Thursday, 11 May 2023

 

إسهامات علم الصرف في الصومال بين المدرستين التقليدية والنظامية (17)

علاقة علم النحو بعلم الصرف

ليس هدفنا هنا أن نتحدث عن أقسام اللغة العربية ولهجاتها المختلفة، وإنّما نريد أن نبرز بأنّ اللغة العربية لها أقسام تحدث عنها علماء علم اللغة والمختصون فيها في مظانها، ويذكر هؤلاء بأنّ اللغة العربية تنقسم إلى عدة فنون وفروع والتي تشكل الأسس والمحاور التي تدور عليها اللغة وبالتالي تكون قِبلَة الباحثين والدارسين لها؛ كعلمى النحو، والصرف، وعلم البلاغة بأقسامها الثلاثة من المعاني والبيان والبديع، وعلم العروض والقواقي وعلم الأصوات وعلم تدريس اللغة العربية كلغة ثانية لغير الناطقين بها والتي صارت في الآونة الأخيرة فرعا مستقلا بذاته له اختصاصه ودراساته التي تُعنَى به.

وفيما يتعلق بالعلاقة بين علم الصرف وعلم النحو ، لا شك أنّ بينهما ارتباطاً جعل بعض علماء اللغة يطلقون عليهما اسماً واحداً هو " قواعد اللغة" أو ما يفضّل بعضهم  إطلاقه عليهما معا بالنحو على أساس أن النحو لا ينفصل عن الصرف والا يستغنى أحدهما عن الآخر.[1]

والمطلع على بعض البحوث والدراسات التي أنجزها الباحثون من أهل الصومال يظهر له بأنّ هذه البحوث تؤكد علاقة علم النحو بعلم الصرف من خلال ابداعتهم البحثية، ومن ذلك:

-     الأسماء العاملة عمل الفعل في اللغة العربية وطرق تدريسها لغير الناطقين بها

وهذا البحث حققه سعادة الدكتور عبد الله شيخ دون عبد[2]، وهو – أي البحث عبارة عن بحث تكميلي لنيل درجة الماجستير في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها من معهد الخرطوم الدولي للغة العربية التابع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بالخرطوم في مايو عام 1997م. وقد أشار المؤلف إلى أنّ هناك علاقة وثيقة وارتباطا قويا بين علم النحو وعلم الصرف، وأنهما جزءان لا يتجزآن، وأنّ قواعد اللغة العربية بشقيها النحو والصرفي مكملان لبعض . وتناول الباحث في الموضوع جانبين، جانبا صرفيا وجانبا نحويا، وركز على الجانب النحوي لأنه الجانب الذي يتعلق بعمل الأسماء ، وشروط عملها وما يستتبع ذلك مما له صلة بالباب.. أما الجانب الصرفي فيمر المؤلف عليه مرورا ولا يتوقف عنده كثيراً إلا ما دعت إليه ضرورة البحث العلمي. وفي القسم الأخير من الكتاب ناقش المؤلف فيه كيفية تدريس النحو وتبسيطه من غير تفريط في القدر الذي  يُفترَض أن نقدّمه  لأبنائنا الدارسين لقواعد العربية . ولكل قسم من قسمي الكتاب فصول مستقلة . والكتاب غير مطبوع ويقع في 159 صفحة.

- أطروحة علمية قدمها الأستاذ مصطفى حاج حسن حسين[3]في مرحلة الماجستير بعنوان: آراء المستشرقين في اصالة النحو العربي.

وهذه الدراسة عبارة عن دراسة أكاديمية علمية قام بها الباحث لنيل درجة الماجستير ، ورغم أنّ هذه الدراسة تحمل هذا العنوان ( أصالة النحو العربي وآراء المستشرقين) إلا أنّ الباحث تناول فيها أيضاً نشأة علم الصرف والنحو معاً مما يدل على العلاقة الوثيقة والتوأمية بين فنى الصرف والنحو معاً، وقد أبرز الباحث في هذه الدراسة الإهتمام الذي يوليه المستشرقون بالدراسات اللغوية المتعلقة بالعربية وفنونها ونشأة علم النحو والصرف وصلته بدراسة العلوم الشرعية لكونه البوابة التي يدخل منها الدارس للشريعة وعلومها كما وأشار الباحث في بعض فصول البحث أراء هؤلاء المستشرقين حول الأصل اليوناني والسرياني للنحو العربي، على ضوء المصادر اللغوية العربية في القديم والحديث.

الصرف بين اللغتين العربية والصومالية على المستوى الفصيح واللهجي

استعرض بعض الباحثين التداخل وتأثيرات اللغة العربية في اللغة الصومالية ، وبخاصة عند استعارة الصومالية من العربية بعض الألفاظ والكلمات، وما يعتري عليها من تغييرات صرفية  إثر انتقال هذه الكلمات من أصلها في اللغة المستعار منها والدرسات الأكاديمية في هذا الصدد جمَّة وكثيرة يصعب استقصاؤها واستيعابها. 

