Sunday, 4 March 2018




وفاة الكاتب الصومالي الكبير الشيخ أبو حمزة عبد الرحمن حسين سمتر رحمه الله

د. محمد حسين معلم
فقدت الصومال اليوم 4 مارس عام 2018م في نيروبي - كينيا المجاورة أحد علمائه الأفذاذ فضيلة الشيخ عبد الرحمن حسين سمتر أبي حمزه، وكان المرحوم من كبار الكتاب الصوماليين وله مؤلفات كثيرة ومتنوعة مكتوبة باللغة العربية وأخرى الصومالية، كما له بعض الكتب المترجمة  إلى لغة الأم، وبذلك ترك لنا مكتبة ثقافية وعلمية ذات قيمة كبيرة، وكان آخر لقائي معه أخبرني بأنه يريد أن يختتم أعماله التأليفية بشرح سورة الفاتحة قبل أن يرحل هذا العالم، ولا أدرى إذا تحققت له هذه الأمنية الكبيرة أم لا.

وهنا أقدم للقراء ومتابعي كتابات الفقيد ترجمة بسيطة عنه اقتبستُ من كتاب " معجم المؤلفين الصوماليين في العربية " حتى ندرك جهود الشيخ وحياته في خدمة الوطن ونشر العلم عبر التدريس والقضاء والتأليف.
الشيخ عبد الرحمن حسين سمتر أبو حمزة
الشيخ عبد الرحمن حسين سمتر أو حمزة، من مواليد عام 1936م في قرية تسمى بقل جة Boqol Jireh  من ضواحي مدينة هرجيسا ، وينتمى إلى مرله Muraleh من فروع قبائل جدله Jidle  إحدى القبائل القاطنة في شمال شرقي كينيا انفدي منطقة الحدود الشمالية، وخاصة من ناحية منطيرا. وتلقى تعليم القرآن الكريم في قرية بقل جرة المذكورة آنفا ثم انتقل مع أهله إلى مدينة جكجكة في المنطقة الخامسة المسمي بأغادين. وفي عام 1953م انتقل إلى مكة المكرمة لطلب العلم وفي عام 1956م التحق بعهد الرياض العلمي بالرياض وبقي هناك حتى تخرج من كلية الشريعة بالرياض عام 1966م قبل تطورها إلى جامعة الإمام محمد بن سعود. وفي عام 1967م التحق القضاء بالصومال وتدرج في وظائف قضائية حتى وصل إلى درجة المستشار في المحكمة العليا. وفي عام 1981م نقل إلى مكتب رابطة العالم الإسلامي بالصومال كمساعد مدير ، كما شغل وظيفة سكرتير مكتب الرابطة بالصومال في مقديشو.
الشيخ عبد الرحمن رحمه كان رجلاً نشيطاً وله مجموعة من الكتب ألف بعضها وترجم بعضها إلى اللغة الصومالية وشارك غيره في تأليف بعضها. والشيخ عبد الرحمن بالإضافة إلى جانب حرصه على التأليف والكتابه له أنشطة في مجال المجتمع المدني فهو عضو مؤسس ورئيس لجنة حقوق الإنسان للاجئين الصوماليين في العالم ، كما شارك وساهم في أنشطة عدد من منظمات المجتمع المدني في مقديشو – الصومال.
والكل يدرك أنّه رحمه ا لله ترك مؤلفات كثيرة يصعب حصرها بحكم أن المرحوم كان نشطاً حتى في آخر مراحله رغم كبر سنه وظروف الصومال الصعبة، ومما ترك من الرسائل والكتب التي ألفه الشيخ عبد الرحمن حسين سمتر:
موقف الإسلام من تطور المجتمعات
هذا الكتاب – كما يقول مؤلفه – عبارة عن مجموعة كلمات مختارة من المواضيع المختلفة ، ألقاها المؤلف في مناسبات متعددة ، ثم جمعها في غلاف واحد ليسهل الاستفادة منه ، وأطلق عليه : " موقف الإسلام من تطور المجتمعات " ، وفحوى هذه المقالات أو البحوث هو التحدث عن أحول المسلمين إزاء تطور المجتمعات ، وكيف كان نظر الإسلام عبر القرون حيال الآراء والأفكار المتجددة في كل جيل، والكتاب يناقش بعض المواضيع المهمة مثل حقيقة العبادة، وتجديد الدين، ومكانة العلماء في المجتمع المعاصر، والمشكلة القبلية وحلها على ضوء الشريعة الإسلامية، وما إلى ذلك.
