Thursday, 25 May 2017



د. محمد حسين معلم


جهود أهل الصومال في خدمة المذهب الشافعي 8
بين الفتوى والقضاء:
وظالما يتشابه بين منصبي الفتوى والقضاء فإننا نرى بعض الأحيان من تولى منصب القضاء قد زاوله في الوقت نفسه الإفتاء واشتهر بأنّه مفتي البلاد، مما يدل على أنّ الفتوى تشترك مع القضاء في بعض الوجوه بحيث أن كلا منهما إخبار عن حكم الله تعالى ولذلك ينبغي لكل منهما أن تتوفر لديه شروط الاجتهاد، على الرغم أن القضاء ينحصر في فصل الخصومات و قطع المنازعات بل ويلزم على المكلف، بخلاف الفتوى التي لا يلزم فيه من جهة المفتى وكذا المستفتي. ولكن من ناحية أخرى فإن اصدار  الفتوى تعم أحكام الدنيا والآخرة، بخلاف القضاء التي تنحصر فقط في دنيانا، ومن هنا يقال إنّ مقام الفتوى أعظم خطراً من القضاء من حيث أن حكم الفتوى يتعلق بالمستفتي وبغيره وكل من يريد أن يزالها ويستفيد منها.
ومن الصعب
حصر ممن زاول منصب الفتوى والقضاء في أي قطر من الأقطار عبر التاريخ، غير أننا نحاول أن نشير إلى بعض هؤلاء الذين تولوا  ذلك، وبمجرد الرجوع إلى مصادرنا الإسلامية في العصور الماضية وخاصة المصادر اليمنية لعلنا نجد ممن تصدى أمر الفتوى في الديار اليمنية على الرغم أنّ لهم أصول فيما كان يعرف في التاريخ الإسلامي بلاد الحبشة سواء كانوا الزيالعة والجبرتية أو كانوا من الفئات المسلمين المختلفة في المنطقة، علماً أنّ لقب الزيلعي أو الجبرتي كان يطلق على كل من قدم على الجزيرة العربية من جهة الحبشة تمييزاً على الأحباش غير المسلمين، وإن كان فيما بعد وجدت طوائف وجماعات اشتهرت بتلك الألقاب في بلاد اليمن والصومال وإرتيريا وإيثوبيا، كما بيّنا في أكثر من مكان.
ومن المفيد الرجوع إلى ما تبقى من تراثنا التاريخي والحضاري، على الرغم مما حصل عليه من الدمار والضياع في الفترة السابقة بما فيها المكتبات الخاصة والعامة – مثل الدواوين والسجلات التي دونت أخبار المحاكم وفصل الخصومات عبر التاريخ، لعلنا نحصل ما يغني من الجوع، مثل " ديوان قضايا الخصومات والمرافقات في محكمة جالكعيو " الذي أعده الشيخ محمد محمود طيري ، القاضي المشهور في عصره في وسط الصومال وكذا في منطقة الأوغادين. هذا الديوان أعده القاضي محمد وهو عبارة عن بعض القضايا والخصومات التي حكمها القاضي بين المتنازعين في المجتمع الصومالي ولاسيما ما كان يجري في محكمة جالكعيو علما أن محكمة جالكعيو كانت تشمل مناطق مختلفة وأراضي شاسعة من طوسمريب وحتى منطقة وورطير في غرب الصومال. ورغم أن الكتاب قد جمع القاضي ما كان يتعلق بعمله القضائي والذي كان يلزم فصل الخصومات وردّ المظالم إلى أهلها إلا أن هذا الديوان يمتاز بأن صاحبه زجّ بعض القضايا الفقهية والأصولية التي لها علاقة بالحكم والقضايا المحكومة وبعض تفنيد المسائل وكشف الملابسات مبينا بكفية الوصول القاضي بحكمه. ومن خلال هذا الديوان نستشف بأن القضاء كان له علاقة قوية بسلطة عصره حتى ولو كانت تلك السلطة غير مسلمة مثل الاستعمار الإيطالي طالما أن الحكم يسير وفقا على الشريعة الإسلامية وخاصة المذهب الشافعي المنتشر في المنقطة حتى يكون القاضي موقف القوة وذات الشوكة يستمد سلطته من السلطات ليسهل تنفيد القضايا والأمور التي تمكن القاضي الحكم عليها. ويمتاز هذا الديوان بأنّ صاحبه وهو الشيخ محمد محمود طيري كان متبحرا بالفقه وأصوله لذلك كان من البداهة إذا اسندت إليه منصب القضاة في زمنه.
وقد مارس القضاة في مدينتي جالكعيو ووطير في الثلاثينيات والأربعينات من القرن المنصرم. ومن المعلوم أنّ الشريعة الإسلامية هي أساس السند والمعتمد التي يستمد منه النظام القضائي في عالمنا الإسلامي، وعلى هذا ينطلق أغلب القوانين من روح الشريعة من فهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والمصالح المرسلة التي تواكب الزمان والمكان ، وعند ما يصدر القضاة الأحكام القضائية عند فصل الخصومات وقطع المنازعات يفترض أن يكون حكمهم منبثقاً ومعتمداً على هذا المفهوم، لأنّ مصداقية القوانين والتزامها تستدعي من هذه الناحية، وإذا حصل أي خطأ وما أكثر الأخطاء التي ارتبكها القضاة طلباً للدنيا أو مجاملة للحاكم كان من جانب القاضي لا من حيث الاعتبار بالقوانين التي اتفق عليها أهل الحل والعقد.
وما أكثر ممن تولى منصب القضاء ثم اشتهر بالفتوى في عصرنا، ولعل ذلك يحتاج إلى تتبع وبحث مستقل، غير أنّه يحضرني في هذه العجالة وفي هذا الإطار صاحب المعالي فضيلة الشيخ موجه درر سمتر رحمه الذي اشتهر بمنصب القضاء في جيبوتي ثم عين مفتى البلاد في جيبوتي حتى جاء أحد العلماء في ذلك القطر وهو الشيخ عبد الله عبد القادر الجيلاني وكتب كتاباً سماه: " القاضي فضيلة الشيخ موجه درر سمتر – دوره ورحلاته في دعم القضاء الشرعي ونشر الدعوة الإسلامية بجمهورية جيبوتي" ويظهر الكتاب بأنّ المؤلف يحاول أن يغطي على رحلات القاضي موجه وجهوده في ذلك المنصب.
 وقد استحق قاضي موجه بهذا الاهتمام وهو عالم وقاضي وسياسي، تنسم أرقى المناصب في جيبوتي وأصبح الشخصية الاجتماعية الأولى في البلد بفعل منصبه كقاضي القضاة ومفتي البلاد، علماً أنّ القاضي نفسه ألف بعض رسائل عن القضاء مثل كتابه " تنظيم القضاء الشرعي في جيبوتي " ، وكذلك كتابه " تنظيم القضاء عند العيسى ".
خريطة ا لصومال الكبرى
وبلاد الصومال الكبير – سواء ما يعرف الآن جمهورتي الصومال وجيبوتي أو حتى تلك المناطق التي تأتي تحت سيطرة كلا من إيثوبيا وكينيا - كانت لها خصوصياتها ويظهر أنّه كان متلازماً ومتلاحماً بين القضاء والفتوى وخاصة إذا عرفنا أن منصب القضاء لم يكن يتولى  إلا الفقهاء ومن له إلمام بالعلوم الإسلامية وأحكام الشريعة الإسلامية، على الرغم أنّه انضم إلى السلك القضائي ممن عاد الرحلة العلمية في الخارج والذين تخصصوا في القانون والحقوق ما بعد استقلال الجمهورية الصومالية في عام 1960م ، ومع ذلك كان ممن يجيد أحكام الشريعة الإسلامية حاضراً في الميدان، ومن هنا  كان عالم الشريعة والفقيه يقضي بين المتخاصمين بصفته قاضياً، وفي الوقت نفسه ربما كان يقوم بمقام المفتي الذي يفتي بعض المسائل في ضوء الفقه الشافعي وفهمه بأحكام الشريعة عند ما يلجأ إليه الناس. ولعل ذلك يتضح جلياً عند عودة الدواوين القضائية وما تبقى الآن من مدونات القضاء التي يمتلكه بعض الأسر أو مما هو محفوظ في مكتبات الدوائر الاستعمارية في البرتغال والمملكة المتحدة وإيطاليا وفرنسا.
ولكن بعض الدراسات المعاصرة تؤكد عدم تطابق بين الشريعة الإسلامية وبعض القوانين الوضعية في الدستور الصومالي بعد استقلال البلاد في بعض حيثيات، مثل تلك الدراسة الأكاديمية التي قدمت الباحثة الصومالية القديرة الأستاذة صفية محمود محمد وذلك عبر بحثها " نظام العقوبات في الصومال ( القتل، السرقة والزنا) "، وهي في الحقيقة دراسة تحليلية في ضوء الشريعة الإسلامية ولا سيما فيما يتعلق بجرائم القتل والسرقة والزنا وعقوبتهم في القانون الصومالي مقارنة بالشريعة الإسلامية من حيث الموافقة والمخالفة. والصومال دولة مسلمة لشعبها، ودينها الرسمي الإسلام، كما نص ذلك الدستور، مما يفترض أن تكون قوانيها وأنظمتها ودستورها المستقاةً الشريعة الإسلامية، إلا أنّ الواقع جاء خلاف هذا الفرض كما توصلت الباحثة في دراستها التي نالت بدرجة الماجستير في القضاء والسياسة الشرعية من كلية العلوم الإسلامية، قسم الفقه وأصوله بجامعة المدينة العالمية بماليزيا. ولعل هناك دراسات مماثلة تضاهي ما ذهبت إليه الباحثة لأنّ البحث العلمي لا نهاية له طالما أدواته متوفرة، والحاجة إليه ملحة.

