Wednesday, 28 June 2017





أسد سرمان ووديانه مختار روبو الرحنويني
13
د. محمد حسين معلم
الشيخ مختار روبو

منذ أن صدر القرار الأمريكي من إخراج الشيخ مختار روبو من القائمة الأمريكية المطلوبة والمتهمة بالإرهاب الدولي في يوم الجمعة 23 يونيو 2017م اختلف الناس حول الخبر وتعددت آراءهم وأقوالهم بين مرحب ومستنكر. وقد لاحظ بعض المراقبين في شأن الصومال ردّ فعل حركة الشباب وانزعاجهم بالخبر، وكانوا يحاولون طيلة الأيام الماضية لتشويه صمعة أبي منصور حتى ينفض حوله بعض أتباعه، ويقال أنّ بعض القادة يخافون أن ينضم بعض المقاتلين من حركة الشباب إلى صفوفه وخاصة ممن ينتمون إلى قبائل ديغل ومرفلي إذا حدث تصادم بين الفريقين في ظل الظروف الجديدة. وفور صدور القرار برزت أيضاً في الساحة الإعلامية أنشطة فريق منظم يتمركز في العاصمة والقريب للحكومة الصومالية سواء في الأجهزة الأمنية أو المؤسسات الحكومية الاخرى وقد انشغل هذا الفريق بث أخبار غير صحيحة لتشوش صمعة الرجل و وتقليل شأنه، والغريب أنّ هذا الفريق وافق بما ذهبت إليه حركة الشباب من أخبار كاذبة، بحيث نشروا خبر اجتماع ضباط من أمريكا مع الشيخ مختار في مدينة بيدوا، وربما يخاف الفريق الأخير إذا انضم مختار إلى  صفوف الحكومة الصومالية أن  يكشف بعض الأوراق الأمنية لها علاقة بالحركة وبعض الناشطين في صفوف الحكومة.

ومهما كان الأمر ..كنتُ أندهش كل ما أزور جنوب الصومال وبالذات مدينتي مقديشو وبيدوا وخاصة عندما كنتُ أسمع كلمات المدح والإثراء لأبي منصور مختار روبو وإطراءه بالحكمة والاعتدال فضلا عن الشجاعة وإفصاء الحق ونصرة المظلومين، وذلك منذ ظهور نجم المحاكم الإسلامية وحتى في عام 2011م، وكانت تزداد دهشتي واستغرابي حينما كان يصدر تلك الكلمات والإثراء من أشخاص مختلفة في أماكن متغايرة رغم أنّ الرجل حسب معرفتي في تلك الفترة لم يزل ينتمي إلى حركة الشباب المجاهدين الذين كانوا يرتكبون القتل وخلق الرعب في نفوس المجتمع، وعدم الاستقرار السياسي والديني والاجتماعي فضلاً عن عدم توفر لدى الجماعة وضوح الرؤية الثاقبة والاستراتيجية الواضحة لأحوال البلاد والعباد في المستقبل. والعجيب أنّ هذه الأوصاف المتميزة والخصال الحميدة التي كان الناس يوصفون بالشيخ لم تكن تتغير بين فينة وأخرى، بل كانت تزداد يوماً بعد يوم.
ولم يكن من باب الفضول عند ما بدأتُ - في السنوات الأخيرة – أسأل الناس الأسباب التي جعلتهم يمدحون الرجل ويفضلونه على غيره رغم أنّه وكثير من رفقائه في الدرب ما زالوا في خندق واحد، وفي عمق البحر التطرف ... ولكن
الناس كانوا يكتفون بقولهم: " ليس الأمر كما تظن يا محمد" ومرة : " الأمر يختلف على ما يذهب كثير من الناس ونحن نتكلم من أرض الواقع، ولكن قبل أن تحكم ابحث الأمر بالتروي والتريث دون أن تستعجل وتلقي الحكم أو اللوم على غير محله قبل أن تقوم بالدراسة المتأنية ... ".
وقد ساقه الله إليّ فرصة لم تكن في حسبان عند ما فاجئني الشيخ مختار روبو نفسه الاتصال بي وأنا موجود في بيدوا في الصيف عام 2011م كما أشرنا من قبل، وقد اتفقنا أن نلتقي معاً  في ضواحي مقديشو وخاصة منطقة الأبار رغم خطورة الموفق. وهذا الأمر وغيره مما دفعني إلى لقاء الرجل والجلوس معه، وأنّ هذا اللقاء تمخض سلسلة من المقالات التي نحن في صددها. وقبل ذلك كنتُ ينتابوني شك وريبة وخاصة أقوال أهالي مناطق جنوب الغرب الصومال، ظناً بأنهم ربما يتوددون إلى الرجل لأجل انتماءهم القبلي الذي يجمعهم مع الشيخ مختار، ومن هنا كان لزاماً أن أركز على أهالي العاصمة ، فكان النتيجة مفاجئة عند ما توافقت وتطابقت أقوالهم بما قال بعض من التقيتهم في بيدوا وبورهكة وبردالي وواجد فضلا عن منطقة سرمان التي ينحدر منها الرجل.
الأمير أحمد عبدي غدني
وبدت جلية مرونة أبي منصور وشجاعته في بوح الحق وإظهاره، بل وكشف بعض الحقائق رغم معارضة الحركة ذلك ، مثل رفضه باغتيال الناس سواء أؤلئك الذين يعملون في داخل الدولة أو أناس عاديين، كما رفض اغتيال بعض أتباع الحركة ولاسيما أؤلئك المهاجرين غير الصوماليين بجج وعلل واهية، وفي هذا الأمر استطاع أن يؤثر بعض القادة للجنوح والميل إلى رأيه ضد قائد الحركة السيد أحمد غدني عندما تمّ عقد اجتماع مصغر جنبا إلى جنب مع كبار قادة حركة الشباب آخرين بينهم الشيخ حسن طاهر أويس وإبراهيم حاج جامع ميعاد المشهور بإبراهيم أفغان، وفي هذا السدد أصدروا فتوى ضد محاولة غدني لقتل الجهاديين الأجانب. وقبيل ابتعاده عن الحركة فجر أبو منصور مفاجئة عندما اعترف ما عانوا من خسائر عسكرية فادحة أمام القوات الحكومية الاتحادية الانتقاليه وقوات الاتحاد الإفريقي في مقديشو وجنوب البلاد:
الشيخ حسن طاهر أويس
كما اعترف تراجع شعبية لحركة الشباب ومناصيرهم نتجة العنف ضد المدنيين وأخطاءهم الدينية والوطنية.
