![]() |
| د. محمد حسين معلم |
جهود
أهل الصومال في خدمة المذهب الشافعي 8
بين الفتوى والقضاء:
وظالما يتشابه بين منصبي الفتوى والقضاء
فإننا نرى بعض الأحيان من تولى منصب القضاء قد زاوله في الوقت نفسه الإفتاء واشتهر
بأنّه مفتي البلاد، مما يدل على أنّ الفتوى تشترك مع القضاء في بعض الوجوه بحيث أن
كلا منهما إخبار عن حكم الله تعالى ولذلك ينبغي لكل منهما أن تتوفر لديه شروط
الاجتهاد، على الرغم أن القضاء ينحصر في فصل الخصومات و قطع المنازعات بل ويلزم
على المكلف، بخلاف الفتوى التي لا يلزم فيه من جهة المفتى وكذا المستفتي. ولكن من
ناحية أخرى فإن اصدار الفتوى تعم أحكام
الدنيا والآخرة، بخلاف القضاء التي تنحصر فقط في دنيانا، ومن هنا يقال إنّ مقام
الفتوى أعظم خطراً من القضاء من حيث أن حكم الفتوى يتعلق بالمستفتي وبغيره وكل من
يريد أن يزالها ويستفيد منها.
ومن الصعب
ومن المفيد الرجوع إلى ما تبقى من تراثنا
التاريخي والحضاري، على الرغم مما حصل
عليه من الدمار والضياع في الفترة السابقة بما فيها المكتبات الخاصة
والعامة – مثل الدواوين والسجلات التي دونت أخبار المحاكم وفصل
الخصومات عبر التاريخ، لعلنا نحصل ما يغني من الجوع، مثل " ديوان قضايا الخصومات والمرافقات في محكمة جالكعيو " الذي أعده الشيخ محمد محمود طيري
، القاضي المشهور في عصره في وسط الصومال وكذا في منطقة الأوغادين. هذا الديوان أعده القاضي محمد وهو عبارة عن بعض
القضايا والخصومات التي حكمها القاضي بين المتنازعين في المجتمع الصومالي ولاسيما
ما كان يجري في محكمة جالكعيو علما أن محكمة جالكعيو كانت تشمل مناطق مختلفة
وأراضي شاسعة من طوسمريب وحتى منطقة وورطير في غرب الصومال. ورغم أن الكتاب قد جمع
القاضي ما كان يتعلق بعمله القضائي والذي كان يلزم فصل الخصومات وردّ المظالم إلى أهلها
إلا أن هذا الديوان يمتاز بأن صاحبه زجّ بعض القضايا الفقهية والأصولية التي لها
علاقة بالحكم والقضايا المحكومة وبعض تفنيد المسائل وكشف الملابسات مبينا بكفية
الوصول القاضي بحكمه. ومن خلال هذا الديوان نستشف
بأن القضاء كان له علاقة قوية بسلطة عصره حتى ولو كانت تلك السلطة غير مسلمة مثل
الاستعمار الإيطالي طالما أن الحكم يسير وفقا على الشريعة الإسلامية وخاصة المذهب
الشافعي المنتشر في المنقطة حتى يكون القاضي موقف القوة وذات الشوكة يستمد سلطته
من السلطات ليسهل تنفيد القضايا والأمور التي تمكن القاضي الحكم عليها. ويمتاز هذا الديوان
بأنّ صاحبه وهو الشيخ محمد محمود طيري كان متبحرا بالفقه وأصوله لذلك كان من
البداهة إذا اسندت إليه منصب القضاة في زمنه.
وقد مارس القضاة في مدينتي جالكعيو ووطير في
الثلاثينيات والأربعينات من القرن المنصرم. ومن المعلوم أنّ الشريعة الإسلامية هي أساس السند والمعتمد التي يستمد منه
النظام القضائي في عالمنا الإسلامي، وعلى هذا ينطلق أغلب القوانين من روح الشريعة
من فهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والمصالح المرسلة التي تواكب
الزمان والمكان ، وعند ما يصدر القضاة الأحكام القضائية عند فصل الخصومات وقطع
المنازعات يفترض أن يكون حكمهم منبثقاً ومعتمداً على هذا المفهوم، لأنّ مصداقية
القوانين والتزامها تستدعي من هذه الناحية، وإذا حصل أي خطأ – وما أكثر الأخطاء التي ارتبكها القضاة طلباً للدنيا أو
مجاملة للحاكم – كان من جانب القاضي لا من حيث الاعتبار بالقوانين التي
اتفق عليها أهل الحل والعقد.