الصومال وانحراف الفتوى

الشيخ عبد الله بن بيه

وقد حدث انحراف خطير في صناعة الفتوى في العالم الإسلامي عموماً وبلاد الصومال خصوصاً في العصر الحاضر نتيجة ابتعاد الناس عن المعايير والموازين التي كانت توزن الشريعة الإسلامية عبر المجاميع الفقهية المعتبرة. وقد خصصت قناة الجزيرة حلقة كاملة عبر برنامجها " الشريعة والحياة في 15/ 11/ 2009م حول ذلك عندما استضافت العلامة عبد الله بن بيه نائب رئيس اتحاد علماء المسلمين الذي أكد بدوره فساد الفتاوى التي تحض على إهدار الدماء كما يفعل بعض طلبة العلم في الصومال، ويرفض أن تكون الفتوى بوابة للاقتتال والفتنة. 
وقدم الشيخ عبد الله بن بيه توصيفاً فقهياً لما يسود حالة الفتوى في العالم الإسلامي، مع تطبيق على نموذج الصومال، الذي قدمه بوصفه معبرا عن تراجع العقلية الإسلامية في فهم الشريعة، وفي منهجية تنزيل النصوص واضطرات المحل الذي تنزل فيها النصوص. وقد تابع العلامة عبد الله بن بيه تحليله للنموذج الصومالي في التوظيف الإفتائي، على مستوى الاستخدام والتطبيق في مجال التكفير، وحالة الاستيلاد الذين يبنون عليها أحكامهم. وأكد بن بيه أن الفتاوى لابد من تنزيلها على الواقع وتحقيق المقاصد، ووضعها في عين الاعتبار،