وهذا الخطة الجريئة والشجاعة المفرطة من قبل الشيخ مختار روبو سببت له بعض المشاكل، بل واتهم الرجل بأنّه لين ومداهن من داخل منظومته وحركته المسمى بحركة الشباب المجاهدين، عندما كان يتوقى العنف في أكثر من ميدان، والبعد عن إثارة النعرات القبلية... وأن يثير في حفيظة النفوس المجتمع الصومالي الحساس – كما أشرنا من قبل - ثم فيما بعد أصبحت الرؤية واضحة للشيخ ولم تكن تختلط لديه بحيث وصل الرجل إلى حد يستطيع أن يميز بين الجهاد الحقيقي الذي هو سنام الأمر في الإسلام وبين من يرفع راية الجهاد ويستخدم كل الطرق والوسائل الشرعية وغير الشرعية، وهذه النقطة جعلته يميز بين أمر بالمعروف وإصلاح بين الناس وتأديب المجرمين وزرع الخوف والرعب في نفوسهم، وبين ارتكاب الظلم والخوض في حرمات الله.
ولا ننسى أنّ نقاط الخلاف بين الطرفين أيضاً  كانت كثيرة مثل: محاولة بعض القادة لعولمة الجهاد والانتماء إلى منظومات جهادية خارجية، في حين كان أبو منصور مختار روبو يعترض ذلك كما أسلفنا من قبل، وقد ردد أكثر من مرة قوله " لا يوجد بيننا وبين الحركات الجهادية مثل القاعدة علاقة قريبة حتى نكون منهم ويكونون منا"، وقال أيضاً مسترسلاً حديثه حول ذلك " إنهم – أي جماعة القاعدة التي كان يترأسها الشيخ أسامة بن محمد بلادن -  مجاهدون وعدونا واحد يقاتلون الغزاة ونقاتلهم ... يريدون تطبيق شريعة الله على الأرض ونحن نريد ذلك. لكن تنظيميا ليسوا منا ولسنا منهم ". وقد قال لي: ليس هناك سبب ننتمي إلى القاعدة لأننا أحسن منهم في أكثر من وجه، ونحن نستولى  أراضي شاسعة حوالي احدى عشرة محافظة ويرفرف علم الحركة عالياً، بينما جماعة القاعدة يختبؤون خلف الكهوف وأعالي الجبال".
أما خلاف فيما يتعلق بالضرائب التي  فرضت  الحركة على الرقاب، اعترض أبو منصور بشدة بالإتاوات التي كانت تؤخذ من الشركات الوطنية وحتى الهيئات الدولية والإقليمية، ما عدا أؤلئك الذين يتاجرون القات بحيث كان يفضل عدم المنع ولكن القيام بالتضييق ودفع الضرائب الباهظة، بالإضافة إلى إخراج القات من وسط المدن إلى ضواحيها،  كما حصل ذلك في مدينة بيدوا.
ولكن أول هزة حدثت بين الشيخ مختار روبو وبعض قيادات الحركة كانت عند ما أطلق أبو منصور سراح بعض الوزراء والمسؤولين السياسيين في الحكومة الصومالية في مدينة بيدوا بعد استيلاء حركته عليها عقب استقالة الرئيس عبد الله يوسف أحمد واستلام رئاسة الجمهورية  السيد أدم محمد نور مدوبي، ومن بين من أطلق سراحهم الوزير محمد إبراهيم حابسدي أحد ابرز زعماء قبائل دغل ومرفلي في تلك الفترة، وحينها اتهم بالشيخ مختار أموراً  كثيرةً، بل وطلب منه أن يفرق بين الجهاد والكفاح وبين العاطفة القبلية، ولكن الرجل لم يكن يريد مزيداً من إراقة الدماء رغم ما يقال هنا وهناك في تلك الفترة. والحق أنّ مرونة الشيخ وتعامله بالسياسة اللين كان ديدنه، فقد سجلت له أكثر من مكان في طريقة تعامله مع الناس على الرغم مما كان يوجه إليه من انتقادات حاذة ولكنه لم يكن يبالي ذلك، وقد بدأها في مناطق باي وبكول التي ينتمي إليها، وخاصة عندما اقتحمت مليشات حركة الشباب المجاهدين المدينة بقيادته، وكان يفتخر باجتهاده هذا ويراها تقرباً إلى الله سبحانه وتعالى في تلك الطروف الصعبة التي كانت تمر البلاد من تدخل  صافر في شؤون الصومال كل من هبّ ودبّ. وأخبرني بأنّه ينبغي أن يكون الصراع موجهاً للأعداء والمخربين لوطننا لا لشعبنا العزل، كما أخبرني بأنّه دفع دية لمن قتلته مليشيات الشباب خطأ وعددهم 16 شخص وأغلبهم من مناطق باي وبكول ، ولكني وجهدتُ إليه سؤالاً " من يدفع الدية لمن قتلتموهم في العاصمة وجنوب البلاد ووسطها أو أي مكان آخر في ربوع وطننا ؟" ، فقال لي : " القضية هي الإحساس بالذنب وأنا أتبرأ  كل جريمة أو ذنب يغترف تحت إمرتي حتى أنجوا يوم القيامة " .

