيبنا الغالي الأديب المبدع الدكتور محمد علي ديرية معجزة المنطقة الشرقية المتأخمة لبلاد النجد وضواحيها في بلاد الحرمين الشريفين بالمملكة العربية السعودية، أحد شبابنا من أهل الصومال يهوي إلى فن الأدب وخاصة فن الرواية رغم أنّه طبيب في الأبدان إلا أنّه إلى جانب مهنته الطبي كاتب له إحساس ثقافي وأدبي قريب إلى القلوب والروح. وكأنّه يقول لنا " أهتم بالتفكير والروح قبل البدن" أي متخصص بالقضايا الباطنية والهموم الفكرية. بدأت حياته العلمية بالخير والبركة وقد حفظ القرآن الكريم في الخامسة عشرة من عمره، عاش مع أهله بمدينة الخبر – التي تقع في المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية عندما انتقلت إليها أسرته مضطرة بعد نشوب الحرب الأهلية في بلاد الصومال، ثم استقرت في الخبر وكان والده يعمل هناك كسائق في مدرسة خاصة.
ودرس الفتى المرحلة الابتدائية في التعليم النظامي بمدارس المنارات الشرقيه بالخبر بالمملكة العربية السعودية التي يقيم آنذاك، وكذلك المتوسطة بمدارس تحفيظ القران الكريم بالخبر، ثم نال الثانوية العامة من مدرسة الخبر الثانوية صيف 2002م.
ولم يهدأ باله حتى التحق بالتعليم العالي واستطاع أن حاز شهادة البكالوريوس في الطب والجراحه عام 2008م من جامعة افريقيا العالمية في الخرطوم بالسودان، و فيما يبدوا فإن صاحبنا مغرم بالتعليم بل ويتطلع مواصلته في تخصصه حتى يحقق في المراتب العليا، ومن هنا وما زال يواصل رحلته العلمية ولكن في الجامعة الأردنية – عمان في تخصصه الطبي بمراحله العالي رغم مسؤولياته الكبيرة وعلاقاته الواسعة.
جوائز في بواكير حياته
موهبة صاحبنا ظهرت في العلن في وقت مبكر عندما فاق على أقرانه في مراحل تعليمه الأولى، ليس في تفوقه في الدراسة والتعليم فحسب، وإنّما حتى في المسابقات الثقافية عبر المناسبات الخاصة والعامة والتي كان ينظمها المدارس والمنتديات الثقافية في المملكة العربية السعودية، وخاصة في المنطقة الشرقية.
ولنا فخر كبير في أن نسترجع ذاكرتنا إلى بعض هذه الجوائز التي حاز بها هذا الفتى العنيد، مثل تلك التي حصل علىها بالمركز الأول في مجال القصة القصيرة بالمنطقة الشرقيه لمرتين في المرحلة المتوسطة ومرة واحدة في المرحلة الثانوية، كل ذلك لم يأت بالاعتباض وإنّما نتيجة اجتهاد الفتى الصغير واسحقاقه الثقافي والأدبي في تلك المرحلة المبكرة من عمره.  
وقد اكتسب الأديب محمد ديرية سمعة طيبة في أوساط المثقفين ولاسيما عندما برزت موهبته بشكل قوي في الساحة الأدبية بحيث استمتعوا ما تجوت قريحته الأدبية ليس في فنّ القصة التي تفوق في صغره فقط وإنّما في مجالات الأدب الأخرى سواء كان في الشعر والنظم أو في النثر والرواية بحيث كان يقرض الشعر، بالإضافة إلى ذلك كان يكتب الفتى المقالات في المجلات والجرائد العربية وأشهر هذه المجلات مجلة القافلة التابعة لشركة أرامكو السعوديه في السنوات 2008-2011م.
ديرية في عالم التأليف والابداع
وبدأ محمد علي ديرية الكتابة في سن مبكرة ، وكانت بدايته مع الكتابة الساخرة في الإذاعة المدرسية أولاً ، ومن ثم أخذ يكتب القصص والمقالات في الصحف والمجلات المحلية ، كما عمل في تغطية الأحداث الرياضية. وفي مجال كتابة القصص كان الروائي نور الدين فارح الصومالي قدوته صاحب ثلاثية " دماء في الشمس"، الذي حقق شهرة عالمية رغم أنّ الدكتور محمد يختلف عن نور الدين من حيث الرؤية الإسلامية والثقافة العربية، بل يمتاز ديرية بأن كتاباته تمتزج بين ثقافته العربية والموروث الصومالي.