الشيخ عبد الله بن بيه
 وتحديد المصالح والمفاسد التي يتم إصدار الفتوى من أجلها، أي أن يتم تنزيل الفتوى تنزيلا سليما مستندا إلى الدليل والحكم الشرعي. وعن قضية سيولة الفتوى وكثرة إصدار الفتاوى التي يطلقها الشيوخ عبر الفضائيات وغيرها، أكد بن بيه أن هناك أصولا لابد أن يكون المسلم على دراية بها وألا يسأل فيها، مثل قضية الحرية، وبراءة الذمة؛ حيث وصف فضيلته مثل هذه الأمور بالأصول التي لابد أن يكون المسلم ملما بها وألا يسأل فيها. وأكد بن بيه أن الخلل في صناعة الفتوى اليوم يرجع إلى عدم احترام معايير الفتوى، والمتمثل في احترام الجزئيات في مقابل الكليات، ثم عقد مقابلة بين الاثنين حتى يكون بينهما تفاعل وتفاوض وتفاهم، وشدد على أن ضبط الفتوى يكون من خلال ضبط الفتوى بمنهجية، ومنهجية الفتوى تبدأ بأصول الفتوى المستمدة من الكتاب والسنة وما يستنبط عنهما. (http://binbayyah.net/arabic/archives/438 )
الفتوى بين الأمس واليوم
د. يونس عبدلي موسى
ولأهمية تاريخ الفتوى ومدلولاتها وضوابها، بل وأداتها وآدابها، وفقه النوازل والمستجدات، قام أحد أهل العلم من منطقة القرن الإفريقي كتاباً مفيداً حول ذلك، فهذا فضيلة الأستاذ الدكتور يونس عبدلي موسى يحيى أل الفقي المسّرِيّ قارن مسألة الفتوى في الماضي والحاضر في كتابه ( الفتوى بين الأمس واليوم ) وقد ناقش فضيلة الدكتور – حفظه الله - ضوابط الفتوى ومناهج المفتين،وتوحيد فتوي في النوازل. والكتاب مفيد يرشد القارئ لا سيما طلبة العلم الشرعيّين ، ويُرسم لهم منهج السلف في الفتوى. وقد أورد المؤلف في كتابه هذا معلومات مهمة تتعلق بالفتوى مشيراً بأنّه لا يجوز للمفتي الترويج وتحيير السائل وإلقاؤه في الإشكال والحيرة، بل عليه أن يبّين بياناً مُزيلاً للإشكال متضمناً لفصل الخطاب، كافياً في حصول المقصود لا يحتاج معه إلى غيره.

Saturday, 20 May 2017





جهود أهل الصومال في خدمة المذهب الشافعي 7
في مجال الفتوى والإفتاء ( القسم الثاني )
تابع للفتاوي الصومالية عبر التاريخ:
د. محمد حسين معلم
من ناحية أخرى كانت تصل إلى أهل العلم في الصومال بعض المسائل الفقهية والشرعية المستعصية من أقطار إفريقية أخرى أو من أطراف بلاد الصومال الكبير، كما حصل ذلك للعلامة الشيخ علي بن محمد بن صديق بن عثمان المشهور بالشيخ علي ميه الدرقبي البكري المركي بحيث كانت له مراسلات واتصالات بينه وبين سلاطين سلطنة زنجبار الإسلامية الذين ينحدرون من أصول عمانية من آل البوسعيدي، وقد بعث الوالي البو سعيدي في زنجبار إلى الشيخ علي ميه في مدينة مركه الساحلية في جنوب الصومال رسالة تحمل في طياتها بعض الأسئلة يطلب فيها السلطان إجابة لسؤال نفاذه الحيّ أفضل أم الميت؟ وذلك أن أحد القساوسة النصاري جاء إلى هذا الوالي في زنجبار فطرح عليه هذا السؤال فأجاب الوالي الحيّ أفضل من الميت، فقال القسّ إذاً عيسى أفضل من محمد، لأنّكم تقولون إنّ عيسى حي لم يقتل بل رفعه الله و أنه سينزل في آخر الزمن ، ومحمد مات ، فتحيّر الوالي، ثم راسل  إلى الشيخ علي بن ميه رسالة يستفسر الأمر ويطلب منه إجابة شافية في المسألة. فشرع الشيخ يجيب رسالة السلطان ولكن عن طريق كتابة علمية كتب فيها رسالة لطيفة يجيب فيها عن هذا السؤال، و قد أطلق رسالته هذه ( وردية الليب في فضل الحبيب ) فبدأ الشيخ حديثه يذكر معنى الفضيلة ومدولها مازجاً كلامه بالمنطق وعلم الكلام ، وناقش الأفضلية حيث بحث المسألة برمّتها في منظور حسّي ، واستدل الشيخ علي بن ميه في ذلك من الكتاب والسنة وبعض أقوال العلماء كالشيخ أحمد بن حجر الهيتمى والشيخ جلال الدين السيوطي والشيخ محمد البوصيري والشيخ إبراهيم بن محمد البيجوري. والرسالة مازالت مخطوطة في 12 ورقة في كل ورقة 13 سطراً. 