وفي هذا البند تناول المؤلف مكانة القبلية في جزيرة العرب عند ظهور الإسلام ، والخطوات التي اتبعها الإسلام في تحرير المجتمع من التعصب القبلي ، كما تناول المؤلف تحت هذا البند عدة مواضيع مختلفة مثل:
ماية المجتمع من الرجعية، والدول الإسلامية بعد الانحراف عن نهج الله، ومراحل القبلية في المجتمع الصومال، وكذلك الخطوات الثورية في القضاء على القبلية، واستحالة اجتماع القبلية والدولة، ووصول الإنسان إلى القمر. ولا شك أن المؤلف حاول إعطاء صورة مشرقة عن الإسلام في المواضيع الواردة في الكتاب ، وكشف الشبهات والأوهام التي علقت بالإسلام عبر القرون ، كما أن المؤلف كتب كتابه هذا بلغة راقية بسيطة بعيدة عن التكلف، وفي الوقت نفسه قريبة إلى القارئ. والكتاب نتاج فكري وعلمي غير منظم ، غير أن المؤلف أراد جعلها في مجلد واحد، لأن المواضيع التي تطرق بها متقاربة ، إضافة إلى أن لها صلة مباشرة بأحوال المجتمعات المسلمة اليوم عموماً والمجتمع الصومالي خصوصاً إزاء تطور المجتمعات في العالم . وطبع الكتاب في المطبعة الوطنية بمقديشو في عام 1985م.
سنوات العجاف الأولى في الصومال 1990-1994.
مقديشو، المركز الصومالي للبحوث وجمع المعلومات، 2000.
السنوات العجاف في الصومال1990-1999 (الجزء الثاني)
أسباب الصراع في القرن الإفريقي
وهذا الكتيب كان جزءا من كتاب سنوات العجاف في الصومال من 1990 -1999م ، ونظرا لتأخر صدور الكتاب لظروف خارجة عن إرادة المؤلف – كما صرح ذلك في المقدمة – لاحظ أن هذا الجزء يمكن فصله من الكتاب وإصداره مستقلا، لأنه كان في ذيل الكتاب بعد سرد أحداث سنوات العجاف من عرض وتحليل وشرح للأسباب والبواعث والخلفيات. ورغم صغرحجم الكتاب إلا أن المؤلف تناول بعض القضايا في غاية الأهمية بحيث تحدث عن الصراع في القرن الإفريقي وأطراف ذلك الصراع ومراحله وغير ذلك من القضايا المهمة. والكتاب 45 صفحة وطبع هذا الكتاب بمطبعة آنس بن مالك بمقديشو في عام 2000م.
جمهورية الصومال الثالثة في عامين
ويعني  المؤلف هنا بجمهورية الثالثة الحكومة التي انبثقت تكوينها من المؤتمر التي عقدت في جيبوتي عام 2000م والتي اختير السيد عبد القاسم حسن صلاد رئيسا للجمهورية ي 29 / 8 / 2000م. ويرى المؤلف بأن هذه الحقبة انتهت في نهاية أغسطس عام 2002م. وهذا الكتاب يشمل على متابعة الأحداث عن معاناة الصومال من خلال السنتين من عمر الجمهورية المذكورة. وتطرق المؤلف إلى مواضيع تصب على معلومات في الجمهورية بدءاً بسنه أولى في عمر الجمهورية  ، وساعي إيثوبيا المعارضة للحيلولة دون نجاح الحكومة الانتقالية ، ثم موقف المجتمع الدولي ، وقد أطنب المؤلف أسباب فشل تلك الجمهورية وعوامل انتهاءها. والكتاب يقع في 128 صفحة، وصدر هذا الكتاب في مقديشو بالصومال عام 2003م.