هذا، وقد قام بعض الباحثين بدراسة تقابلية بين اللغتين الصومالية والعربية، سواء على مستوى المعياري الفصيح أو على المستوى اللهجي. ومن هذه البحوث:

-     الألفاظ العربية في اللغة الصومالية: دراسة تحليلية في المبنى والمعنى

هذه الدراسة  أنجزها فضيلة الدكتور عمر أحمد وهلية، بحيث ترصد الدكتور التغييرات التي وقعت في اللغة العربية حين انتقلت إلى  اللغة الصومالية، وكذا التغييرات التي تخضع لهذه الظاهرة سواء كانت تغييرات  صوتية أو صرفية أو دلالية ، مما يعطينا تصوراً شاملاً عن قواعد صوملة الكلمة العربية، وتجيب الدراسة عن أسباب هذه الظاهرة، وما أعقبها من القواعد التي يمكن أن تحكم هذه الظاهرة. واتَّبع الباحث منهج الوصف والتحليل. والدراسة بجملتها تحتوي على مقدمة وأربعة فصول وخاتمة وملحقين. ففي الفصل الأول تناول ظاهرة انتشار العربية في الصومال، حيث تحدث عن الهجرات العربية إلى الصومال وكيف ساهمت هذه الهجرات في انتشار العربية في الصومال عبر التاريخ، وكذا عن العربية والإسلام في الصومال، وعن اللغة الصومالية من حيث الأصوات وبنية الكلمة وبناء الجملة وتأثير العربية في الصومالية. أما الفصل الثاني فتناول فيه أشكال التغيير الصوتي الذي تعرضت له الألفاظ العربية المقترضة في الصومالية من حيث التغيير بالابدال والتغيير بالقلب المكاني والتغيير بالحذف. وفي الفصل الثالث تحدث فيه المؤلف عن أشكال التغيير الصرفي، حيث تناول أكثر الصيغ الصرفية، والزيادات أو اللواحق الصومالية التي تلحق الكلمة العربية المقترضة في الصومالية، كما تناول استخدام الصومالية لأساليب الجمع العربية والتبادل بين المفرد والجمع. والفصل الرابع فقد تناول فيه الباحث أشكال التغيير الدلالي الذي لحق بالكلمات العربية المقترضة في الصومالية ، ومن حيث نقل المعنى وتوسيعه وتصنيفه. واختتم بحثه بالنتائج التي توصل إليها من خلال بحثه وبعض التوصيات. وفي النهاية أثبت ملحقين تحدث في أولاهما عن تعليم العربية في الصومال والمشكلات التي تقابلها، وفي ثانيهما ذكر قائمة من الألفاظ العربية المقترضة في الصومالية، والكتاب يقع في 186 صفحة، ونال المؤلف هذه الدراسة درجة الماجستير  اللغة العربية من معهد البحوث والدراسات العربية في القاهرة ، قسم البحوث والدراسات الأدبية واللغوية في عام 1993م.

-     دراسة تقابلية بين اللغة العربية والصومالية على مستوى الصرف

وهذ البحث الأكاديمية أنجزه الأستاذ علي موجي أحمد ،  وهو عبارة عن دراسة تكميلية أعدّها الباحث لنيل درجة الماجستير في اللغة العربية من معهد الخرطوم الدولي للغة العربية بالخرطوم – السودان، عام 1979م.

-      دراسة تقابلية بين اللغة العربية واللغة الصومالية الماي على المستوى الصرفي

وهذا البحث جاء نتيجة الجهد العلمي الذي بذله الأستاذ عبد الله محمد خيري[4] للحصول على  درجة الماجستير في اللغة العربية، من معهد الخرطوم الدولي في السودان.

وقد هدفت هذه الدراسة إلى إجراء دراسة تقابلية بين اللغة العربية واللغة الصومالية الماي على المستوى الصرفي؛ لمعرفة أوجه التشابه والاختلاف بين اللغتين من الناحية الصرفية، ومن ثم تحديد أماكن الصعوبة والسهولة في تعليم اللغة العربية للناطقين باللغة الماي، واقتراح الحلول المناسبة للمشكلات المتوقعة، وقد اتبع الباحث في هذه الدراسة المنهجين الوصفي والاستقراء المقارن.  وتوصل الباحث إلى النتائج التالية:-

أثَّرت اللغة العربية على اللغة الصومالية الماي تأثيرا شاملا لكل المستويات اللغوية الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية. ونتيجة للتأثير المذكور تتفق اللغتان في قواعد أساسية. هذا وقد أوصى الباحث بالآتي: إجراء دراسة تقابلية بين اللغة العربية الفصحى واللغة الصومالية الماي على المستويات التي لم تتطرق إليها الدراسة بعد. كما أوصى الباحث أيضا الجهات المسئولة عن التعليم في الصومال، سواء أكانت جهات حكومية، أم أهلية تشجيع مثل هذه البحوث ونشرها لتعم الفائدة.

الجدير بالذكر أنّ الباحث ركز في الفصل الثالث النظام الصرفي للغتين العربية والصومالية، كما استعرض في الفصل الرابع إجراء مقابلة بين اللغتين فيما يتعلق بالأسماء والأفعال.

ونلفت الانتباه إلى أنّ دراسة الأستاذ عبد الله محمد خيري ليست وحيدة من نوعها التي تقارن بين اللغة العربية والصومالية في مستوى اللهجي لاسيما لهجة " الماي" الصومالية، بل إن هناك أيضاً دراسات قام بها أهل الصومال على نحو ذلك مثل الدراسة الأكاديمية التي قدمها سعادة الدكتور فوزي محمد بارو [5] بحيث قام بدراسة تقابلية بين اللغة العربية ولغة ( لهجة) ماي الصومالية ، ولكن على المستوى الصوتي، قد سماه بحثه:

_ دراسة تقابلية بين اللغة العربية ولغة ماي الصومالية على المستوى الصوتي

والباحث هنا قام بدراسة تقابلية بين اللغة العربية ولغة ماي الصومالية على المستوى الصوتي. وقدم الدكتور هذه الدراسة لينال درجة الماجستير في اللغة العربية من معهد الخرطوم الدولي بالسودان عام 2004م.