وهناك واقعة مماثلة حدثت مع الشيخ علي بن حاج عبد الرحمن فقيه المشهور بشيخ علي المجيرتيني، ولكن من داخل القطر الصومال الكبير وذلك عند ما وصلت إلى فضيلته رسالة مكتوبة من أقصى الحدود الصومالية من ناحية الغرب مع الحبشة  تسـأل عن بعض المسائل ليجيب عنها ويعطي جواباً شافياً ومقنعاً لمن استفتاه . فما كان الشيخ علي إلاّ أن يجيب على هذه الأسئلة عن طريق كتابة علمية أيضاً فدوّن الأسئلة وإجابتها في كتاب سماه ( الأجوبة الغيبية للسؤلات الغربية )، ومع إجابة الشيخ بهذه الأسئلة الدينية ارتفعت مكانته العلمية، وأصبح الناس يعجبون بغزارة علمه وقدرته في الفتيا، وبالتالي لم تنقطع الأسئلة تصل إلى مقر الشيخ ومجالسه العلمية، وحينما انهالت العديد من الأسئلة الدينية علي الشيخ  وكثر من يستفتى إليه، شرع في مشروع ديني عبارة عن تأليف رسالة علمية يجيب فيه عن بعض هذه الأسئلة ويضع بعض قواعد للفتيا والمستفتى له فسمى كتابه هذا: (فتح الوليّ في أجوبة الشيخ علي).
وهكذا كان دور أهل العلم في الصومال، وخاصة الفقهاء الذين برعوا في الفقه وفاقوا أقرانهم، حتى لجأت الأمة إليهم تستفتيهم وتسأل عن أمور دينهم . ولا شكّ أنّ هذه النماذج من أهل العلم ودورهم في الفتوى تؤكد مدى اهتمام العلماء والفقهاء باصلاح الأمة وأداء رسالتهم الإسلامية بين الناس، إحساسا بالمسؤلية الكبيرة الملقاة على عواتقهم تجاه مهمتهم المنوطة إليهم، ابتغاءً بمرضاة الله سبحاته وتعالى دون اعتبارات اقتصادية وسياسية أخرى، خلافاً لما نشاهد اليوم في أوساط الدعاة والوعاظ.
 إرشاد الطالب إلى أحكام الشارب
 وهناك كمّ هائل من الأسئلة تستفتي أهل العلم وتطلب منهم الإيضاح والتبيين في بعض أمور دينهم، وقد أجاب العلماء لهذه الأسئلة ولكن أجوبة العلماء جاءت على قالب أدبي موزون تجيب عن الأسئلة الدينية التي وجهدت إليهم، بمعنى أنّ الأجوبة جاءت عن طريق الشعر المقفى ليسهل الناس بالحفظ، كما كان يفعل فضيلة الشيخ عبد الله إسحاق الدراويّ البارطيريّ، ويقال أنّه نظم مسائل فقهية في أبواب العبادات والبيوع والديات. وكان الشيخ عبد الله إساق هذا يركز على الجوانب العقدية ثم الفقهية. وقد بلغني أنّ الشيخ أحمد السوداني بمدينة منديرا في كينيا من عشيرة الشيخ لديه  مخطوطة عبارة عن قصائد الشيخ مكتوبة بالحرف العربي ولكنها بلهجة قبائل الرحنوين.
نماذج من شعر الشيخ عبد الله إساق حول العقيدة باللهجة الرحنونية. 

ومثل ذلك فعل فضيلة الشيخ على عبد الرحمن فقيه الذي أشرنا من قبل ودوره في الإفتاء، غير أننا نشير هنا إلى أن بعض فتاوي الشيخ كانت تتم بعض الأحيان من خلال الشعر والأدب السائر ، عندما كان يوجه إليه الأسئلة يجيب عليها الشيخ بالشعر وكان أغلبها تتم باللغة الصومالية، ليسهل فهمها ولاسيما العامة، لأنّ الأدب وخاصة الشعر ومناحيه أكثر تأثيراً وأبلغ فهماً من النثر في أوساط أهل الصومال في تلك المناطق وغيرها، ولكنّ من الأسف الشديد ما زالت أشعار الشيخ متفرقة في صدور الناس ، ولو حاول البعض جمعها ولملمتها لكان أحسن بدلاً من إضاعتها.
معالي الوزير سعيد حسين عيد

ومن المفيد أن أشير هنا إلى أن هذه النقطة تناولتُ مع معالي الوزير الأستاذ سعيد حسين عيد قبل 25 سنه بعد لقائنا في مقديشو عند ما كان معاليه رئيس تحرير مجلة رياغ التي كانت تصدر في مدينة جرووي في شمال الشرق الصومال، وكان على يد الأخ مخطوطة " الأجوبة الغيبية للسؤالات الغربية ( أجوبة الغيبية في أسئلة الغربية ) وحينها وعد الأخ محاولة ذلك وعرض الأمر على ورثة الشيخ في إحياء تراث الشيخ وإنقاذه، ولا أدري ماذا حصل فيما بعد. كما تحدثتُ الأمر نفسه للمؤرخ الصومالي الكبير الراحل الشيخ جامع عمر عيسى – رحمه الله – وكان  الشيخ جامع هذا حافظاً عدداً من الأبيات الشعرية المنسوبة إلى الشيخ علي عبد الرحمن فقيه ، علماً أنّه كتب فيما بعد كتاباً حول الشيخ علي وتراثه.
مع الشيخ جامع في نيروبي 1998م
 