لما يتقاتل العالم في القرن الإفريقي
هذا الكتاب كان جزء من ضمن كتاب " السنوات العجاف في الصومال من 1990م – 2000م، لنظراً لتأخر صدور الكتاب المذكور آنفاً  لظروف خارجة عن إرادة المؤلف، وأعطى المؤلف اهتماماً كبيراً للكتاب، وبدل ما يكون هذا الجزء في ذيل الكتاب المذكور فصل منه المؤلف بل وعرض مستقلا لأن الكتاب من النتائج التي ظهرت لدى المؤلف من أفكار وتصورات وأراء من  الإفريقي وتحديد أطراق الصراع، ومراحل تطوره، وأدوار الأطراف ودور الفصائل الصومالية في هذا الصراع. ولم ينسى المؤلف دور التدخل الخارجي وتأجيجه للصراع كدور أمريكان، و  النهاية الكتاب قدم المؤلف الحل الطبيعي لقضية القرن الإفريقي، والكتاب يقع في 96 صفحة ، وقد أنهى كتابه في عام 1431ه الموافق 2010م ، وطبع في مقديشو – الصومال.
أثر الحضارة الأوروبية في الأسرة الصومالية
حتى الآن لم يصدر هذا الكتاب رغم أن المؤلف أشار إليه منذ مدة بعيدة، وأنه أنجز عدة من الكتب وضعها المؤلف فيما بعد ، ولا ندري ما هي الأسباب التي أدت إلى ذلك.
أغرب مؤتمر في تاريخ البشر
والكتاب عبارة عن رواية قصيرة عن الصراع القائم في الصومال، وطبع الكتاب في عام 1999م
القرن الإفريقي بين أساما وأباما
هذا الكتاب يتتبع المؤلف الأحداث الدامية التي حدثت في الصومال فيما بين عام 2009م  وعام 2010م . وعرض المؤلف الأحداث على قالب مسارات بحيث يتناول خمس مسارات كالمسار السياسي ، والعسكري، والإنساني لمتنوعات والأقاليم. والكتاب يحمل أخبار أحداث كثيرة ومتنوعة وينقسم الكتاب إلى قسمين كبيرين ، القسم الأول: يشمل 120 صفحة ، والقسم الثاني : يشمل أكثر من 118 صفحة. وعموم الكتاب له قوائد جمة وغزي بمعلومات كثيرة تتعلق بالأحداث السياسية التي حدثت في عامي 2009م و 2010م. وقد عرض المؤلف بطريقة غير منتظمة.
وهناك كتب أخرى أنجز المؤلف ولكنها تحت الطبع وقد رحل الشيخ قبل أن تخرج إلى النور، فرحم الله الفقيد وأسكنه فسيح جنته وألهم ذويه الصبر والسلوان.


Monday, 25 December 2017

سيدنا عيسى بن مريم عليه السلام وأسرة أمه كما يصوره القرآن الكريم




سيدنا عيسى بن مريم عليه السلام وأسرة أمه كما يصوره القرآن الكريم
د. محمد حسين معلم علي
لا يوجد كتاباً يكرم ويعلو شأن سيدنا المسيح عيسى بن مريم  عليه السلام وأمه مريم بنت عمران عليها السلام مثل القرآن الكريم، بل أن القرآن الكريم ينزه بعض الأقوال والألفاظ الموجهة لأسرة المسيح عموماً أو لشخصيته، ويبيّن القرآن بذلك بأنها هراء وإفتراء بعيدا عن الحقيقة. والقرآن الكريم أشار إلى علو مقام أسرة آل عمران التي ينتمي إليها سيدنا المسيح عليه السلام من بين أنبياء الله بدءاً بجده عمران وجدته زوجة عمران وكذا أمه مريم بنت عمران، بالإضافة إلى مربي أمه وزوج خالته سيدنا زكريا، ولم يأت من فراغ بتسمية ثاني أطول سورة في القرآن الكريم التي تحمل باسم عائلة سيدنا عيسى عليه السلام وهي سورة آل عمران التي تأتي في الترتيب الثالث في الصحف الشريف، كما يوجد في القرآن الكريم سورة تحمل باسم أم عيسى وهي سورة مريم التي تقع في منتصف المصحف، ولذلك للدلالة على شرف ومنزلة ورفعة مريم عليها السلام وخصوصية الله لها سبحانه وتعالى. وكذلك هنا سورة المائدة التي تأتي بعد سور آل عمران المذكورة النساء مباشرة، والمائدة هي التي طلب منها عيسى بن مريم ربه أن ينزل عليهم ليبرهن نبوته وبالتالي يؤمن الناس رسالته، لأنّ سيدنا المسيح كان رحيماً وكان يرغب في دخول أكبر عدد ممكن من الناس في دين الله،.