 
 والحقيقة قد أكد لي أناس كثيرون في العاصمة ما ذهب إليه أبو منصور من تعامله بالحكمة والرفق، وأنّه جرب هذه
 السياسة – أي سياسة اللين وخفض جناح الذل للأمة – في وقت كانت حركته في أوجه قوتها وعنفوانها لا يخاف في الله لومة لائم، حتى أنّه كان يأتي في الأماكن العامة ويعلن سياسته، كما كان يقف على المنابر في مقديشو وبيدوا وينتقذ بالأعمال المنحرفة وما يقترفه بعض القادة من ترويع الآمنين وقتل الآبرياء.
والحق أنّه حينما أحسستُ منه بصدر رحب شرعتُ أسأل عدة الأسئلة مثل: "إذاً لماذا تصر على هذا الوضع السيئ كما تصفه  أنت َالذي لا تقتنع به ؟ " فأجاب فوراً وبدون تفكير أو تمهل: " فهل تعرف - يا أخي - فئة أحسن من حركة الشباب ... أؤلئك الشباب الصفوة المساكين بغض النظر عن القيادات المنحرفة والمتسلطة .... ألا ترى حولنا من الذئاب والمجرمين وأذيال المستعمر وجواسيس الأحباش وأهل الرشاوي وقطاع الطرق واللصوص... الحقيقة إنني مطمئن بالزمرة ولا أرى فئية أحسن منهم حتى الآن ... ولكن هذا ليس معناه بأن أسكت  الظلم والإجرام كالشيطان الأخرس، الظلم الذي يرتكبه بعضنا إذ ليس من شيمتى الجبن والمداهنة ".  واسترسل حديثه قائلاً : " لعلمك يا دكتور محمد بأنّي مستهدف من قبل بعض قيادات الحركة لأجل أفكاري، وقد جرى عدة محاولات لاغتيالي ونحن في أحلك الظروف ومع مواجهة العدو ، والهدف هو إسكاتي وعدم بوح الحقيقة.". وقال: " وأكثر من مرة قلتُ  بأني لا أفضل العمل بقضايا خفية وغامضة وعدم وضوح والرؤية " انتهى كلامه.


Sunday, 18 June 2017





جهود أهل الصومال في خدمة المذهب الشافعي 10
ظهور أهل الفكر والابداع في خارج حظيرة المذهب الشافعي:
د. محمد حسين معلم
 وفيما تقدم رأينا جهود أهل العلم في خدمة المذهب الشافعي في الأوجه المختلفة سواء في دراسته وتطويره في أوساط أهل العلم وطلابه أو نشره عبر الحلقات العلمية على أيدي الفقهاء المهرة، أو في بلورته على قالب رسائل وكتب من حيث الابداع والتجديد، بالإضافة إلى قيام أهل الخبرة والدراية في تحقيق التراث الشافعية ودراستها ثم إخراجها تحقيقا ودراسة، شرحا وتعليقا، تهذيبا وتأليفا، بالإضافة إلى مجالات الفتوى والقضاء. وليس معنى ذلك بأن الكُتّاب وأهل التأليف في بلاد الصومال اقتصروا فقط على المذهب الشافعي فيما يتعلق بالتأليف والكتابة عند الحديث عن الفقه والأحكام الشرعية، بل نرى عدم تقيد أهل الفكر والابداع لمذهب الشافعي لا سيما عند التحقيق والإنتاج أحياناً، وسوف نرى في ذلك.
ومن ناحية أخرى هناك ثلة من جهابذة المذهب الحنفي وتراثهم الفقهي بحيث أنّه لا يخفى أحد على المدرسة الحنفية في اليمن ومصر ودور الزيالعة والجبرية في العصور الإسلامية الزاهدة، ويكفي أن نشير إلى الشيخ العلامة الفقيه فخر الدين أبو عمر عثمان بن عليّ بن محجب البارعى الزيلعى الحنفي الذي أحياء هذا المذهب الحنفي من خلال دروسه وابداعاته العلمية، وهو صاحب شرح كتاب كنز الدقاائق لأبي البركات النسفي أحد الكتب الحنفية المعتمدة، وقد أشرنا خبره بالتفصيل في أكثر من مكان وآخرها كتاب ( عباقرة القرن الإفريقي )، علماً أنّ فخر الدين الزيلعي من مواليد منطقة زيلع التى كان يطلق عليها الجغرافيون أحيانا على الإقليم الطراز الإسلاميّ، أو ايفات.
ونحن لا نستغرب  ذلك لأن الفقه الشافعي رغم أنه كان يسيطر على منطقة القرن الإفريقي وأنّ الناس كانوا – وما زالوا – يتخذون الشافعية مذهباً لهم إلاّ أنّ منطقة الزيلع اشتهرت بمذهب آخر ، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت التيمي الكوفي، الذي وفد إلي زيلع من جهة اليمن وخاصة بلدة السلامة المشهورة بهذا المذهب ، والبلدة أصبحت مستوطنة زيلعية، بعد أن توجه إليها كثير من طلبة العلمّ لسهولة الوصول إليها ولقربها واستقروا هناك حتى خصصت لهم مسجداً خاصاً لهم أطلق عليه مسجد فقهاء بنى الزلعي ، وذلك لكثرة وجودهم فيه، وكانت بلدة السلامة من المنافذ التي جاءت منه المذهب الحنفي إلى المنطقة ( انظر كتاب الثقافة العربية وروادها في الصومال). 