الجدير بالذكر أنّ علم الصرف يهتم بتغيير الكلمة معنى طارئ عليها، وينحصر في الزيادة، والحذف والإبدال والقلب والنقل والإدغام، وفي هذا الإطار نستيطع القول بأنّ علم الأصوات له علاقة مباشرة بعلم الصرف، لأنّ الأخير يعتمد في مسائله وقضاياه على نتائج البحث الصوتي، بينما علم الأصوات يعدّ مقدمة للصرف لدراسته تراكيب الكلمات.



[1] - الدكتورة شيخه عيسى غانم العري: القواعد النحوية والصرفية، في مدارس التعليم العام بدولة الإمارات العربية المتحدة ، بين النظرية والتطبيق، مركز حمد بن محمد لإحياء التراث، ط/1، 2015م، الإمارات، الصف التاسع أنموذجاً، مركز حمد بن محم ص 16

[2] - أحد الباحثين من أهل الصومال الذين نشأؤا على الثقافة العربية في مراحل حياتهم العلمية الأولى، ولما أنهى تلك المراحل رحل إلى السودان واستأنف المراحل التعليم العليا، ونال درجتي الماجسيتير والدكتواره من السودان، وخاصة معهد الخرطوم الدولي ، ثم جامعة النيلين بالخرطوم. ولما عاد إلى الصومال انضم إلى هيئة التدريس في بعض الجامعات في مقديشو مثل الجامعة الإسلامة في الصومال، والدكتور عبد الله من المتواضعين الذين لا يحبون الظهور رغم قدرتهم العلمية والثقافية، وأكنّ له ولأمثاله كل التقدير والاحترام، حفظ الله الدكتور في حله وترحاله.

[3] - الشيخ الأستاذ مصطفى حاج حسن حسين هلولي، ينحدر من أسرة دينية محافظة وكان أبوه من رواد الطريقة الصالحية، ولما أنهى دراسته الأولى في الصومال رحل مصطفى إلى المملكة العربية السعودية والتحق بجامعة الإمام محمد بن سعود ، ثم الدراسات العليا ،فرع الجامعة بالمدينة المنورة. وبعد تخرجه في الجامعة أصبح مشغولا بمجال التعليم والدعوة والتربية.

[4] - أحد الباحثين المثقفين المتحمسين في الثقافية الصومالية وعلاقاتها بالثقافة العربية، وينحدر من منطقة بكول وخاصة من قبيلة هدمي، ويهتم الأستاذ عبد الله بقضايا الوطن وفي مجالات تعدد الثقافات واللغات واللهجات. واشتغل في المجال الإجتماعي حيث يعد من المؤسسين بعض المدراس والمراكز ذات طابع عربي إسلامي في منطقة باي وبكول، وهو الآن من الدبلماسين الصوماليين في سفارة الصومال في دوجة بدولة قطر الشقيقة.  

[5] - الدكتور فوزي محمد بارو شيخ مومن عمر شريف الملقب ب (فوزان) أغلب دراسته النظامية كانت في السودان من الثانوية حتى الدكتوراه، وله عدد البحوث أغلبها في اللغة العربية وفنونها المختلفة بين مطبوع ومخطوط، وهو رئيس جامعة فتح الرحمن، حفظه الله وانظر ترجمته الوافية في كتاب معجم المؤلفين الصوماليين في العربية.


Thursday, 4 May 2023

إسهامات علم الصرف في الصومال بين المدرستين التقليدية والنظامية (16)

دراسات أكاديمية في علم الصرف 

فقد عرضنا جهود العلماء على مستوى الصومال الكبير قديما وحديثا في علم الصرف وتبين لنا من خلال استعراضنا لها بنظرة منصفة أن الجودة العلمية وطريقة تدريس فنون اللغة العربية بصفة عامة لا تقل شأنا -إن لم تكن أفضل - من الدراسات ألأكاديمية في المراحل الجامعية العالية.  ولئن كانت تلك الجهود عامة في كافة الأقاليم الصومالية بحيث  لم تخل  منطقة من حلقة علمية تعنى بدراسة اللغة العربية, فإن بعض المناطق كانت تفوق على غيرها من المناطق، بل ونجد أن بعض المناطق كانت تشتهر بدراسة علم الصرف لشدة عناية علمائها وطلابها بهذا العلم أكثر من غيرهم من العلماء في أرجاء أراضي الصومال المعمورة.

وكان للمدارس التقليدية في علم الصرف - على مستوى منطقة ساحل الشرق الإفريقي- التي سبق أن أشرنا إليها الفضل حيث مهّدت الطريق للباحثين الأكاديميين الصوماليين الذين بزّوا في ميدان البحث العلمي في هذا العلم الذي نحن بصدد الحديث عنه. ونزعم بأن الإنجاز العلمي الأكاديمي في هذا الميدان الذي تحقق على يد الباحثين الصومايين كان امتدادا لتلك المدارس التقليدية التي أغدقت بعلومها على روّاردها.