ولا يقتصر الأحداث والقصص التي لها علاقة بعيسى وأمه مريم على هذه الحد فحسب، وإنما هناك أحداث ومقتطفات أخرى لها علاقة بالمسيح وأمه متناثرة ومتفرقة على أماكن كثيرة في القرآن الكريم، وقد ورد اسم سيدنا المسيح عيسى قرابة 25 مرة ، كما أن اسم أمه مريم وردت أيضاً قرابة 34 مرة... أي 23 مرة مقروناً باسم ابنها " ابن مريم "، و11 مرة ورد اسمها الصريح من غير أن يقرن اسم ابنها.
والمتمعن بالقرآن الكريم يرى بأنّه أعطى للسيد المسيح اهتماماً كبيراً بحيث يتحدث قبل ولادته، بل قبل ولادة أمه مريم والشرف التي كانت تتمتع أسرتها، وعندما يرد اسم مريم لا يرد إلا في مقام التشريف من الله على لسان الملائكة وفي مقام ذكر نسب المسيح عليه السلام.
 بيت آل عمران:
آل عمران بيت دين وشرف وكرامة بسبب إيمانهم بالله سبحانه وتعالى ومن المؤمنين الذين أخبر الله عز وجل أنه اصطفاهم وفضلهم على العالمين، وأنهم أولياءه وخيرته، وقد أشار الله سبحاته وتعالى ذلك الشرف صريحاً في كتابه  ضمن الحديث عن أنبياء الله ورسله وذلك في قوله تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ . ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).
وذكر اسم عمران في القرآن الكريم وقصة زوجته أم مريم إنّما هو إلا مقدمة لما سيأتي من الحديث عن السيدة مريم البتول وابنها المسيح عيسى بن مريم عليهم السلام، وكأنّ الله أراد أن يبرز دور جدة سيدنا عيسى أم مريم لحكمة يعلمها وحده كما جاء في القرآن قوله تعالى: ( إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ).

ومن الصعب تحديد أوجه اصطفاء الله بـ " آل عمران " كما هي لأنّه لا يعلم حقيقتها إلا هو سبحانه وتعالى، ورغم ذلك أشار بعض المفسرين ببعض أوجه اصطفاء  آل عمران على البشر وقالوا في وجه " إكرامهم بإدراج النبوة فيهم ، وذلك في نبي الله عيسى عليه السلام الذي كان من أولي العزم من الرسل ، وفي نبي الله يحيى عليه السلام ، فهو ابن خالة المسيح عليه السلام، ولدته ( إيشاع ) أخت مريم في قول جمهور المفسرين ، فهو إذن من آل عمران وذريته..." ومهما كان فإنّ اصطفاؤهم بمثابة جعلهم بيت صلاح وخير وتقوى ، وقد اشتهر في كتب التاريخ أن عمران كان من صالحي أهل زمانه ، كما ذكر القرآن الكريم أن امرأة عمران نذرت ما في بطنها لله سبحانه ، كي يكون وقفاً على العبادة ، وذلك في قوله تعالى : ( إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) وكل ذلك بسبب إكرام الله عز وجل لهم، واصطفائه إياهم على أهل زمانهم ببلوغهم كمال الصلاح والديانة. ثمّ إنّ القرآن الكريم يتابع لحظة رفع يد أم مريم إلى ربها بعد ولادة ابنتها مريم راجةً أن يبارك الله بما رزقها وأن يجعله درية طيبة كما قال الله تعالى: ( فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ  كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. 
وينقل لنا القرآن الكريم كيف انتقلت البنت الصغيرة من بيت أسرتها إلى مكان المعبد تحت كفالة سيدنا زكريا عليه السلام، وقد قدر الله سبحانه وتعالى أن تنتقل إلى كفالة ورعاية زوج خالتها زكريا عليه السلام الذي لم يكن شخص عاد بل نبيّ من أنبياء الله لتعيش حياة كريمة، وفي هذا المشهد يقول ربنا: ( فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) سورة آل عمران.