 والشيخ فخر الدين أبي  عمر الزيلعي خدم المذهب الحنفي بوجوه مختلفة، ولكن من حيث التأليف ترك للأمة تراثاً له قيمته العلمية مثل كتابه ( تبيين الحقائق بما فيه ما اكتنز من الدقائق) ، وهذا كتاب يعدّ من أهمّ شروح كتاب (كنز الدقائق) للشيخ الإمام أبي البركات عبد الله بن أحمد المعروف بحافظ الدين النسفي الحنفي المتوفي سنة 710هـ. وتظهر قيمة شرح الزيلعي من خلال الشروح الكثيرة التى وضعت  لكتاب النسفي هذا إذ أنّ المحققين ذكروا إن شرح الزيلعي يعدّ من أهمّ الشروح التى ظهرت. كما تظهر أيضاً قيمة شرح الزيلعيّ إذا عرفنا أنه وجد شيوخاً كثيرين شرعوا في اختصار وتلخيص شرح الزيلعي، رغم الشروح الكثيرة، مثل مختصر الزيلعي للشيخ الإمام جمال الدين يوسف بن محمود بن محمد الزاري المسماة "كشف الدقائق". وشرحه عز الدين يوسف بن محمود بن محمد الزارى السمي: أيضاً (كشف الدقائق) . وشرحه رشيد الدين. وكذا شرحه عز الدين يوسف بن محمود الزارى الصهراني، وهو مختصر الزيلعي. ومما يؤكدّ قيمة كتاب الزيلعي أيضاً  أنّه - أي الزيلعي _ ليس وحده من قام بتخريج كتاب الكنز أو قام بشرح الكتاب، وإنما شارك معه في هذا الأمر علماء أجلاء قاموا بالشرح والتخريج والاختصار، غير أن كتاب الزيلعي كان يشار إليه  بالبنان في أوساط أهل العلم والتالي لاقي القبول الحسن لدى الناس، حيث تداوله أهل العلم بين قراءته واختصاره - كما أشرنا - أو شرحه.
 وهناك أيضاً من شارك مع الزيلعي بعمل  خدمة كتاب الكنز مثل: شرح العلاّمة بدر الدين محمد بن عبد الرحمن العيسى الديري الحنفي وسماه ( المطلب الفائق ) ،  وهو شرح لطيف كبير في سبع مجلدات. ومن شروحه  أيضاً شرح الرضى أبي حامد محمد بن أحمد بن الضياء المكي المتوفي سنة 858هـ، وهو أخو صاحب البحر العميق .  ومن الشروح أيضاً : ( المستخلص ) لإبراهيم بن محمد القارى الحنفي المتوفي  في رجب سنة 907هـ ، وهو شرح ممزوج أيضاً. ومن شروح كتاب الكنز أيضاً : (  كتاب النهر الفائق بنشر كنز الدقائق ) لمولانا سراج الدين عمر ابن نجيم المتوفي سنة 1005 هـ. وهذا دليل واضح على أهمية كتاب: ( تبيين الحقائق لما فيه ما اكتنز من الدقائق ) ، وكيف لايكون الكتاب بهذا المستوى وقد وضعه أحد نبغاء عصره، وفريد جيله ، الفقيه الأصولي الفرضى الإمام فخر الدين بن عثمان بن على الحنفي الزيلعي الذى كتب في الفقه بتوسع وفي دقة متناهية. ومن هنا فلا غرابة أن تتجه أنظار أهل العلم إلى هذا الكتاب بين مختصر وشارح وقارئ ، لأن الزيلعي تناول في هذا الكتاب أموراً عدةً ، أهمّها قواعد الإسلام وأركانه ابتداءً بالصلاة وما يتعلق بها من الطهارة بأنواعها وكذا التيمم والأذان،  ومروراً بأركان الإسلام الأخرى من الزكاة والصيام ، إذاً ليس من الغرابة أن يصبح شرح الزيلعي من أجلّ كتب الفقه وشروحه وخاصة الفقه الحنفي، بل من أفضل كتب المذاهب حتى "ظل - أي الكتاب - تراثاً خالداً ينير الطريق ويشير إليه العلماء ويأخذون منه فقههم" ( زين العابدين عبد الحميد السراج : الحياة الثقافية بالصومال في العصور الوسطى  ضمن مجلة البحوث والدراسات العربية ، العدد 13، 14، 1987).  ولفخر الدين الزيلعي أيضاً  كتب وآثار علمية أخرى تخدم للمذهب الحنفي مثل ( شرح الجامع الكبير لمحمد الشيبانى) و كتاب ( شرح المختار للموصلى)، وهذان كتابان بالإضافة إلى كتابه ( تبيين الحقائق مما فيه ما اكتنز من الدقائق) كلها تخدم في فروع الفقه الحنفي. إذاً مما سبق يبرهن ظهور أهل منطقة القرن الإفريقي وجهودهم في خارج المذهب الشافعي رغم انتشار المذهب الشافعي في المنطقة.
عدم تعصب أهل الصومال عند التحقيق والابداع:
ومما يؤكد بما سبق ذكره بأنّ المنطقة احتضنت المذهب الحنفي في وقت مبكر إلى جانب المذهب الشافعي، وأنّ أهل المنطقة ساهموا في إطراء المذاهب الأخري في سبيل خدمة العلم والمعرفة وفي سبيل البحث العلمي،  بحيث لم يقتصر جهودهم العلمية في المذهب الشافعي السائد في المنطقة.  ونسرد هنا بعض نماذج من ذلك ليكون الأمر واضحاً جلياً.
فهذا فضيلة الشيخ نور الدين علي بن أحمد رحمه الله يميل إلى الجنوح إلى المذاهب الأربعة الرئيسية عند مساهمته في الفقه والأحكام الشرعية وخاصة في باب أحكام الفرائض، وقد استطاع فضيلته وضع رسالة فقهية نفيسة تتعلق بأحكام المواريث ولكن حسب استنباط على المذاهب الأربعة الأخرى المعروفة ولم يقتصر فقط على مذهبه الشافعي، وقد سمى رسالته ( المواريث الشرعية في المذاهب الأربعة ) ، وهنا تناول الشيخ باباً من احدى أبواب الفقه وهو علم الفرائض مع توسع حتى ضمّ كتابه إلى آراء الفقهاء الأربعة مما يدل ّ على سعة إطلاعه وتحرره عن التمذهب حيث لم يقتصر اعتماده على المذهب الشافعي الذي هو سائد في منطقة القرن الإفريقي وغيرها من المناطق في شرق إفريقيا، وذلك من باب خدمة العلم والمعرفة وليرتقى مستوى معرفة طلبة العلم.