وما أكثر ممن تولى منصب القضاء ثم اشتهر
بالفتوى في عصرنا، ولعل ذلك يحتاج إلى تتبع وبحث مستقل، غير أنّه يحضرني في هذه
العجالة وفي هذا الإطار صاحب المعالي فضيلة الشيخ موجه درر سمتر
رحمه الذي اشتهر بمنصب القضاء في جيبوتي ثم عين مفتى البلاد في جيبوتي حتى جاء أحد
العلماء في ذلك القطر وهو الشيخ عبد الله عبد القادر الجيلاني وكتب كتاباً سماه:
" القاضي فضيلة الشيخ موجه درر سمتر – دوره ورحلاته في دعم القضاء الشرعي
ونشر الدعوة الإسلامية بجمهورية جيبوتي" ويظهر الكتاب بأنّ المؤلف يحاول أن
يغطي على رحلات القاضي موجه وجهوده في ذلك المنصب.
وقد استحق قاضي موجه بهذا الاهتمام وهو عالم وقاضي وسياسي، تنسم أرقى المناصب في جيبوتي وأصبح الشخصية الاجتماعية
الأولى في البلد بفعل منصبه كقاضي القضاة ومفتي البلاد، علماً أنّ القاضي نفسه ألف
بعض رسائل عن القضاء مثل كتابه " تنظيم القضاء الشرعي في جيبوتي " ،
وكذلك كتابه " تنظيم القضاء عند العيسى ".
![]() |
| خريطة ا لصومال الكبرى |
وبلاد الصومال الكبير – سواء
ما يعرف الآن جمهورتي الصومال وجيبوتي أو حتى تلك المناطق التي تأتي تحت سيطرة كلا
من إيثوبيا وكينيا - كانت لها خصوصياتها ويظهر أنّه كان متلازماً ومتلاحماً بين
القضاء والفتوى وخاصة إذا عرفنا أن منصب القضاء لم يكن يتولى إلا الفقهاء ومن له إلمام بالعلوم الإسلامية
وأحكام الشريعة الإسلامية، على الرغم أنّه انضم إلى السلك القضائي ممن عاد الرحلة
العلمية في الخارج والذين تخصصوا في القانون والحقوق ما بعد استقلال الجمهورية
الصومالية في عام 1960م ، ومع ذلك كان ممن يجيد أحكام الشريعة الإسلامية حاضراً في
الميدان، ومن هنا كان عالم الشريعة والفقيه
يقضي بين المتخاصمين بصفته قاضياً، وفي الوقت نفسه ربما كان يقوم بمقام المفتي
الذي يفتي بعض المسائل في ضوء الفقه الشافعي وفهمه بأحكام الشريعة عند ما يلجأ
إليه الناس. ولعل ذلك يتضح جلياً عند عودة الدواوين القضائية وما تبقى الآن من
مدونات القضاء التي يمتلكه بعض الأسر أو مما هو محفوظ في مكتبات الدوائر
الاستعمارية في البرتغال والمملكة المتحدة وإيطاليا وفرنسا.
ولكن بعض الدراسات المعاصرة
تؤكد عدم تطابق بين الشريعة الإسلامية وبعض القوانين الوضعية في الدستور الصومالي
بعد استقلال البلاد في بعض حيثيات، مثل تلك الدراسة الأكاديمية التي قدمت الباحثة
الصومالية القديرة الأستاذة صفية محمود محمد وذلك عبر بحثها " نظام العقوبات
في الصومال ( القتل، السرقة والزنا) "، وهي في الحقيقة دراسة تحليلية في ضوء
الشريعة الإسلامية ولا سيما فيما يتعلق بجرائم القتل والسرقة والزنا وعقوبتهم في
القانون الصومالي مقارنة بالشريعة الإسلامية من حيث الموافقة والمخالفة. والصومال دولة مسلمة لشعبها، ودينها الرسمي الإسلام، كما
نص ذلك الدستور، مما يفترض أن تكون قوانيها وأنظمتها ودستورها المستقاةً الشريعة
الإسلامية، إلا أنّ الواقع جاء خلاف هذا الفرض كما توصلت الباحثة في دراستها التي
نالت بدرجة الماجستير في القضاء والسياسة الشرعية من كلية العلوم الإسلامية، قسم
الفقه وأصوله بجامعة المدينة العالمية بماليزيا. ولعل هناك دراسات مماثلة
تضاهي ما ذهبت إليه الباحثة لأنّ البحث العلمي لا نهاية له طالما أدواته متوفرة،
والحاجة إليه ملحة.