لم يكتف صاحبنا في مجال الشعر والأدب الشفهي وإنما دخلت حياته في تجربة الكتابة والتأليف رغم حداثة سنه وقلة خبرته، وهذه الجرأة أهلته أن يبرز في الساحة الأدبية ليس في الجزيرة العربية، وإنّما في الأروقة الثقافية والمنتديات الأدبية في ربوع عالمنا العربي الفسيح، وقد استطاع أن يؤلف كتابه الأول وسماه " إلى كراكاس بلا عودة "، وهذا الكتاب عبارة عن رواية أدبية ممتعة وجميلة ، وقد استحسن كل من قراها من أهل الصومال وغيرهم، كما أنّ الكتاب عبارة عن قسمين سرديات وقصص قصيرة، كتاب مكتوب بأسلوب ساخر ممزوج باللامبالاة التلقائية دون تصنع أو تكلف مع عرض وقائع الحياة العادية البسيطة. وعلى العموم فإنّ كتاب كراكاس بلاعودة من إصدارات دار مدارك. 



وهناك كتاب آخر للدكتور محمد علي ديرية وهو كتابه " جوع الضفاف" وجاء علىفي نمط سابقه من الكتب الرواية، ويتحدث عن الصومال بين زمنين: زمن الطفولة (حيث الحنين وذكريات القبيلة)، وزمن الحرب الأهلية والقتل على الهوية...
ونحن على علم تام بأنّ الأديب لديه ابداعات أخرى وإن شاء الله سوف ترى هذه ا لجهود الأدبية الممتعة إلى الساحة ، وربما هذه المرة يخرج لنا أعمال ابداعية أخرى ولكن بعيدا عن موهبته، ويبلغنا بأنّ ابننا عاكفاً  حاليا على إصدار كتاب قريب إلى تخصصه بعنوان"  لغايات الإختصاص في الطب ".
حفظ الله أبناءنا المبدعين في حلهم وترحالهم.


 1 طيورنا المهاجرة …غراً محجلين

الكاتبة زهرة مرسل
د. محمد علي ديرية
               ا                                       فأرجوا من باقي نسورنا أن يخففوا عنّا العبء الكبير والثقل الثقافي عندما يهدأ بالهم وينفتح الطريق لكي يسلك أقلام باحثينا وكُتّابنا إلى مصيدة هؤلاء إلى مقالبنا البحثية المتنوعة ومآثرنا الحضارية الملونة بغية تكملة المشروع  والبحث عن تلك الجواهر الثمينة الغالية والجماجر المخفية المضيئة التي غابت عنا درحاً من الزمن في أصقاع كثيرة من هذا الكوكب الفسيح، ولكنهم أبوا إلا أن يكونوا كاللؤلؤة على جنبات ميادين هنا وهناك بابداعاتهم الباهرة في محافل ثقافية ضاربين بالألحان العذبة والأوتار المليحة هزت في أورقة متنوعة رغم الأنف، فاعتلوا على المسرح الإقليمي والعالمي رغم أنّهم ترعرعوا في بيئة غير بيئتهم الأصلية، في جزيرة العربية شرقها وغربها إلا أنّ فرساننا أصبحوا غراً محجلين يشار إليهم بالبنان بسبب جمال أدبهم وروعة نتاجهم وجباههم مزينة بالبياض الناصع كالفرس المحجلة.
فالطيور كعادتها وكما خلق الله سبحانه وتعالى تغدوا خماصاً وتروح بطاناً، مما يستوحي أنّ كل الإنسان ينبغي أن يعلق آماله  وآلامه مع الله وحده، وهو الذي يشفي المريض ويطعم الجائع الخنوت، بل كل شيئ في هذا الكون يسير على قَدَرِه وقُدرَته. ونحن لا نستغرب إذا كان بداية انطلاق طيورنا فارقة البطون وخالية الأفكار، بل لم يقطر على بالهم يوماً من الأيام سوف يعتلون قمم الجبال ويتربعون على مسرح الثقافة العربية ومعارض كتبه يجذب بسماتهم الأدبية الفريدة أنظار جماهير القُراء من عالمنا العربي هنا وهناك، ولكننا نتمنى الرجوع إلى أرض الأجداد ولو بزيارات خاطفة بعد أن كرعت بطونهم بالعلم وجمال الأدب وريحانه، يشاطرون الأفراح والأتراح لأمتهم، ويرسمون لوحة حب ووئام تعيد البسمة والبهجة لذويهم وتشفى العليل، بل لعلّ ذلك يأخذ درواً في إعادة آمال الأمة البائسة ويحقق أحلامها، كيف لا.. وشبابنا الرواد كالطيور يعشقون التحليق والارتياد إلى آفاق مختلفة.