مما لا شك فيه فإنّ التعصب بالمذاهب الإسلامية كان منتشراً في أوساط الأمة الإسلامية منذ أمد بعيد وقد ازداد في القرون الأخيرة عما كان عليه. ومنطقة القرن ا لإفريقي لم تكن شاذة عن ذلك وقد رأينا في السطور الماضية شدة محبة أهل الصومال لمذهب الشافعي وتعصبه والجنوح إليه من غيره من المذاهب الإسلامية الأخرى، غير أنّ هذا ليس معناه بأنّ أصحاب الفضيلة والعلماء لبلاد الصومال دائماً يتعصبون بالمدهب الشافعي وتراثه، وإذا كان لهم دور بارز في ذلك المجال ولا يعني بذلك بأن موهبتهم العلمية وابداعاتهم الثقافية تقف إلى هذا الحد، بل يستطيع القارئ والمتتبع بقضايا تراثنا العريق - الذي ليس له في الحقيق حد كالبحر لا ساحل له – أثرهم العلمي خدمة وجهودهم في مجال تحقيق التراث عموما وصيانه واعتناءه. وهذا فضيلة الدكتور أحمد حاج محمد عثمان المشهور بأحمد إمام له بعض جهود في إخراج التراث وتحقيقه، كما فعل عندما قام بتحقيق ودراسة من كتاب التعيين في شرح الأربعين، علماً أنّ مؤلف هذا ا لكتاب من كبار  الحنابلة وهو صاحب العلامة المتقن المتفنن نجم الدين سليمان بن عبد القوي الطوفي الحنبلي المتوفى سنة ست عشرة وسبعائة الهجرية، وكتابه من أوائل شروح كتاب الأربعين النووية. مؤلف الكتاب قام دوراً  كبيراً في إخراج هذا الكتاب حيث حقق نصوصه مع تعليق في بعض الأحيان، ويدل على ذلك قيام أهل العلم في الصومال على تحقيق ودراسة للمذاهب الأخرى.
وأهل العلم في بلاد الصومال خدموا للتراث الشافعية في أكثر من وجه معرفي – كما تقدم من قبل – ولكن ليس معنى ذلك بأنهم تعصبوا فقط بالمذهب الشافعي دون غيره وعكفوا في خدمته فحسب، وإنّما أيضاً لهم جولات وصولات معرفية على سقف البحث العلمي، ويدل على ذلك بعض الجهود من أهل  العلم التي خدمت لغير المذهب الشافعي، مثل ما فعل فضيلة الدكتور الشيخ عبد الباسط شيخ إبراهيم  حيث قام بمشروع علمي تجاه التحقيق والدراسة للتراث الحنبلي لا سيما تجاه كتاب " الداعي والمدعي في علم الدّعاء " للشيخ يوسف بن الحسن بن عبد الهادي الصالحي (ت 909ه)  دراسة وتحقيق. والكتاب عبارة عن رسالة علمية نال فضيلته بدرجة الماجسير في كلية الدعوة وأصول الدين التابع بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
ومن ذلك أيضاً الشيخ يحيى إيي ( Iye) أحد علماء منطقة القرن الإفريقي وخاصة في جيبوتي وهو من أقران فضيلة الشيخ عبد الله علي جيله، وقد قام الشيخ يحيى إيي بتهذيب وترتيب وصحيح كتاب موطأ الذي وضعه الإمام مالك بن أنس، وهو كتابه ( تهذيب موطأ مالك ).
ويدل على اهتمام أهل العلم في الصومال لدراسة المذاهب الفقهية الأخرى ما قام به الأستاذ محمد حسن محمد من جهد علمي تجاه ذلك مثل كتابه ( الفروق الفقهية بين المسائل الفرعية في المدونة الكبرى، من أول كتاب المساقاة إلى آخر كتاب الاستحقاق- جمعاً ودراسة)، وهو عبارة عن أطروحة  علمية مقدمة من قبل الأستاذ محمد في قسم الفقه بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في المملكة العربية السعودية لنيل درجة العالمية العالية الدكتوراه. ويظهر عنوان تلك الرسالة بأنها دور حول الفقه الإسلامي وقام المؤلف جمع وتحقيق ودراسة المسائل الفقهية سيما تلك المسائل الفرعية في كتاب المدونة الكبرى. علما أن المدونة الكبرى هي مجموعة من الأسئلة والأجوبة عن سائل الفقه وردت للإمام مالك ابن أنس رحمه الله والتي رواها عبد السلام بن سعيد التنوخي الملقب بسحنون رحمه الله، وأحيانا ينسب إليه ويقال مدونة سحنون لأنه رواها.
وحول ابداعات المثقفين الصوماليين ظهر في الساحة العلمية جهود علمية اهتمت بقضايا فقهية ولكنها للبلدان الإسلامية الأخرى مثل دولة السودان  الشقيقة، كما فعل ذلك الباحث القدير الأستاذ محمد عبد الله فارح توشو عند ما أنجز كتابه ( الإجتهاد الجماعى ودور مجمع الفقه الإسلامى السودانى فى تحقيقه ). وهذا الكتاب كان جزءا من متطلبات الرسالة العلمية نال صاحبها درجة الماجستير من جامعة أفريقيا العالمية ، وخاصة قسم الشريعة والقانون بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية. والدراسة تنصب على تخصص الشريعة.