لقد أصبح علم الصرف الذي يدرس الكلمة وما يحدث لها من تغييرات جذرية عدة - سواء كان ذلك حذفا أم زيادة أم تغييرا في الشكل، أو غير ذلك  - يمثل جانباً مهماً في حقل الدراسات اللغوية، لذلك فلا يستغرب ان يهرع الطلبة الصوماليون الباحثون وقت اختيار البحوث الأكاديمية والأطروحات العلمية  - في مراحل الدبلوم والماجستير والدكتوراه –  إلى المواضيع والعناوين ذات الصلة الوثيقة بعلمي النحو والصرف. وهذا الاهتمام لم يأت عن فراغ  لأن دراسة علوم اللغة العربية بفنونها بصفة عامة ودراسة علم الصرف بصفة خاصة من أولوياتهم ومن أساس العلوم التي رضّعوا ألبانها ولأن كل إناء بما فيه ينضح.

ورغم غزارة الدراسات والمؤلفات التي [1] أشبعت بحثا في علم الصرف  إلا أنّ الباحثين ما فتئوا عاكفين – بكل نهم -  على دراسته بغية تحقيق إنجاز أكثر وإبداع إضافة نوعية تساهم بالشئ الكثير في رصيد علم الصرف لأهميته بحيث يشكل  إلى جانب العلوم اللغوية الأخرى - الأساس لفهم مفردات اللغة ومعانيها التي يؤدي إلى فهم النصوص المقدسة من القرأن الكريم وتعليمها وشرحها، وكذا فهم السنة النبوية الشريفة وتعليمها وشرحها  لهذا يصعب إهمال هذا العلم  أو الاستغناء عنه، لأنّه يحافظ على سلامة التراكيب الصحيحة، وهو صمامها الأمان الذي يحميها كتابةً وتحدثاً ويعين كذلك في صياغة جملها ومفرداتها ونطقها.

والبحوث التي نستعرض هنا ليست بالضرورة بأن تحمل مباشرة العناوين الصرفية المعروفة عند أهل الفن ، والتي تعالج الأبواب المتعلقة  ببناء الكلمة وأحوال هذه الأبنية التي لا تخصَ الإعراب ولا البناء ، ذلك لأن الصرف يبحث التغيير الذي يظهر على صيغة الكلمة وبنيتها؛ الصحيح  الذي خلا من أحرف العلة بأقسامه الثلاثة: السالم والمهموز والضعيف  والمعتل باقسامه الأربعة: كفعل معتل مثال، وفعل معتل أجوف، وفعل معتل ناقص، وفعل معتل لفيف. وليس هدفنا هنا حصر كل البحوث والدراسات المتعلقة بعلم الصرف، لأنّه أمر في الحقيقة يصعب تحقيقه وتنفيذه، ولكننا نحاول بقدر الإمكان ضرب بعض النماذج من خلال عرضنا لبعض الدراسات والبحوث الأكاديمية التي قام بها الباحثون من أهل الصومال، لنولي  بعض الأهية بحيثيات الدراسة من حيث هي ومداراتها، ومناقشة الفكر الرئيسي للبحث.

الرحلة العلمية إلى خارج المنطقة

ولكي يتمكن الباحثون الصوماليون من  الحصول على العلم والمعرفة في مجال اللغة العربية شرعوا في الرحلة العلمية إلى مراكز العلم في اليمن والحجاز والشام ومصر وغيرها والتي كانت تشكل منذ القرون الوسطى أوكارا للعلوم الشرعية والعربية تستقطب طلبة العلم من الداخل ومن الخارج.

هذا، ونستطيع القول بأنّه لم تتوقف الرحلات العلمية لطلبة العلم والباحثين من أهل الصومال حيث كانوا ضمن  الروّاد الذين نهلوا  من تلك المنابع العلمية منذ ذلك الوقت حتى يومنا، وفرضوا أنفسهم على كل ميدان من الميادين العلم والمعرفة حتى أثبتوا جدارتهم  وصار لهم وجود ذو طابع ملموس. وكانت هذه الرحلات العلمية التي تتابعت على قدم وساق نابعة عن قناعة وإدراك لدى طلبة العلم في بلاد الصومال، لأهمية دراسة اللغة العربية في موطنها الأصلي سواء كان ذلك في المراكز أو الجامعات والمعاهد المتخصصة في ذلك أو غيرها، الأمر الذي استهواهم وحفّزهم  لأن  يشدّوا الرحالة إلى الديار العربية بهدف نيل العلوم الإسلامية والتفقه في الدين. وحيث إنهم اصطحبوا معهم خلفية لغوية رصينة ومتينة في علمي النحو والصرف، فإنهم لم يواجهوا أية صعوبة في في الاستمرار في الازدياد  من المعرفة والتعمق في العلم.

وقد شرع بعض الباحثين في  اختيار بحوثهم وأطروحاتهم اللعلمية حول علم  الصرف ومجالاته  مع الإدراك والمعرفة مسبقاً بأنّ الخوض في مسائل علم الصرف ليس أمراً يسيراً، الّا في حالة إذا حالف الإنسان توفيق الله ثم تحلى بالصبر وتجشم المعاناة لنيل المأرب ولتحقيق الهدف. ومن هنا تجاسر الباحثون الصوماليون – كغيرهم – مخاطر الخوض في علم لم ينل ما ناله غيره العلوم من حيث الدراسة والبحث العلمي الذي يخدمه ويعبّد للناس طريق الوصول إليه. ولاشك  في أن عودة هذه الرحلات العلمية الوطنية وغيرها إلى البلاد باتت فيما بعد من العوامل التي طورت الحياة الثقافية في الصومال وبخاصة اللغة العربية، رغم ما حدث من الأنهيار والدمار للبلاد