ولا ننسى فتاوي الشيخ علي حاج إبراهيم الإسحاقي – رحمه الله - أحد علماء الصومال المشهورين في مدينة بربرا الساحلية، وقد أشار فضيلته بهذه  الفتاوي وأنها جاءت عقب الأسئلة التي وجهها البعض إلى فضيلته كما جاء ذلك في كتابه ( الفتاوي والأسئلة الشرعية والعلمية )، وقد بين الشيخ في هذا الكتاب بعض الأحكام ا لشرعية التي طرحت في الساحة وأجوبته حسب كما كان يراه صواباً ، معتمداً على المذهب الشافعي الذي كان يجيد فضيلته رحمه الله.
 إرسال بعض الفتوى إلى الخارج:
وأحياناً إذا استعصى أمر الفتوى لظروف ما ، كان يضطر بعض  أهل العلم الاتصال إلى إخوانهم في العالم الإسلامي لكي يجدوا جواباً شافياً ومقنعاً  في مآربهم ظالما الأمر متعلق بديننا الحنيف، لأنّهم كانوا يرون في ذلك المسؤولية الكبيرة أمام الله سبحانه وتعالى خلافاً بما يحدث في زماننا  هنا وهناك التسرع بالفتوى مع عدم أهليتهم، نسأل الله سبحانه وتعالى العفو والعافية. وقد أشار بعض الباحثين إلى أن اهل الصومال كانوا أحياناً يلجؤون إلى أخوانهم في مصر، حيث كانوا لا يستغنون عن بعض المسائل التى تصعب عليهم ، لاسيما  علماء الأزهر، إذ كان الأزهر يلعب دوراً مهماً في إصدار الفتوى ويرسلها إلى الصومال ( كما ذكر ذلك الشيخ عبد الرحمن محمد النجار في كتابه الرحلة الدينية إلى إفريقيا ص 115 ).
ومهما كان الأمر فإنّ مقام المفتى كانت – ولا تزال – عالية بل ولا يكون أمره هيناً لدى العلماء الربانيين، وحتى ممن يطلق عليهم مفتى الديار في العالم الإسلامي في وقتنا الحاضر نراهم بأنّهم عبارة عن واجهة للمنصب  يحيث أنّهم يترأسون دار الفتوى للقطر ما، ويلتف حولهم كوكبة من أهل العلم والدراية لهم تخصصاتهم المختلفة ليس في علم الفقه وأصوله فحسب، وإنما في علوم أخري كالقرآن وعلومه والحديث وعلومه واللغة والأدب ، وعلم التاريخ. بل إنّ دار الفتوى أو مكتب المفتي علاقته مفتوحة إلى أهل الدراية في بعض التخصصات مثل الطب وغيره، وبهذه الطريقة تصون الشريعة ولا يحصل مخالفة كبيرة لإصدار الفتوى حتى ولو جانبوا الصواب، لأنّه من الصعب أن تجتمع الأمة على الباطل. وعلى هذا الوجه نرى في عصرنا الحاضر من يطلق عليهم مفتي الديار أو تعين الجهات الرسمية لبلد ما  مفتي عام.
علاقة الفتوى بالمذهب الشافعي:
فقد أشرنا من قبل أنّ الفقه عموماً ومجال الفتوى خصوصاً كان غالباً يتمحور حول المذهب الشافعي السائد في منطقة شرق إفريقيا ، غير أنّ التزام دائرة الإفتاء والفتوى على مذهب الإمام الشافعي لا يعني التقليد التام لاجتهادات فقهاء المذهب، بل للدائرة رؤية متقدمة في طريقة الاستفادة من جميع مفردات المذاهب الفقهية عند الضرورة كما هو الحال في قضية إرسال الزكاة إلى خارج البلاد. ومن الطبيعي أن يكون المذهب الشافعي مهيماً على الأروقة العلمية بعدد عوامل مثل عامل العلماء، لأن في البلاد عدد من العلماء الفقهاء من أهل الصومال تفننوا وتخصصوا بالفقه وأصوله على المذهب فقط دون غيره، وحتى العلماء المهاجرون الذين وصلوا إلى المنطقة أكثرهم كانوا فقهاء على مذهب الشافعي وكان لهم دروساً فقهيةً في حلقاتهم العلمية التي كانوا يديرون بها في المراكز والمساجد، كما أنّ المعلمين العرب فى المدارس كانوا شوافع. ويضاف إلى ذلك عاملاً آخر وهو طلبة العلم الذين نزحوا إلى اليمن والحجاز، وحينما وبعد انتهاء فترة طلب العلم عادوا إلى بلدانهم وهم شوافع وخاصة تلك الطلبة الذين كانوا في اليمن وبالذات منطقة زبيد، فقد عادوا المنطقة بحيث أصبحوا علماء ومفتين على المذهب الشافعي مثل العلامة المفتي داود بن أبي بكر الذي رحل إلى اليمن ثم الحجاز بجوار حرمي مكة والمدينة، وعاد إلى منطقة القرن الإفريقي بعد تحصيله العلمي. (انظر  عبد الله كديرأحمد: الهجرة وأثرها في انتشار الاسلام بإفريقيا (الحبشة نموذجا ( ص 165). وهناك عامل آخر يتعلق بنوعية الكتب بحيث أنّ معظم المصادر والكتب الفقهية التي كانت تأتي من الخارج  وخاصة من الديار المصرية واليمنية كانت على المذهب الشافعي، ومن هنا كان من البديهي أن استقى طلبة العلم على هذا المعين، وبالتالي برز في الساحة العلمية  كوكبة من الفقهاء الأجلاء اشتهروا في المنطقة وخاصة بجوانب الفقهية ، وهؤلاء كانوا منتشرين في أغلب المدن العلمية في الصومال ، كما انتشروا في أنحاء أخرى في العالم الإسلامي.  وقد أورد العلامة الجعدي بعضاً من هؤلاء الفقهاء من أهل الصومال
 Bilderesultat for ‫طبقات فقهاء اليمن‬‎
مثل : موسى بن يوسف ، وأبو القاسم بن عبد الله ، وإبراهيم بن محمد المثنى، وعبد الله بن عبد ، وأحمد بن المزكيان ، ثم أشار إلى أنّ هؤلاء نزحوا إلى اليمن  من مدينة مقديشو التي اشتهرت وبرزت في فترة من الفترات في الجوانب العلمية ،بل وقادت الحركة العلمية والثقافية في المنطقة (  أنظر فقهاء اليمن ص 209). إذاً فليست من الغرابة إذا زار بعض أهل العلم من الفقهاء الأجلاء إلى المنقطة لشهرة علمائها للفقه وأصوله، وممن زال المنطقة العلامة الفقيه والقاضي أبو عبد الرحمن حسين بن خلف المقيبعيّ - أحد فقهاء تهامة في اليمن المشهورين في القرن السادس الهجري - حيث زار مدينة زيلع سنة ست وخمسائة وكان فقيهاً فاضلاً عارفاً كاملاً أصولياً فروعياً  محدثاً ، كما أنه كان أحد فقهاء تهامة  المشهورين ، حيث اشتهر هذا الشيخ بعلمه الغزير وفقهه الواسع ( كما ذكر ذلك العلامة  الجعدي وأبو مخرمة).