والحديث عن الاجتهاد الجماعي يقصد به اجتماع كوكبة من علماء الأمة للنظر في حكم مسألة ما مما يجوز النظر والاجتهاد فيه، والغالب حضور أصحاب الاختصاص معهم في ذلك أيضا، كأن تكون المسألة طبية فيحضر معهم الأطباء الثقات وهكذا، ويمثل هذا الأمر المجامع الفقهية الموجودة في العالم الإسلامي وغيره. وعلى كل حال فإن الرسالة تتكون أربعة فصول . 1) الفصل الاول: التمهيد (الإجتهاد وشروطه). 2) الفصل الثانى: فى الإجتهاد الجماعي. 3) الفصل الثالث: نبذة عن مجمع الفقه الإسلامي السوداني. 4) الفصل الرابع: دور مجمع الفقه الإسلامى السودانى فى تحقيق الاجتهاد الجماعي. وقد توصل الباحث نتائج كثيرة خلال مشروعه العلمي مثل: إن مجمع الفقه الاسلامي السوداني قد سدَ فراغا وعالج قضايا مستجدة كثيرة فى إفتائه. ونادى الباحث إلى ضرورة دعم الاجتهادات الجماعية الصادرة عن المجامع الفقهية من قبل ولاة الامور فى البلدان الاسلامية وذالك عن طريق إلزام قراراتها، والعمل على التنسيق الكامل بين المجامع الفقهية فى العالم الاسلامى وذالك للوصول الى إنشاء إدارة موحدة تعالج مشكلات الأمة الإسلامية، ومن ثمّ العمل على عرض الفتاوى الصادرة عن المجمع الفقه الاسلامى ونشرها فى صورة جذّابة ومؤثرة.
وعلى هذا الدرب نفذ فضيلة الأستاذ الدكتور يونس عبدلى موسى جهوده العلمية ولا سيما الفقهية التي برع فيها نحو اهتمام قضايا بلدان أخرى من خلال كتابه ( الفتوى في إفريقيا كينيا نموذجاً)، علماً أنّه فضيلته ينتمى إلى سكان منطقة حدود الشمالية التابع الآن لدولة كينيا. وهذا المشروع عبارة عن  بحث علمي ضمن البحوث التي صدرت في الملتقي الخامس عشر جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالتعاون مع لجنة الدعوة في إفريقيا سنة 2006م.
وهكذا أهل الدراية والبحث سلطوا أقلامهم على المواضيع الفقيه لها علاقة بالبلدان الأخرى، وكذا خدمة مذهبهم الشافعي السائد على المنطقة وغير من المذاهب الإسلامية الأخرى، ونرى أنّ بعض منهم تطرقوا على أبواب المذاهب الأخرى عبر أبواب أحكام الفقه وأصوله، كما فعل ذلك الأستاذ عبد الناصر حسن أحمد الذي اختارت موهبته في اختيارات أحد أعلام التونسيين وهو صاحب العلامة الشيخ ابن عاشور، محمد الطَّاهر بن محمد بن محمد الطَّاهر بن محمد بن محمد الشَّاذلي بن عبد القادر بن محمد المشهور بابن عاشور،  من كبار فقهاء عصره، وكان مالكي المذهب . أما الأستاذ عبد الناصر فقد أنجز رسالة علمية أطلق عليها ( اختيارات ابن عاشور في مسائل الجنايات والحدود والتعازير في تفسيره التحرير والتنوير دراسة مقارنة )، وقد استفاد الموقف بحيث قارن اختيارات ابن عاشور بقانون العقوبات الصومالي لسنة 1962م. والكتاب عبارة عن رسالة علمية نال صاحبها بدرجة الماجستير في القفه المقارن بكلية الشريعة و القانون التابع بجامعة القرآن الكريم 15 فبراير عام 2011م، وقد قدم الباحث ترجمة موجزة عن حياة الإمام ابن عاشور ــ رحمه الله ــ بالإضافة إلى اختيارات العلامة ابن عاشور.
أما فضيلة الدكتور إبراهيم شيخ عبد علي فقد تفرغ لجمع اجتماعا واتفقات ابن هبيرة في مجال المعاملات حتى أنجز كتابه ( إجماعات واتفاقات ابن هبيرة في المعاملات المالية في كتابه الافصاح عن معاني الصحاح ). وتحدث المؤلف هذا الكتاب المعاملات المالية بدءاً من كتاب البيع إلى نهاية الكتاب الفرائض من الكتاب المذكور، ويصل عدده حوالي 550 صفحة.

Monday, 5 June 2017




جهود أهل الصومال في خدمة المذهب الشافعي 9
د. محمد حسين معلم 
حضور كبار الشافعية في مخيلة أهل الصومال:
لقد وصل اهتمام الكُتّاب وأهل العلم والدراية إلى تسليط الضوء على كبار شخصيات الشافعية الذين لهم أراء واجتهادات فقهية ، ولكنها متناثرة في بطون المصادر والموسوعات الفقهية، ومن الصعب استحضار تلك الآراء والكنوز لدى طلاب العلم ، ولكن أهل العلم والاختصاص حاولوا تحقيق ذلك في أكثر من مشروع علمي ظهر في الساحة العلمية هنا وهناك. وهذه ليست بدعة من البحث العلمي، لا سيما إذا عرفنا بأنّ العلامة محمد أحمد مصطفى أحمد المشهور بمحمد أبو زهرة من أوائل من قام دراسات مماثل في هذا المضمار وعلى رأسها دراسته المشهورة ( الشافعي، حياته، وعصره، وآراؤه وفقهه،)،
 علماً أنّ محمد أبو زهرة قام عديد من دراسات مماثلة لهذا النوع حول أئمة الأعلام مثل:
أبو حنيفة - حياته وعصرة - آراؤه وفقه
مالك - حياته وعصرة -  آراؤه وفقه
ابن حنبل - حياته وعصرة - آراؤه وفقه
الإمام زيد - حياته وعصرة - آراؤه وفقه
ابن تيمية - حياته وعصرة - آراؤه وفقه
ابن حزم - حياته وعصرة - آراؤه وفقه
الإمام الصادق - حياته وعصرة - آراؤه وفقه.