الباحثون امتداد من المدارس التقليدية

القرآن الكريم هو أول ما كان يبدأ  به طالب العلم في الصومال في طفولته، وبعد إتمامه من هذه المرحلة كان يشرع في إكمال رحلته العلمية الطويلة، كدراسة علوم اللغة العربية ، لا سيما وأن علم النحو والصرف من أوائل ما كان يهتمّ به طالب العلم المبتدئ. ومن هنا لم يكن من الغرابة بمكان من أن يضطر أهل العلم في الصومال وأساتذة الحلقات العلمية في المساجد والزوايا لتأليف ووضع كتب مفيدة ، ورسائل نفيسة في علمي الصرف والنحو، لأنّهم -كما ذكرنا سابقاً-كانوا يرون أنّ تعلم النحو والصرف وسيلة لفهم الشريعة والدين وليس غاية بذاته. وأنّ فهم الشريعة والتفقه في الدين من أوجب الواجبات من وجهة نظرهم لذا ، فقد التمس كثير من طلاب العلم الاستمرار والمحاولة على المزيد في المعرفة والتعمق في العلم من خلال الحلقات العلمية المنتشرة في ربوع بلاد الصومال والتي كان يعقدها العلماء والفقهاء.

والمتتبع بآثار  لآثار الباحثين وتراجمهم[2] يظهر له بأنّ غالبتهم تخرجوا في الحلقات العلمية التي كان يسوسها العلماء العارفون ،  كل في تخصصه، بما في ذلك متخصصوا علمي  النحو والصرف. وقد تحدثنا  عن نوعية العلوم التي كانت تدرس في الحلقات العلمية بالصومال ، وخاصة الدروس والمواد التي تتعلق باللغة العربية وآدابها ، ورأينا أن هذه الحلقات والزوايا  كانت تدرس أغلب العلوم العربيه من نحو وصرف وبلاعة وعروض  ومنطق وغير ذلك، من فنون  اللغه العربيه. أما فنّ الصرف فأشهر كتبه في الحلقات الصومالية لامية الأفعال لابن مالك الأندلسي، وشرح نجله بدر الدين عليه، ونظم حديقة التصريف للعلامة الصومالي  الشيخ عبد الرحمن الزيلعي ت(1880)، وشرحه  للمؤلف نفسه( فتح اللطيف في شرح حديقة التصريف)، وكتاب( نثر الجواهر في قاعدة الصرف الفاخر للشيح عبد الرحمن بن الشيخ عمر الأبغالي الصومالي، ثم الشافية في علم التصريف لابن الحاجب (ت646هـ)، وكتاب الترصيف في علم التصريف للشيخ عبد الرحمن بن عيسى العمري.[3]



[1] - انظر على سبيل المثال ممن كتب في مجال دراسات في علم الصرف كنموذج:

-       د. عبد الله درويش: دراسات في علم الصرف، ط/2، مكتبة الطالب الجامعي، مكة المكرمة، 1408هـ/1987م.

-       أ.د. السيد أحمد علي محمد: دراسات في علم الصرف، دار الجوهرة، القاهرة - مصر، 2014م.

-       ا.د. مجيد خير الله الزاملي: دراسات في علم الصرف، دار الكتب العلمية، بيروت.

-       د. أمين علي السيد: دراسات في  لصرف، مكتبة الزهراء، القاهرة، 1989م.

[2] - ويظهر جليا في ذلك الامر خلال قرآءة معجم المؤلفين الصوماليين في العربية، لدكتور محمد حسين معلم علي.

[3] - عمر محمد ورسمه: تجربتـان في تعليم اللغة العربية في الصومـال ، ورقة بحث إلى المؤتمر الدولي الثالث للغة العربية بدبي 17 – 10 مايو 2014م.


Tuesday, 25 April 2023


إسهامات علم الصرف في الصومال بين المدرستين التقليدية والنظامية (15)

المنطقة الشرقية:

وفي منطقة الشمال الشرقي لم تقل نشاطاً وحيويةً من المناطق الأخرى في الأراضي الصومالية، والمتتبع للحياة العلمية يلاحظ أنّ المنطقة اشتهرت بكوكبة من العلماء والفقهاء الذين ظهروا في ساحات العلم والمعرفة في القرنين الماضيين، وبالذات في المدن الساحلية كحافون وأيل وقندله وغيرها، ومن هؤلاء الأعلام:

الشيخ محمد يوسف

القاضي الشيخ على محمود آدم

القاضي شريف محمد علي

الشيخ صالح حلديد السواخروني

الشيخ علي عبد الرحمن فقه المشهور ( الشيخ علي المجيرتين)

الشيخ نور الدين بن أحمد علو ( رائد المدرسة السلفية في عهده)

ورغم ما مرت به المنطقة من حالات صعبة غير مستقرة  في هذه الفترة إلا أنّه مع هذه الظروف القاسية استمرت الأمة في مواصلة نشر العلم وعقد حلقات متنوعة تحت رعاية العلماء ومجالسهم العلمية في المدن والقرى والأرياف، الأمر الذي أدى فيما بعد الى ازدهار العلم. وسوف نضرب بعض النماذج من هذه المجالس والحلقات التي لها علاقة بفن الصرف علي سبيل المثال لا الحصر، مثل:

- حلقة القاضي شريف محمد علي في حافون،  ولم تكن هذه الحلقة تخصص لتدريس فن الصرف فحسب ، وإنّما كانت – إلى جانب ذلك – تُعنى بفنون علوم اللغة العربية ككل كالنحو وغيره. وقد استفاد من هذه الحلقة بعض طلبة العلم في المنطقة، ومن هؤلاء فضيلة الشيخ أبو محمد نور الدين علي بن أحمد  المجيرتيني ( فرع علي سليمان) رحمه الله.[1]

هذا، الجدير بالذكر أنّ الشيخ نور الدين علي بن أحمد أعطى جلّ همّه تحصيل العلم وتعليمه حتى شدّ رحاله إلى أماكن مختلفة من داخل البلاد وخارجها، وبدايات رحلاته العلمية الداخلية كانت في مدينة حافون حيث سافر إليها عام 1343ه، وانضم إلى مدرسة تحفيظ القرآن الكريم على يد معلم عمر محمد،  وفي الوقت نفسه بدأ دراسة كتاب " سفينة الصلاة" وكتاب " أبو شجاع" على يد الشيخ محمد علي حريد الحافوني الذي أعطاه الله عمراً طويلاً، كما درس كتاب " المنهاج القويم " على يد الشيخ محمد يوسف ، وكان يحضر دروس القاضي الشيخ علي محمود آدم الذي كان يدرِّس كتاب المنهاج أيضاً، وحضر كذلك دروس القاضي شريف محمد علي في التفسير والعلوم العربية - كما أشرنا آنفاً - ودروس الشيخ محمد محمود شرماكي في النصف الأخير من التفسير، وسمع من الشيخ محمد علي محمد الربع الثالث من منهاج الطالين، وأخذ من القاضي الشيخ إبراهيم عمر بكتاب " فتح المعين" وكتاب " متن الأجرومية " كل ذلك يدل على ثراء منطقة شمال الشرقي للبلاد ونشاطها العلمي وكثرة علمائها في مختلف العلوم والمعرفة في تلك الفترة وبخاصة مدينة حافون التي ذكرها المسعودي في كتابه مروج الذهب ومعادن الجوهر في وقت مبكر.

ولم يتوقف نشاط الشيخ في طلب العلم على هذا الحد وإنّما أيضاً لازم دروس الشيخ آدم أحمد موسى في التفسير من كتاب " الجلالين" بحاشية الصاوي  وحاشية الجمل، كما استفاد من حلقة الشيخ آدم أحمد موسى المذكور في مجال الفقه بحيث أخذ منه سماعا " ابن القاسم علي الباجوري" وكتاب " الزبد" وكذا كتاب " منهاج الطالبين مع شروحه، إضافة إلى العلوم العربية ، أما كتب الحديث فسمع منه كتاب " الأربعين النووية" وكتاب " أبو جمرة" ، واستفاد من شيخه أيضاً ما يتعلق بالتصوف مثل كتاب " تنبيه الغافلين" وكتاب " تنوير القلوب "  وكتاب " طهارة القلوب"  وكتاب " درة الناصحين" وكتاب " دقائق الأخبار" وكتاب " كفاية الأتقياء. وفي علم العقيدة فقد تلقى فضيلة الشيخ نور الدين بعض كتب العقيدة التي كانت منتشرة في القطر الصومالي في تلك الفترة مثل كتب عقيدة العوام، والسنوسية، وجوهرة التوحيد، وبدء الآمالي، والدريرية، والشيبانية ، والنسفية، والباجورية ، وكفاية العوام ، وحياة الإسلام، وكلهم من علم الكلام ومن العقيدة الأشعرية التي كانت منتشرة في البلاد.

لقد مكث فضيلة الشيخ نور الدين في مدينة حافون مدة غير قصيرة طالباً للعلم وملازماً لحلقاتها رغم بُعدها من مسقط رأسه وموطن أسرته، لكثرة علمائها ونشاط حركتها العلمية، ثمّ بعد ذلك سافر إلى مدينة أيل الساحلية أيضاً وهناك واصل طلبه للعلم بحيث ألزم نفسه بالحلقات العلمية التي كانت تجري في المدينة

- أما مدينة أيل الساحلية فكانت أيضاً نشطة وعامرة حتى اتجه إليها مجموعة من الطلبة الذين أتوا من مناطق نائية لطلب العلم، بحيث كانت حركة السفن نشطة، والعلاقة بين سواحل الصومال واليمن وعمان لم تتوقف حتى عند ما سيطر الاستعمار الأروبي على عمان واليمن والصومال، على الرغم من مراقبة الاستعمار على هذا النشاط التجاري.

فثملاً وفي فترة الحكم الإيطالي الاستعماري على الصومال كانت الباخرة الإيطالية المسمى " الأتريا " تأتي في كل شهر مرة واحدة من فصلَى الشتاء والصيف فقط.

وفي الساحل الشرقي الصومالي قرية كان يسمى ملاحون العرب باسم " وريقة السماء " وهي تقع شمال رأس عصير، ويقطنها قبيلة سواخرون (صواخ رون) المجيرتينية، وكانت هذه القرية الساحلية مكان استراحة السفن التي تتجه إلى اليمن ، وكذا من اليمن إلى سواحل الصومال والشرق الإفريقية.[2]

ومهما كان الأمر فإن مرسى أيل كانت نشطة ولم تتوقف رغم الظروف الاستعمارية، بل كان أهل الصومال يستوردون بضائعهم في هذا المرسى المتواضع الطبيعي، وكان لهم علاقة تجارية مع  بعض الموائي اليمنية وعلى رأسهم عدن ، كما كانت تجارتهم تصل إلى ساحل الأفريقي الشرقي مثل زنجبار، ويصدرون منها وإليها ما هو لديهم من بضائع، مثل جلود والحيوانات بأنواعها، والأسماء المجففة المعروفة في المناطق الشرقية.