Thursday, 11 May 2017



جهود أهل الصومال في خدمة المذهب الشافعي 6
د. محمد حسين معلم
في مجال الفتوى والإفتاء ( القسم الأول )
يتمتع الفقه الإسلامي مسائل كثيرة ومتنوعة مما له علاقة بجميع ميادين الحياة، بل ويندرج تحت علم الفقه وأصوله أموراً منها الفتوى والإفتاء والتي يُعدّ من القنوات الفقهية المعروفة بحيث كانت مزدهرة في الأروقة والمراكز العلمية في بلاد الصومال كغيرها من البلدان الإسلامية الأخرى ، بل لم تكن تخلو مثل هذا النشاط العلمي في الحلقات والاجتماعات الثقافية والعلمية التي كانت تعقد في البلاد ، وخاصة أنّ الأمة لم تكن تستغني عن ذلك المجال لحاجتها في ممارساتها اليومية لتستنير الطريق حتى  البلوغ إلى المراتب العليا ويزيد الإيمان ولا ينقص. وأنّ أهل العلم والاجتهاد في الصومال تطرقوا هذا الباب الواسع لحاجته  - كما أشرنا من قبل - ولم يكونوا عاكفين على التدريس وإلقاء الدروس فحسب، وإنما  كانوا يدلون بدلوهم في هذا الميدان مستخدمين بالمذهب الشافعي،  كما سنرى في السطور القادمة. 
والفتوى كما يعرّف به علماؤنا هو بيان حكم اللّه تعالى بمقتضى الأدلة، وعلى موجب هذا التعريف لم تكن مسألة الإفتاء هينة بل هي عظيم الخطر، كبير الموقع،  رغم أنّها كثير الفضل إذا وفق الله عبده، لأنّ المفتي وارث الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، كما ورد ذلك في مقدمة الإمام النووي رحمه الله في كتابه ( المجموع شرح المهذب )، وكان سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين وأئمة الدين يكرهون التسرع فى الفتوى ويود كل واحد منهم أن يكفيه إياها غيره، فإذا رأى أنها قد تعينت عليه بذل اجتهاده فى معرفة حكمها من الكتاب والسنة أو قول الخلفاء الراشدين ثم أفتى، والحق أنّهم كانوا – أي السلف الصالح رضي الله عنهم - يتهيبونها، ويودّون أن لو كفوا مؤونتها، ويقول أحدهم وهو عبدالرحمن بن أبي ليلى: " أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم-  ما منهم من محدث إلاّ ودّ أن أخاه كفاه الحديث، ولا مفت إلاّ ودّ أن أخاه كفاه الفتوى". ( أخرجه الدارمي في سننه في باب " من هاب الفتيا وكره التنطع والتبدع " ). وهكذا كان يرى العلماء حتى وصل الأمر إلى أن اعتبر أحدهم وهو الإمام الجليل ابن القيم الجوزية أبو عبد الله شمي الدين محمد بن أبي بكر المفتي موقعاً عن الله سبحانه وتعالى فيما يفتي به ، وألف في ذلك كتابه القيم " إعلام الموقعين عن رب العالمين".
ومن هنا لم يأت من فراغ عندما تحاشى العلماء في الصومال وغيرهم في مزاولة الفتوى والاسراع إليها إلا بالضرورة قاسية، بل كان بعضهم يتوقف عنها فلا يجيب بل يحيل إلى غيره أو يقول: لا أدري - خلافاً لما نشهد اليوم من التسرع وعدم الانضباط في مسألة الفتوى – أما العلماء الربانيون ... كيف لا يتهبون في ذلك وذاكرتهم قول إمامهم في المذهب، الإمام الشافعي رحمه الله الذي قال: " لا يحل لأحد يفتي في دين الله إلا رجلاً عارفًا بكتاب الله: بناسخه ومنسوخه، وبمحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، وما أريد به، وفيما أنزل، ثم يكون بعد ذلك بصيرًا بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ، وبالناسخ والمنسوخ، ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن، ويكون بصيرًا باللغة، بصيرًا بالشعر، وما يحتاج إليه للعلم والقرآن، ويستعمل مع هذا الإنصاف، وقلة الكلام، ويكون بعد هذا مشرفًا على اختلاف أهل الأمصار، ويكون له قريحة بعد هذا، فإذا كان هذا هكذا فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام، وإذا لم يكن هكذا فله أن يتكلم في العلم ولا يفتي" أنظر ( الرسالة للإمام الشافعي 1/509 ).
ومن الأهمية بمكان معرفة حقّ هذا المنصب العظيم، وأدب هذا المقام الرّفيع؛ حتّى تحفظ له حرمته، ويراعى حقّ أهله والقائمين به، وكان العالم يلجأ إليها إذا أحسّ بأنّ زهده عنها بمثابة كتمان العلم والحقيقة مع عدم نسيانهم بأنّ أمرها خطير وخاصة إذا عرفنا بأنّ الله سبحانه وتعالى تولى أمرها كما قال تعالى: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ).