وفي الحقيقة " إنّ دراسة شخصية من الشخصيات العلمية المعروفة في دائرة معرفة مذهب معين، هو إسهام في دراسة نشأة ذلك المذهب دراسة تاريخية ومنهجية من ناحية، ودراسة الأصول والضوابط التي وضعها مؤسس المذهب ومراحل تطوره ونضوجه وإكماله من ناحية أخرى. وبما أن المذاهب الفقهية بكل شعبها مرت بأدوار مختلفة زاد في كل دور منها جديد، وظهر في كل دور أيضا عالم أو علماء أفذاذ بابعوا تأصيل هذا المذهب وساهموا في تطويره " ، كما يقول ذلك الباحث الشيشاني أزيوف عبد الغفور بن بشير في كتابه:( منهج الإفتاء عند الإمام النووي، وهو بحث دكتوراه في أصول الفقه، من كلية معارف الوحي والعلوم الإنسانية، بالجامعة العالمية الإسلامية بماليزيا عام 2008م، ص 2 ).
وقد حدا حدوه بعض الباحثين كفضيلة الدكتور محمد إيمان أدم الصومالي الملقب بالشاطبي دراسة حول الإمام النووي وآراؤه الفقهية في كتابه ( زيادات الإمام النووي واستدراكاته على الإمام الرافعي من بداية كتاب الصلاة إلى نهاية صلاة التطوع من خلال كتاب الروضة-جمعاً ودراسة مقانة). والدراسة عبارة عن بحث علمي نال المؤلف من خلال درجة الماحستير في الفقه عام 1426هـ في كلية الشريعة، بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في المملكة العربية السعودية.
ومنهم الأستاذ محمد معلم أحمد حيث أنجز دراسة حول الإمام النووي أيضاً وسماها ( اختيارات الإمام النووي الفقهية في العبادات من خلالا كتابه " المجموع" دراسة مقارنة )، وتناول المؤلف هذا الكتاب حول آراء واختيارات الإمام النووي في الفقه من خلال كتابه المجموع وقد اختصر في القسم العبادات بحيث تناول الطهارة والصلاة والصيام وقد استهل بها صلاة الليل التي كان الرسول – صلى الله عليه وسلم – يقوم بها ثم تناول الزكاة والصوم والحج. وقد بدأ المؤلف كتابه الحديث عن الإمام النووي نسبه وولادته وحياته العلمية ثم قدم دراسة قوية حول كتاب المجموع. والكتاب طبع بمطابع دار العلم بمصر في طبعته الأولى عام 1434ه الموافق 2013م.
وقد تتابعت هذا النوع من الدراسات لدى أهل العلم في الصومال واهتموا في إبراز بعض الجوانب من آراء وفقه بعض الكبار الشافعية بعد جردها من بطون الكتب والمصادر وجمعها ودراستها، بل ومقارنتها مع الفقهاء الآخرين في المذهب وغيرهم. ومن هؤلاء فضيلة الشيخ الدكتور باشنا إبراهيم محمود الذي قام بتحقيق إنجاز بحث علمي حول شخصية مهمة وآرائه في المذهب الشافعي، واستطاع إخراج دراسة تتناول مجال الأصول في الفقه الإسلامي، حيث وضع كتاباً أطلق عليه (على بن ابى هريرة وآراؤه الفقهية). ومن المعلوم أن العلامة على بن أبى هريرة من كبار الشافعية، وأن آراءه الفقهية تحوم حول المذهب، وقد استطاع فضيلة الدكتور أن يقارن هذه الأقول والآراء وأقوال الفقهاء الآخرين سواء كانوا شافعيين أو غيرهم ليظهر قيمة ما توصل إليه المؤلف. والكتاب عبارة عن رسالة علمية أكاديمية نال المؤلف من خلالها درجة الماجستير في الفقه وأصوله من قسم الشريعة والفقه التابع بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة أم القرى بمكة في المملكة العربية السعودية. والكتاب يسلط الضوء على آراء تلك العلامة الفقيه الأصولي.
وهناك دراسة قام بها الأستاذ عثمان علي فارح حول الآراء الفقهية للعلامة أحمد بن حجر العسقلاني من كبار الشافعية في عصره ، وهذه الدراسة ميسومة بـ ( الاجماعات الفقهية المنقوضة لابن حجر العسقلاني )، وهو بحث نال صاحبه درجة الدكتوراه في فقه السنة في جامعة المدينة العالمية في ماليزيا المتمثل قسم الحديث وعلومه، وتناول الباحث الاجماعات الفقهية المنقوضة لعلامة  العسقلاني من خلال كتابه فتح الباري والذي هو شرح لكتاب جامع صحيح البخاري.
كما قام فضيلة الشيخ الأستاذ عبد القادر علي مؤمن عدو دراسة نفيسة في هذا المنحى حيث سلط موهبته على أحد الأعلام الشافعية وهو العلامة الفقيه الأصولي سليمان ين يسار عبر كتابه (الفكر الفقهي لسليمان بن يسار)، وتحدث هنا الأستاذ الآراء الفقهية للإمام سليمان يسار والتي هي متناثرة في بطون الكتب والمصادر الفقهية، وبعد جردها وجمعها قام الباحث بالترتيب حسب الأبواب الفقهية، ثم قام بدراسة مقارنة هادئة، حيث قارن الآراء الفقهية المماثلة والمخالفة والتي ذكر الفقهاء مع ذكر أدلتهم ، ولم يكتف الباحث هنا في ذلك وإنما قام بالترجيح على حسب ما ظهر إليه. وقبل ذلك تناول الأستاذ عبد القادر علي مؤمن بترجمة العلامة سليمان بن يسار وحياته وعصره وما قال عنه العلماء ومكانته العلمية. والكتاب عبارة عن رسالة الماجستير من جامعة المدينة العالمية في ماليزيا، بكلية العلوم الإسلامية ، قسم الفقه.