ومن المعلوم أنّ أيل تقع على الساحل الشرقي بالقرب من الجبل الممتد في البحر، ذلك الجبل المعروف باسم ( رأس الخيل)، أو ( رأس الخير) كما يسميه أرباب السفن، وكما هو معروف في المجاري البحرية بهذا الاسم، وحينذاك كانت المنطقة تحت حكم الاستعمار الإيطالي، وتسمى بالصومال الإيطالي، علماً أنّ أيل كانت قرية صغيرة، ولها ميناء صغير لا تدخلها السفن الشراعية في الفترة الاستعمار الأوربي لعدم توفر الحركة التجارية فيها، ما عدا الباخرات الكبيرة التي يمتلكها الإووبيون، كما أشرنا من قبل.[3]

ومما يدل على شهرة النشاط العلمي في مدينة أيل، أنه اتجه إليها بعض أهل العلم وطلبتهم، ويكفي أن نشير إلى رحلة الشيخ نور الدين بن علي إليها بعد عودته من منطقة حافون التي سبق أن أشرنا إلى بعض أنشطتها العلمية ، ولكن أصر الشيخ نور الدين السفر إليها – أي أيل - ، وهناك واصل طلبه للعلم بحيث ألزم نفسه بالحلقات العلمية التي كانت تجري في المدينة مثل حلقة الشيخ محمد فارح قاري التفسير، وحلقة الشيخ يوسف حسن في اللغة العربية، وكذا حلقة الشيخ علم عبد الله في اللغة العربية أيضاً، أما فيما يتعلق بعلم الفقه والأحكام فكانت حاضرة في مدينة أيل بحيث كان الشيخ القاضي حزر محمد له حلقة خاصة بالفقه الشافعي، وكان يقرأ في حلقته كتاب " الإرشاد لابن القرئ ".

ومن هنا، فليس من المستغرب إذن، سيادة ظاهرة هذا النشاط العلمي الذي كانت المنطقة تتمتع به ، ومن تلك الأنشطة بعض حلقات علمية لها علاقة بعلم الصرف، والتي منها:

- حلقة الشيخ علم عبد الله في مدينة أيل الساحلية، بحيث كان الشيخ يدرس علم الصرف واستفاد منه جمع من رواد العلم ، ومن بين هؤلاء فضيلة الشيخ نور الدين علي بن أحمد.

- حلقة الشيخ يوسف حسن في مدينة أيل في فن الصرف ، وكانت لهذه الحلقة خصوصية خاصة ، بحيث كان الشيخ يتناول حلقته دراسة اللغة العربية بفنونها المختلفة ، بما فيها علم الصرف، لأنّ الشيخ يوسف حسن كان لغوياً ماهراً ، ومن هنا ركزت حلقته على دروس اللغة العربية ، بحيث كان يدرّس بعض كتب اللغة العربية في النحو والصرف، لذلك اتجه إلى حلقة الشيخ طلبة العلم الراغبين في رفع مستواهم اللغوي. ومن هؤلاء الذين حرصوا على هذه الحلقة الشيخ نور الدين بن علي، بحيث كان ممن يواظب على الحلقة المذكورة عند ما بلغه أمرها، وقد أخذ منه كتاب ألفية ابن مالك.

- ومدينة قرطو من المدن الداخلية في المنطقة الشرقية بالصومال، وتقع في منتصف الطريق الطويل بين مدن بوساسو وغروبي، وكانت – أي قرطو - قبل قدوم الاستعمار الأروبي على البلاد جزءًا من السلطنة المحلية المسمى بسلطنة المجيرتين التي كانت تتمركز في علولة، ومن الناحية العلمية لم تكن مدينة قرطو أقل شأناً من المدن والقرى في المنطقة، وأهلها كانوا -  وما زالوا – يحبون العلم وأهله، بحيث كانوا يقدرون العلماء، بل ويبذلون لهم  بالنّفس والنّفيس لمجاورتهم والاستفادة من علومهم، فهذا أحد الأعلام الصومالية وهو الشيخ نور الدين علي  أحمد ذهب إلى مدينة قرطو تلبية لرغبة أهلها من أهل الحل والعقد في علمه، عند ما طلبوا منه الانتقال إلى قرطو وعقد الدروس الدينية ، فاستجاب لدعوتهم ودرس لهم تفسير القرآن الكريم ، ولكن بعد مدة تحول الشيخ نور الدين إلى قرية تليح عقب طلب من علماء قبيلة طلبهنتي وبخاصة عشيرة نور أحمد ، ومن هؤلاء العلماء والوجهاء الشيخ عبد الله علم شردون، والشيخ حرز نور، والشيخ آدم علي متان، والشيخ محمد آدم، والشيخ أبين كورة، ومن هنا لم يكن للشيخ نور الدين إلا أن لبّى دعوتهم ، وقام بتدريس التفسير وبعض كتب الفقه ككتاب " منهاج الطالبين للإمام النووي، ولما أتمّ لهم المشروع أعطوه إكرامية عبارة عن عشرة من الإبل ومائتين من العنم ، وتزوج منهم وصاهرهم.

ومن الأنشطة والحلقات العلمية لا سيما فيما يتعلق بعلم الصرف:

- حلقة الشيخ شريف الطويل التي كان يدرس  فيها علم الصرف في مدينة قرطوا وبخاصة في مسجد عمر بن الخطاب، علماً أن حلقة شريف الطويل لم تقتصر على فن الصرف فحسب، وإنّما كانت في مختلف العلوم اللغة العربية من النحو والصرف،  وبعض كتب الأدب العربي، كشرح المعلقات، وممن استفاد من هذه الحلقة القاضي الشيخ محمد عمر أحمد أحد القضاة بالحكمة العليا في الصومال.

قبل ختام عن إسهامات المدرسة التقليدية في علم الصرف

وقبل أن ننتهي الحديث عن المدرسة التقليدية والتي أسلفنا الحديث عنها خلال الصفحات السابقة ، بجدر بنا البوح بأنّ علماءنا اهتموا بعلم الصرف منذ زمن سحيق، حيث أسهموا إسهامات عظيمة لا يستهان بها، بل وكرسوا جل أوقاتهم لذلك، ليس من حيث التأليف والابداع فحسب، ولكن من خلال نشاطهم الدؤوب المستمر في عقد الحلقات العلمية المختصة بفن الصرف، ونحن عندما عرضنا جهودهم وإسهاماتهم لا يعني أننا قد استوفينا جميع جهودهم، وإنّما كان الهدف من ذلك ضرب بعض نماذج بسيطة للدلالة على اهتمام أهل الصومال بهذا الفن المرتبط بفهم اللغة العربية – مثل علم النحو – بالإضافة إلى أن نذكر بعض هذه النماذج من إسهامات العلماء الصومال الأوائل لتكون دليلاً وبرهاناً واضحاً يؤكد أنّ النشاط العلمي والثقافي التي تعيش اليوم بلاد الصومال كان له جذور عميقة ، وأنّ الحركة العلمية اليوم ترعرت في بيئة علمية هادئة، والتي مهدت الطريق لمن يأتي فيما بعد من الباحثين والمهتمين بهذا العلم.

إذاً.. جهود علماء الصومال في مجال اللغة العربية لا يخفى على أحد، بحيث أنّ إسهاماتهم في النحو والصرف فلا يخفى علي كل باحث مطلع بصير منصف، وكل من جاء بعدهم من الباحثين تتلمذ على كتبهم سواء أظهر ذلك أم أخفاه.

وقبل أن نختتم حديثنا عن المدارس العلمية التقليدية المختصة بعلم الصرف في بلاد الصومال الكبير ينبغي أنّ نشير إلى أنّه لم يكن هذفنا عرض كل الحلقات العلمية المتعلقة بفنّ الصرف التي كان يقوم بها علماؤناء، وهو أمر مستحيل وغير ممكن، حتى وإن تظافرت الجهود، ورفعت القيود، وعُبرت الحدود، ولكن كان قصدنا أن نضرب بعض أمثلة للمجالس العلمية التي كانت تجرى على جنبات بلاد الصومال الكبير ، وخاصة فيما يتعلق بعلم الصرف وقواعده، لتكون نموذجاً حياً لمستوى الحركة العلمية في البلاد في القرن الماضين، ودور العلماء في ازدهار الحلقات التي كانت تدرس باللغة العربية. ونرى أنّه ينبغي على العلماء والباحثين، وكذا على القائمين على المراكز العلمية قيام دراسات وبحوث عميقة تتعلق بمجالات اللغة العربية ودروبها المختلفة ، ولا شك أنّ هذا الأمر سوف يبرز المستوى العلمي للحلقات العلمية المختلفة، ليس في علم الصرف فحسب، وإنّما على كافة المجالات العلمية، بغية أن يستفيد من ذلك الباحثون الجدد وطلبة العلم، كما أنّها سوف تكون نبراسا يستضاء الطريق لمستقبل الحركة العلمية لمنطقتنا المترامية الأطراف.

 



[1] - فضيلة الشيخ أبو محمد نور الدين علي بن أحمد  المجيرتيني من أهمّ الشخصيات الصومالية التي لها وجاهة في الحقل الدعوة الإسلامية في القرن المنصرم، بل وتركت بسمات حية في الجوانب الدعوية والتعلمية في داخل بلاد الصومال وخارجها، بحيث اشتهر رحمه الله بالدعوة والتجديد في تعاليم الدين الإسلامي وجوهر روحه وخاصة فيما يتعلق بالنواحي العقدية حيث يعتبر فضيلته من أوائل الدعاة الذين قاموا بالتصحيح  والخربلة فيما يتعلق بالتوحيد في منتصف القرن المنصرم، وأكثر من ذلك أنّ فضيلته من الأوائل الذين عارضوا علناً بالشطحات والخرافات التي كان يخوض بها بعض الناس، إضافة إلى كونه قضى جلّ حياته على التدريس وملازمة الحلقات بالمساجد وأروقة العلمية، وكذلك في المدارس النظامية. وانظر ترجمته الكاملة في كتاب " عباقرة القرن الإفريفي، ص ، دار الفكر العربي، القاهرة، 2016م، ص 190 – 214.

 

 

 

[2] - وانظر بدر أحمد سالم الكسادي: أبطال منسيون من ربابنة الملاحة البحرية العربية، اعتنى به محمد علوى باهارون، هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، دار الكتب الوطنية، ط/1، 1434هـ/2012م، ص 119.

[3] - بدر أحمد سالم الكسادي: أبطال منسيون من ربابنة الملاحة البحرية العربية، المرجع السابق ، ص 91.