أما الاستفتاء هي عبارة عن طلب الفتوى التي هي من أهم سبل التعلم ، إذ إن جميع فئات المجتمع المسلم قديماً وحديثاً تشترك في اتخاذها سبيلاً له، ولهذه الحاجة والمكانة التي تبوأتها الفتوى عُنيَ بها العلماء عناية عظيمة ، فبحثوا مسائلها في أبواب أصول الفقه ، كما صنفوا فيها التصانيف المختلفة ، المطولة والمختصرة، وما ذلك إلا لأهمية موضوع الفتيا وحاجة الأمة إليها، بالإضافة إلى خطورتها ، لذلك وضع عدد كبير من العلماء قديما وحديثاً مصنفات تتناول مسألة الفتوى وآداب المفتي والمستفتي. وليست من الغرابة إذا صنف أهل العلم عموماً في أمر الفتوى والمفتي والمستفتى لأنّ الأمر يتعلق بالدين الإسلامي وأحكام الشريعة، ومن هؤلاء العلماء العلامة أبو القاسم  عبد الواحد بن الحسين بن محمد الصيمري صاحب كتاب ( أدب المفتي والمستفتي )، والحافظ أحمد بن علي بن ثابت أبو بكر الخطيب البغدادي الذي وضع كتابه ( الفقيه والمتفقة ). وممن ألف في أمر الفتوى أيضاً المحدث عثمان بن عبد الرحمن، أبو عمرو، تقي الدين المعروف بابن الصلاح بحيث ألف كتاب ( أدب المفتي والمستفتي ). ثم بعد كل هؤلاء جاء العلامة يحيى بن شرف النووي أبو زكريا الشافعي الدمشقي، وقد استفاد المصنفات الثلاثة السابقة بعد مطالعته ثم قام بتلخيص ما رود فيهم مستوعبا لكل ما ذكروه خلاصته، مع الإضافة إليها نفائس من متفرقات كلام الأصحاب – كما ذكر نفسه - في  كتابه ( آداب الفتوى والمفتي والمستفتي ).
ولأهمية مسألة الفتوى لم تتوقف مواهب العلماء في تصنيف المصنفات عنها بحيث شرع أغلب علماء الإسلام - قديماً وحديثاً - في تأليف الرسائل والكتب عنها موضحين خطر شأنها وعظيم غررها، غير أننا نشير هنا أحدهم الذي صنف في هذا المجال وهو علامة  عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان الشهرز وي صاحب كتاب ( أدب المفتي وا لمستفتي ) والذي بيّن في مقدمة كتابه سبب تأليف الكتاب قائلاً : " .. رأيت أن أستخير االله تعالى وأستعينه وأستهديه وأستوفقه وأتبرأ من الحول والقوة إلا به في تأليف كتاب في الفتوى لائق بالوقت أفصح فيه إن شاء االله تعالى عن شروط المفتي وأوصافه وأحكامه وعن صفة المستفتي وأحكامه وعن كيفية الفتوى والاستفتاء وآداهبا جامعا فيه شمل نفائس ألتقطها من خبايا الروايا وخفايا الزوايا ومهمات تقر هبا أعين أعيان الفقهاء ويرفع من قدرها من كثرت مطالعاته من الفهماء وتبادر إلى تحصيلها كل من أرتفع عن حضيض الضعفاء مقدما في أوله بيان شرف مرتبة الفتوى وخطرها والتنبيه على آفاتها وعظيم غررها ليعلم المقصر عن شأوها المتجاسر عليها أنه على النار يسجر وليعرف متعاطيها المضيع شرطها أنه لنفسه يضيع ويخسر وليتقاصر عنها القاصرون الذين إذا انتزعوا على منصب تدريس واختلسوا ذروا من تقديم وترييس جانبوا جانب المحترس ووثبوا على الفتيا وثبة المفترس اللهم فعافنا واعف عنا وأحلنا منها بالمحل المغبوط ولا تحلنا منها بالمحل المغموط واجعل نعانيه منها على وفق هداك وسببا واصلا بيننا وبين رضاك إنك االله لا إله إلا أنت حسبنا ونعم الوكيل." انتهى.
ولا شك أنّ هدف علماءنا الأجلاء في تأليف تلك الرسائل والكتب إنّما كان تبيين أمرها وعدم التسرع إليها والتخفيف عن شأنها، مذكرين بأنّ هذا مقام الأنبياء حتى هاب أمرها من هابها من أكابر العلماء العاملين، وفي هذا الشأن يقول أستاذنا الجليل فضيلة الأستاذ الدكتور موفق بن عبد الله بن عبد القادر العراقي: " حتى لا يتجرأ على " الفتيا " أنصاف المتعلّمين .. ولحفظ هذا الدين من يد العابثين والمبتدعين ... صنّف العلماء المسلمين في " أدب المفتي والمستفتي " ... وليعرف العالم منزلته قبل أن يصدر " الفتيا " وليعلم المتستفتي أدب الاستفتاء ولمن يستفي". (انظر مقدمته في تحقيق كتاب أدب الفتي والمستفتي للشيخ عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري تقي الدين ابن الصلاح ، ط/1).
أما أهل العلم والدراية في بلاد الصومال لم يكونوا شاذين عن إخوانهم في العالم الإسلامي قديماً وحديثاً، لذلك بحثوا فيها وكتبوا عنها بعض الرسائل والتي سوف نشير هنا فيما بعد.
                                                         الفتاوي الصومالية عبر التاريخ:

 وعلى الرغم أنّه لا توجد داراً للإفتاء أو مجمعاً يلتف حوله أهل الفتوى والدراية إلا أنّه تعارف أهل العلم في منطقة   الساحل الشرقي الإفريقي بأنّ يكون الإفتاء العام على مذهب الإمام الشافعي أساساً ومنطلقاً للفتوى في تلك المناطق، ولم تظهر لكاتب هذه السطور حتى الآن سجلاً أو كشفاً علمياً تثبت بعض الفتاوي غير هذا المذهب ، ولعل ذلك الاختيار  تمّ – والله أعلم - بأنه – أي المذهب الشافعي - مذهب وسطي جمع بين أصول مدرستي الحديث والرأي، وخرج باجتهادات فقهية كانت وما زالت سبباً في تحقيق مصالح الأمة وجمع كلمتها، وهذا السبب - وإن كان متحققاً في المذاهب الفقهية الأخرى- إلا أن مذهب الإمام الشافعي حاز قصب السبق فيه- كما يرى بعض الباحثين - علماً أنّ الإمام الشافعي نفسه تربى تحت كنف مفتي مكة في زمانه الشيخ مسلم بن خالد الذي أذن بدوره للشافعي وهو فتى يافعاً في الإفتاء عقب أن سلمه أبوه للتفقه، ثم رحل إلى المدينة النبوية حيث التقى هناك الإمام مالك بن أنس فلازمه حتى  توفي مالك رحمه الله.
وفي العصور الوسطى لم تكن تعرف ما كان يسمى العالم الإسلامي بتلك الحدود التي نشاهد بها اليوم – من الأسف الشديد – والتي فرقت بين إخوة الأشقاء هنا وهناك، وأنّ الفقهاء والعلماء إذا وصلوا إلى منطقة معينة صاروا جزء من المجتمع ، بل يكرم ويرفع شأن العالم ويستفاذ من علومه وموهبته، وكان يسند إليهم أحياناً كثيرة  بعض المناصب الرفيعة – كما أشرنا في أكثر من موقع – ومن بين تلك المناصب منصب الفتوى والقضاء وفصل الخطاب. ومن هؤلاء – على سبيل المثال – العلامة الفقيه المبجل الشيخ محمد بن المقبول بن عثمان بن موسى ، أحد العلماء المحققين في الفقه ، وكان تابعاً بارعاً في الفقه وأصوله حتى أسند إليه رئاسة الفتوى في البلاد ، علماً أنّ الفقيه ينحدر أصوله من بلاد الزيلع وممالكها الإسلامية، ولكنه من مواليد اليمن وخاصة قرية اللحية سنة 959هـ ،وتوفي بها في اليوم الثاني من رمضان سنة 1048هـ. والانظر: ( القاضي  إسماعيل علي  الأكوع : هجر العلم  والمعاقله في اليمن ، دار الفكر المعاصر ، بيروت ، ط/1 1995م ).
ومن هؤلاء أيضاً الفقيه الصالح محمد بن علي الزيلعي ، كان فقيهاً متقناً معروفاً بالفقه وإصابة الفتوى والصلاح ، وشرح كتاب اللمع شرحاً مفيداً ، وقد تفقه على إسماعيل الحضرمي وعلي بن صالح الحسيني ، وقد أخذ عنه جماعة كثيرة مثل عمر السروري ، وكان الشيخ محمد بن علي الزيلعي رجلاً صالحاً ورعاً ينحدر من آل البيت ، ويقول بنفسه أنه شريف حسيني، وقد توفي سنة ثلاثين وسبعمائة. ومن هؤلاء الفقيه العالم أبوبكر آدم بن إبراهيم الجبرتي بلداً الزيلعي  .  لقباً، وكان هذا العالِم محققاً في الفقه ومتصدّراً للإفتاء ، بل وكان رأس علماء الإفتاء والتدريس في محلّ إقامته. ولا شلك أنّ المصادر اليمنية وغيرها تشير  إلى بعض العلماء الأجلاء من أصل أهل الصّومال تفننوا في عملية الإفتاء حيث تصدوا لها، ولكن ذلك الأمر يحتاج إلى البحث والغوص في تلك المصادر الثمينة والناذرة حتى نستخرج معلومات مفيدة لها علاقة بمنطقة شرق إفريقيا عموماً، والقرن الإفرقي خصوصاً.
أما في القطر الصومالي فقد وجد بعض أهل العلم تخصصوا في هذا المجال – أي مجال الفتوى - ولهم باع طويل ، سواء كان هؤلاء الذين أتوا من خارج البلاد أو علماء الصومال . ومن بين ذلك مفتى هرر وبلاد الزيلع في شمال الحبشة فضيلة الشيخ المفتي داوود في القرن الرابع عشر الهجري، وكان مفتى داوود هذا أسبق من العلامة المحدث الشيخ عبد الله الولينسي الذي يقال أنّه أول من أدخل علوم الحديث إلى هرر وأخذ منه علماء هرر الأجلاء بهذا الفن. (انظر  عبد الله كدير أحمد: الهجرة وأثرها في انتشار الاسلام بإفريقيا - الحبشة نموذجا ص 163).
ويسعدنا أن نشير في هذا الأطر إلى الفتوى
الصومالية المشهورة والتي انتشرت الفترة الأخيرة عبر وسائل الإعلام بالمملكة العربية السعودية وغيرها في منطقة الخليج، وذلك عند ما نشر الأستاذ الدكتور طارق الحبيب قبل مدة من خلال الوسائل الإعلام خبراً نفاذه بأنّ أباه قرأ مخطوطة تعود ل 150 عام لعلماء الصومال الذين أفتوا بجواز زكاة أهل البلد لفقراء نجد والحجاز في الجزيرة العربية، حيث كانت بلاد الخليج العربي في تلك الفترة تعاني من أشد موجات القحط والمجاعات على وجه الأرض. ورغم عدم تمكننا قراءة تلك المخطوطة – رغم محاولاتنا – إلا أنّه يظهر بأن هذه الفتوى مرتبطة بحاجة الأمة الإسلامية وهي نقل الزكاة – التي هي ركن من أركان الإسلام – من الصومال إلى الجزيرة العربية مع عدم أرجحية هذه المسألة في المذهب السائد في المنطقة، ولكنّ العلماء رأوا في ذلك أمراً ضرورياً ليصدّ الفراغ،
مما يدل على مرونة العلماء العالية وفهم أفقهم الواسع، بالإضافة إلى حرصهم على حياة المسلمين الذين كانوا يتضررون على القحط والجفاف ونقص الأموال والثمرات، كما يفعله اليوم إخواننا في الخليج وغير ذلك في نصرة إخوانهم في العالم بما فيها منطقة القرن الإفريقي. ولشدة المجاعة اضطر كثير من الناس النزوح إلى خارج الجزيرة العربية، ومن ذلك تلك الهجرات التي حصلت قديماً إلى الخارج بسبب المجاعة، سواء إلى الهند والمغرب والأندلس أو في إفريقيا الشرقية وغير ذلك.
الجدير بالذكر لم يكن أهل الصومال وحدهم ممن كانوا يمدّون يد المساعدة والعون لإخوانهم في الجزيرة العربية ، وإنما أيضاً  هناك بلدان أخرى كالهند أو ما كان يعرف بلاد السند والبنجاب، وكذا مصر وبلاد المغرب الأدنى والأوسط والأقصى رغم أنّ مذهبهم – أهل المغرب العربي - مالكي ولا يجيز نقل الزكاة من مكان إلى أخرى. وهكذا  كان المسلمون ينصرون بعضهم على بعض خلافاً لما نشهد اليوم يقتل بعضهم ببعض بل يناصر العدو على حساب أخوته في الدم والعقيدة – نسأل الله السلامة.
ولا غرابة في ذلك لأنّ هناك أمر معلوم في أوساط الأمة الإسلامية عبر التاريخ أينما كانوا وهو دفع بعض الدول والممالك المسلمة زكاتها أو تبرعاتها وأوقافها للحرمين الشريفين والأماكن المقدسة. ولا شك أنّه من المفيد البحث والإطلاع على السجلات والكشوف لحرمي مكة والمدينة خلال العصور الإسلامية الزاهية حتى في عهد الحكم العثماني، وأعرف أنّ هناك بحوث كثيرة تناولت أوقاف الحرمين أنجزها الباحثون في قسم التاريخ والحضارة الإسلامية في جامعة أم القرى بمكة،  كما أنّ هناك وثائق كثيرة في مكتبة مكة المكرمة وكذا مكتبة الحرمين الشريفين والمكتبة المركزية لجامعة أم القرى. كما أنّ هناك الكشاف التحليلي لصحيفة أم القرى والندوة (صوت الحجاز) لعل ذلك يستزيد الباحثون.