الصومال وانحراف الفتوى
![]() |
| الشيخ عبد الله بن بيه |
وقد حدث انحراف
خطير في صناعة الفتوى في العالم الإسلامي عموماً وبلاد الصومال خصوصاً في العصر
الحاضر نتيجة ابتعاد الناس عن المعايير والموازين التي كانت توزن الشريعة
الإسلامية عبر المجاميع الفقهية المعتبرة. وقد خصصت قناة الجزيرة حلقة كاملة عبر
برنامجها " الشريعة والحياة في 15/ 11/ 2009م حول ذلك عندما استضافت العلامة
عبد الله بن بيه نائب رئيس اتحاد علماء المسلمين الذي أكد بدوره فساد الفتاوى التي
تحض على إهدار الدماء كما يفعل بعض طلبة العلم في الصومال، ويرفض أن تكون الفتوى
بوابة للاقتتال والفتنة.
وقدم الشيخ عبد الله بن بيه توصيفاً فقهياً لما يسود حالة
الفتوى في العالم الإسلامي، مع تطبيق على نموذج الصومال، الذي قدمه بوصفه معبرا عن
تراجع العقلية الإسلامية في فهم الشريعة، وفي منهجية تنزيل النصوص واضطرات المحل
الذي تنزل فيها النصوص. وقد تابع العلامة عبد الله بن بيه تحليله للنموذج الصومالي
في التوظيف الإفتائي، على مستوى الاستخدام والتطبيق في مجال التكفير، وحالة الاستيلاد
الذين يبنون عليها أحكامهم. وأكد بن بيه أن الفتاوى لابد من تنزيلها على الواقع
وتحقيق المقاصد، ووضعها في عين الاعتبار،
وتحديد المصالح والمفاسد التي يتم إصدار
الفتوى من أجلها، أي أن يتم تنزيل الفتوى تنزيلا سليما مستندا إلى الدليل والحكم
الشرعي. وعن قضية سيولة الفتوى وكثرة إصدار الفتاوى التي يطلقها الشيوخ عبر
الفضائيات وغيرها، أكد بن بيه أن هناك أصولا لابد أن يكون المسلم على دراية بها
وألا يسأل فيها، مثل قضية الحرية، وبراءة الذمة؛ حيث وصف فضيلته مثل هذه الأمور
بالأصول التي لابد أن يكون المسلم ملما بها وألا يسأل فيها. وأكد بن بيه أن الخلل
في صناعة الفتوى اليوم يرجع إلى عدم احترام معايير الفتوى، والمتمثل في احترام
الجزئيات في مقابل الكليات، ثم عقد مقابلة بين الاثنين حتى يكون بينهما تفاعل
وتفاوض وتفاهم، وشدد على أن ضبط الفتوى يكون من خلال ضبط الفتوى بمنهجية، ومنهجية
الفتوى تبدأ بأصول الفتوى المستمدة من الكتاب والسنة وما يستنبط عنهما. (http://binbayyah.net/arabic/archives/438 )
![]() |
| الشيخ عبد الله بن بيه |
الفتوى
بين الأمس واليوم
![]() |
| د. يونس عبدلي موسى |
ولأهمية
تاريخ الفتوى ومدلولاتها وضوابها، بل وأداتها وآدابها، وفقه النوازل والمستجدات، قام
أحد أهل العلم من منطقة القرن الإفريقي كتاباً مفيداً حول ذلك، فهذا فضيلة الأستاذ الدكتور
يونس عبدلي موسى يحيى أل الفقي المسّرِيّ قارن مسألة الفتوى في الماضي والحاضر في
كتابه ( الفتوى بين الأمس واليوم ) وقد ناقش فضيلة الدكتور – حفظه الله - ضوابط
الفتوى ومناهج المفتين،وتوحيد فتوي في النوازل. والكتاب مفيد يرشد القارئ لا سيما
طلبة العلم الشرعيّين ، ويُرسم لهم منهج السلف في الفتوى. وقد أورد المؤلف في
كتابه هذا معلومات مهمة تتعلق بالفتوى مشيراً بأنّه لا يجوز للمفتي الترويج وتحيير
السائل وإلقاؤه في الإشكال والحيرة، بل عليه أن يبّين بياناً مُزيلاً للإشكال
متضمناً لفصل الخطاب، كافياً في حصول المقصود لا يحتاج معه إلى غيره.