وكذلك أنجز الباحث حسن عبد الله حسن دراسة علمية حول أحد الفقهاء الشافعية وهو الإمام ابن خزيمة رغم آرائه الفقهية المستقلة ومخالفة للمذهب بعض الأحيان، ودراستة الأخ جاءت تحت عنوان (آراء الإمام ابن خزيمة الفقهية من أول كتاب الصيام إلى نهاية أبواب الصدقات والمُحَبَّسات من كتاب الزكاة جمعا ودراسة )، وهذا الموضوع مُهم في بابه؛ لأنه قام في جَمْعِ ودراسة آراء أحد الأئمة الأعلام الموثوقين ومن الذين برزوا في القرن الرابع الهجري، علما أن الإمام ابن خزيمة يعتبر شافعي المذهب – كما أشرنا من قبل - وله آراء تخالف المذهب أحيانا تدل على بعده عن التعصب المذهبي واهتمامه بالدليل؛ ولذا فإن آراءه اتسمت بقوة الحجة، والناظر في تعليقاته على الأحاديث وتراجمه في كتابه الصحيح يتبن له باعه الواسع في علمي الفقه والحديث حيث سلك فيها مسلك الإمام البخاري رحمهم الله تعالى في صحيحه. وذكر الباحث أن دراسته هذه تناولت موضوعات يحتاجها المسلم في دينه كالصيام والزكاة والصدقات، والعمل فيه يُسهم في إبراز جهود العلماء ويثري المكتبة الإسلامية ويتيح الاستفادة منها سواء للعامة أو طلبة العلم، علماً انّ هذه الدراسة عبارة عن بحث علمي نال الكتاب بدرجة الماجستير من قسم الفقه بلكية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في مملكة العربية السعودية.
أما فضيلة الدكتور محمد شيخ أحمد شيخ مٌحٌمد عمر متان الحسني المشهور بشيخ محمد حاج كعادته له جهود علمية في حضور المذهب الشافعي وشيوخه في فكره وقلبه وقالبه، وقد وفق الله فضيلته إنجاز دراسة علمية أصولية وفقهية سماها ( مقاصد الشريعة العامة عند الإمامين: العز ابن عبد السلام والشاطبي دراسة مقارنة )، استهدفت هذه الدراسة أساساً المقارنة بين جهود الإمامين العز بن عبد السلام والشاطبي، في موضوع المقاصد والمصالح والمفاسد بصفة عامة، والمقاصد العامة بصفة خاصة، وذلك إيماناً من الباحث بأنَّ الدور الإصلاحي والتجديدي الذي اضطلع به كل من الإمامين في عهده، كان من ورائه تفطنهما للمقاصد الشرعية، وتفوقهما فيها، إضافةً إلى ما اتسما به من صدقٍ، واستقامةٍ، ووضوح، وتحرر في التفكير والمواقف، وتحرير للمسائل والقضايا، مما جعلهما يغزوان هذا العصر، ويُشكِّلان حضوراً قوياً في الكتابات المعاصرة في الفكر الإسلامي بصفة عامة، وفي الفقه وأصوله ومقاصد التشريع الإسلامي بصفة خاصة؛ ولذلك هدفت الدراسة إلى استلهام العبر والدروس من منهج الرجلين التجديدي والإصلاحي في الفكر والتشريع في هذه المرحلة، ولا شك أنَّ ذلك سيسهم كثيراً في دفع عجلة التجديد ومسيرة الإصلاح الفكري عامة، والتشريعي خاصة، كما ذكر ذلك فضيلة الدكتور علي بن العجمي العشي بعد قرآءته للكتاب. وأصل الدراسة كانت رسالة علمية نال بها الدكتور الماجستير في أصول الفقه من قسم الشرية والقانون التابع بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة إفريقيا العالمية بالسودان عام 2002م.
ثم ظهرت دراسات وبحوث ضخمة تسهم في إبراز آراء فقهاء اندسرت كتبهم وأخرى أقوالهم متفرقة في بطون كتب الفقه. وهكذا استمر الباحثون – ليس في الصومال – فحسب وإنما غيرهم على انجاز دراسات تبرز قيمة الآراء الفقهية لبعض الأعلام الشافعية وغيرهم مثل دراسة " الإمام الآخري وآراؤه  الفقهية " للشيخ الكتور قيس عبد الغفور نجم الخفاجي الذي استنبط منهجه الفقهي من آرائه ثم جمع المسائل الفقهية موزعة على أبواب الفقه، في ذكر رأي الإمام الآجري ثم رأي من يوافقه ثم آراء الآخرين مع ذكر أدلة كل مذهب، ثم الترجيح في نهاية كل مسألة معتمداً على قوَّة الأدلة مع مراعاة التيسير على العباد .كما قام الأستاذ هادي حسين الكرعاوي خدمة مماثلة في كتابه ( ابن جنيد وآراؤه الفقهية، دراسة في فقه الحجر ).
أما فضيلة الشيخ عبد الله علي جيله أحد الأعلام المشهورين في منطقة القرن الإفريقي صار حاضراً في ميدان العلم والمعرفة كعادته ولاسيما في استحضار الفقهاء الكبار في ذاكرته من خلال كتابه المسمى ( مقدمة في قواعد الفقهية )
وذلك عند ما أراد أن يخدم لتراث العالم الحافظ أبي بكر بن أبى القاسم بن أحمد بن محمد بن أبى بكر الأهدلى الحسينى اليمنى التهامى الشافعي المتوفى عام 1035ه، وقد أراد المؤلف أن تكون مقدمته هذه مقدمة لكتاب الأقمار المضيئة للشيخ الأهدل المشار إليه آنفاً. وقد جاءت هذه المقدمة الأنيقة حوالي 17 صفحة وهي رسالة لطيفة عبارة عن مقدمة مفيدة جمع فيها الشيخ علمه الغزير وفهمه الكثير وعصارة جهده القدير.
ولا شك إنّه من المفيد لمحاولة هؤلاء الباحثين والكُتّاب في تفحص مدارك الفقهاء الشرعية في استنباطهم للأحكام وكيفية استدلالهم عليها بمختلف الأدلة وكيفية استيعابهم للأقوال المتعددة للخروج بحكم يطمئن إليه، وهو أمر يثري البحث العلمي ويبعث في نفوس طلبة العلم الأمل والاندفاع إلى خوض هذا التراث الإسلامي الواسع.