ولادة المسيح عليه السلام ورسالته:
وعلى الرغم من أنّ ولادة سيدنا المسيح كانت معجزة وفوق تصور البشر إلا أنّ القرآن الكريم ينقل إلينا بأنّ ذلك لم يأت بالسهولة وخاصة عند ما أتى المخاض إلى مريم أم المسيح ، وقد مرت نفس الظروف التي  تمر كل النساء في مراحل التوليد، بل وذاقت آلام الولادة قبيل المخاض وأثناءه وبعده كالنساء في العالمين... قال تعالى: ( فحملته فانتبذت به مكاناً قصياً - فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسيا ).
ولكن مما كان يخفف عبء ذلك المخاض وآلامه على مريم البتول كانت بما أوحى الله سبحانه وتعالى إليها  من قبل بأنّها من وصفوة الله وأوليائه، ثم ما بشره الله إليها بأنّ الله سيهب لها ولداً مباركاً ومختلفاً عن غيره يخلقه بكلمة كن فيكون،  وأنّ الولد سوف سيكون له شأن عظيم ، وقد ورد ذلك في القرآن الكريم في أكثر من مكان وفي أكثر من صور وصيغة لذلك الخبر مثل قوله عز وجل: ( إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين ). وقال تعالى: ( إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ،  ويكلم الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين - قالت رب أنى يكون لي ولدٌ ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون ).
وبعد ولادة المسيح جاء الفرج منادياً ومخبراً لمريم بأنّ الله ساق إليها الماء والطعام، قال تعالى. ( فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سرياً - وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً - فكلي واشربي وقرِّي عيناً فإما ترين من البشر أحداً فقولي إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسياً ).
 والبشارة لم تقتصر على ذلك بل امتدت حتى عند ما تأتي الأم مع ابنها الرضيع إلى أهلها ومجتمعها بحيث أخبرها الله كيف تقنع أؤلئك الذين لا يعرفون حالها حق المعرفة، ومن هنا عند ما جاءت مريم إلى قومها تحمل ولدها عيسى حدث ما كانت تتوقعه ... وذلك لما رأوها أعظموا أمرها جداً واستنكروه .. فلم تجبهم بل اكتفت أن أشارت لهم إلى المولود الصغير ليسألوه هو يخبرهم بما حدث، قال تعالى: ( فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئاً فرياً - يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغياً  - فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبياً )، ولكنّ حدث ما لم يتوقع أحد من الحاضرين عند ما جاء الجواب على لسان الطفل الصغير الذي كان في المهد، وقال الله مخبراً عن هذه اللحظة: ( قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً - وجعلني مباركاً أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً -  وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً  - والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً ). وقول المسيح وهو في المهد " إنّي عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً " قد فشى بين المجتمع وتناقلوه لأنّه من القصص التي لا يهمل، وروى الناس بعضهم على بعض، ولكن بعد فترة تغيرت الأحول وحدث التحريف حتى اختلف الناس في أمر المسيح فمنهم من قال هو ابن الله .. ومنهم من قال هو ثالث ثلاثة .. ومنهم من قال هو الله. وفي ذلك أخبرنا الله في القرآن الكريم: ( ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون - ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون - وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم  - فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم ).
ولم يزل المسيح عيسى بن مريم يبلغ رسالة الله وينشر دينه بين الناس رغم ما في الطريق من صعوبات وعوائق ، وقد استطاع بعضهم أن يتبعوا طريقه وصاروا من أنصاره، ومع ذلك هناك ظائفة أخرى كانت دائماً ضده وضد شريعته، بل أكثر من ذلك كانوا يتضايقون من تعاليمه، وبدلاً من اتباعه عند ما دعاهم إلى دين الله مصحوباً بالمعجزة والبراهين أرادوا قتله وإساءته ولكن الله جعل كيدهم في نحورهم، وقال الله في ذلك في محكم كتابه: (وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلاّ اتباع الظن وما قتلوه يقينا - بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاً حكيماً ). 
 وقد امتنّ الله لنبيه عيسى بن مريم وأمه ما خص الله عز وجل بهما من فضل ونعمة وقال في ذلك: ( إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ )، وفي هذه الآيات الكريمات بعض المعجزات والبراهين التي أيد الله بعيسى بن مريم لشأن رسالته.