وأكثر من مرة أوحيتُ إلى بعض الزملاء الفضلاء بأنني أحلم أن يتحقق يوماً من الأيام إرادة وطنية تحرص على تتبع أهلنا المبدعين في الآفاق المختلفة  من العالم بغية أن يستفيد الوطن من خبراتهم وتجاربهم، وخاصة إذا عرفنا بأنه لا يوجد فنّ من الفنون أو علم من العلوم إلا وقد تزاحم شبابنا ، ولعل بعض المجالات فاقوا على أقرانهم، غير أننا نعرف بأنهم برزوا  في مجالات اللغة والأدب، وفي الفنّ والرياضة، وفي عالم التأليف والإبداع الثقافي، كما أنّ هناك نخبة فرضت نفسها على ميدان الفلك والهندسة وحفر الحقول البترولية والمعدنية سواء في البحر والبر، وفي الطب بأقسامه المتعددة، وربما بعض هؤلاء مرشح للنيل بجوائز عالمية وميداليات دولية، فما أحوج الوطن الجريح أن يستفيد تلك الجهود الغالية التي لها أصل في بلاد الإبل والموز، بل وتفتخر بانتمائه وتتوق إلى نصرته والوقوف معه لاخراج محنته العصرية التي أساءت عزة أجدادنا الميامين وسمعة موروثنا الثقافي ومجد تراثنا الحضاري.
فالطيور على أشكالها تقع .. ومن البديهي أن يحتك روادنا البواسل مع الأشخاص لهم سبق في العلم والتقدم الحضاري يشارك في بوتقة التخصص أو في المهنة، ومع المؤسسات لها رونقها وسمعتها العالمية، وخوفي أن ينسى هؤلاء ذويهم إذا طال عليهم الأمد واستمر التخلف وتقهقر البلاد إلى الوراء، ومن هنا على الباحثين والمثقفين أن يبدولوا أقصى ما عندهم من الجهود في لملمة شلم هؤلاء وتتبعهم والتعرف بهم والبحث عنهم ولو بشكل انفرادي حتى نستمتع بتغريد العصافير الجميلة ..
ومن المعلوم فإنّ بعض الطيور تنتقل من بلد إلى آخر بل ومن قارة إلى أخرى – حسب المواسم  – بسبب ما تتمتع من أجنحة طويلة وعضلات قوية، وهجرة الطيور السنوية لمسافات طويلة ما يميّز عن غيرها،  وكذلك فالنسور السمر من أهل الصومال يتواجدون في كل مكان في كل لحظة وبرهة جبراً واختياراً في حركة مستمرة لا تهدأ… ولكن إذا كانت هذه الطيور تطير بجناحيها وعضلاتها فإن نسور الصومال المهاجرة تطير بنياتها الصافية وعزائما القوية رغم كل الظروف الصعبة وما يثير حولنا من خزعبلات وأكاذيب ، بل ويضرب كل مثل سئي فينا على ألسنة الأحباء والأقرباء هنا وهناك ولو اعتذروا بعد ضرب كل مثل ذنيئ فينا.
وإذا كانت لبعض الطيور منقار والريش تستخدم في نمط حياتها وطيرانها، فإن طيورنا الأحباء لهم عقول وحواس يجعل يستخدمون سمو الأخلاق والأفكار النيرة قبل ريشة أقلامهم، ومن فضل الله سبحانه وتعالى حقق بعض فرسننا المكانة المرقومة في أكثر من مكان بسبب صمودهم وإرادتهم القوية رغم كل المعوقات بغية الوصول إلى الكرامة وعزة النفس أبهرت من كان حولهم.
وحتماً يستوجب سؤال وجيه وفي محله: ” لماذا تضرب الأمثلة هنا الطيور بأنواعها؟” … لأنها – كغيرها من الحيوانات التي خلق الله – تشارك في العديد من السلوكيات الاجتماعية المختلفة التي تساعدها على الحياة الفطرية، كالحرص على الآخرين والعناية بالصغار و الضفعاء، وكذلك حماية الوطن والمسكن، والبيئة بما فيه الصيد وغيرها، فضلاً عن الطيور لها الألوان الزاهية ونبرات الأصوات الجميلة كزقزقة العصافير وتغريد البلبل وشدوه، وعندلة  العندليب.
ولأنّ الطير تعلق بها علماؤنا وأدباؤنا الأوائل كعبد الله بن المقفع بالحمامة المطوقة في  كتابه “كليل ودمنة” وأبي محمد ابن حزم الأندلسي في ” طوق الحمامة في الألفة والألاف”، إلى أن جاء فريد الدين العطار ووضع “منطق الطير” وهو عبارة عن  منظومةٌ رمزية تبلغ 4500 بيت نظمها الأديب. وقبل ذلك كله افتخر سيدنا سليمان بن داود عليهما السلام بأنّه تعلم منطق الطير قائلاً: ” … يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين …”.وفي العصور المتأخرة أصبح بعض أنواع الطيور رمزاً لبعض الدول، لأنها – أي الحمامة – اقترنت ترمز السلام والعزة والكرامة، بل ويكفينا أن نشير إلى أحد الأنواع الطيور وهو الغراب علم الإنسان ما لم يعلم وأصبح معلمه الأولى ومساعده عندما علمه كيف يواري سوأة أخيه، وكما أصبح الهدهد داعياً إلى الله سبحانه وتعالى ومتعاوناً لنبي الله سليمان في نشر التوحيد والعقيدة الصحيحة مع قوم بلقيس والتي دخلت في دين الله قائلةً: ” .. ” رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين “.