Friday, 10 April 2026

الشيخ مريد حاج صوفي الشاشي في ذمّة الله

البقاء لله وحده سبحانه وتعالى، فقد وري جثمان أحد مشايخنا الكرام، الشيخ مريد حاج صوفي الشاشي، الثرى اليوم الجمعة الموافق 10 أبريل 2026 في مقابر الشيخ صوفي، بعد أن وافته المنية أمس في مقديشو. وكان الفقيد في الفترة الأخيرة ملازمًا للكرسي المتحرك. نسأل الله أن يتغمّده بواسع رحمته، وأن يُلهم أهله وذويه والأمة الإسلامية الصبر والسلوان . ويذكر كاتب هذه السيرة أنه عاصر تلك الفترة، وكان حينها طالبًا في المرحلة الإعدادية، وقد حضر دروس الشيخ واستمع إلى تفسيره لعدد من السور.

فمن هو فضيلة الشيخ مريد حاج صوفي؟

 

هو الشيخ مريد حاج صوفي محمد دينله شغاله الشاشي المقديشي، ووالدته الحاجّة نوره حاج إدريس عثمان نور الشاشية. وُلد عام 1950م في مقديشو، وتحديدًا في حي حمر ويني، حيث نشأ وترعرع، ثم انتقل لاحقًا إلى مدينتي مركة وبراوة.

منذ صغره، عُرف بحبّه للعلم والعلماء، فكان يواظب على حضور حلقات العلم، ومنها حلقة الشيخ نور الدين علي المجيرتيني رحمه الله. بدأ الشيخ مريدي بحفظ القرآن الكريم في مسجد "آي أيداي" (Aay Aydaay) في حي حمر ويني، بالقرب من منزل الشيخ محمد أحمد محمود المعروف بـ"شيخ أبا" رحمه الله، حيث أتمّ معظم حفظه على يد الشيخ عمر المعروف بـ"باب عمر" من قبيلة الشاشية، وكان إمامًا للمسجد، وذلك في سن الخامسة عشرة.

تتلمذ الشيخ مريدي بعد ذلك على يد الشيخ محمد أحمد (شيخ أبا)، فدرس عليه علوم النحو من كتابي "الآجرومية" و"العمريطي"، والفقه من "أبي شجاع" و"الزبد" على مذهب الإمام الشافعي، كما أخذ عنه التفسير وبعض علوم القرآن، ودرس في الحديث كتاب "رياض الصالحين" كاملًا. وفي العقيدة، تعلّم "العقيدة السنوسية" و"عقيدة العوام"، كما درس في الأخلاق والتربية كتاب "تعليم المتعلم". واطّلع كذلك على كتب التصوف، مثل "إحياء علوم الدين" للإمام الغزالي، وبعض الأذكار من كتاب "الأذكار" للإمام النووي.

وقد تأثرت مسيرته العلمية تأثرًا كبيرًا بشيخه "شيخ أبا"، الذي كان له دور بارز في تربيته العلمية والتربوية منذ الصغر، وهو من أبرز شيوخ قبائل بنادر. كما تأثر بمنهجه العقدي، غير أنه اطّلع لاحقًا على مؤلفات أخرى، مثل "العقيدة الواسطية" لابن تيمية، وكتب ابن القيم، مما جعله يتأثر أيضًا ببعض ملامح المنهج السلفي، خاصة في مسائل الأسماء والصفات.

التحق بعد ذلك بحلقات علمية أخرى في مقديشو، من أبرزها حلقة الشيخ محمد معلم حسن، حيث درس عليه التفسير كاملًا في مسجد الشيخ عبد القادر (المعروف بمسجد مقامك)، كما أخذ عنه جزءًا كبيرًا من "ألفية ابن مالك" في النحو، واستفاد من محاضراته التي تناولت قضايا العالم وأخلاق المسلم.

كما لازم حلقة الشيخ إبراهيم سولي، فدرس عليه "رياض الصالحين" و"اللؤلؤ والمرجان". وتتلمذ أيضًا على الشيخ شريف عبد النور، فدرس عليه كتب الحديث مثل "صحيح البخاري"، و"عمدة الأحكام"، و"بلوغ المرام"، و"البيقونية"، إضافة إلى أصول الفقه من خلال كتاب "جمع المتون"، سواء مباشرة أو عبر الأشرطة العلمية المسجلة.

أما في التعليم النظامي، فقد التحق الشيخ مريد بالدراسة بعد أن اشتدّ عوده، فبدأ المرحلة الابتدائية عام 1962م في مدرسة معلم جامع، ثم المرحلة المتوسطة عام 1967م، وأكمل الثانوية في مدرسة هولوداغ بين عامي 1970 و1974م، وكانت الدراسة باللغة الإيطالية. بعد ذلك التحق بمعهد (SIBA)، حيث درس الإدارة، ونال شهادة المعهد خلال عامين.

بعد ذلك عمل الشيخ مريدي مدرسًا في عدد من المدارس، منها مدرسة "قرطه" ثم "علولة" عام 1974م، في خدمة وطنه. ثم التحق بالوظيفة الحكومية، حيث عمل في القصر الرئاسي ضمن جهاز القيادة الحكومية في فرع الحسبة والمراقبة، وذلك من عام 1976م حتى عام 1981م. وبعدها ترك الوظيفة الحكومية ليتفرغ للأعمال الحرة والتجارة، خاصة في مجال الأدوات المنزلية والملابس، حيث تنقّل بين عدد من العواصم والمدن، منها الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، وكينيا، وتنزانيا، وزامبيا، وتايلاند.

ومن ناحية أخرى، تزوّج الشيخ مريدي حاج صوفي من السيدة رقية علي ميي، ورُزق منها بسبعة أبناء، ثلاث بنات وأربعة أولاد.

أما عن دوره في الدعوة الإسلامية في الصومال، فقد بدأ الشيخ مريدي نشاطه الدعوي في مرحلة مبكرة من شبابه، حيث كان يدرّس الفقه الشافعي، مثل كتاب "أبي شجاع"، في مسجد الشيخ عبد القادر بمقديشو، وذلك للشباب من روّاد الصحوة الإسلامية، عقب دروس التفسير التي كان يلقيها الشيخ محمد معلم حسن. كما كان يدرّس علم النحو في المسجد نفسه، وفي مساجد أخرى، معتمدًا على كتب مثل "الآجرومية"، و"العمريطي"، و"ملحة الإعراب"، و"الكواكب الدرية"، و"قطر الندى"، و"بلّ الصدى"، و"ألفية ابن مالك"، إضافة إلى علم الصرف من خلال كتب مثل "لامية الأفعال" و"فتح اللطيف". وكان ذلك كله يجري ضمن نظام الحلقات العلمية المعروف في الصومال.

كما تولّى إلقاء دروس تفسير القرآن الكريم في جامع الشنغاني بحي الشنغاني، بعد درس شيخه محمد معلم حسن. وكانت الدعوة الإسلامية في تلك الفترة، خاصة بين الشباب، تتمحور إلى حد كبير حول حلقات الشيخ محمد معلم. وعندما تم اعتقاله، رأى طلابه ضرورة استمرار الدعوة، فوضعوا برنامجًا لتوزيع الدروس في مختلف مناطق العاصمة، وكان من نصيب حي الشنغاني أن يتولى الشيخ مريدي هذا الدور.

وفي عام 1977م، شنّت الحكومة الصومالية حملة جديدة ضد الدعوة الإسلامية، خاصة في مقديشو، مما أدى إلى تراجع النشاط الدعوي في المساجد، وهجرة عدد كبير من دعاة الصحوة، ولا سيما الذين كانوا يدرّسون التفسير على منهج شيخهم محمد معلم حسن. وقد خلّف ذلك فراغًا كبيرًا في الساحة الدعوية، ولم يبقَ إلا عدد قليل من الدعاة، منهم الشيخ مريدي حاج صوفي والشيخ شريف أبا نور.

ورغم هذه الظروف الصعبة، واصل الشيخ مريدي نشاطه الدعوي دون أن يتأثر كثيرًا بالضغوط. إلا أن دروسه انتقلت من مسجد الشيخ عبد القادر إلى مسجد "أربع ركن" القديم، بناءً على طلب من الشيخ محمد جوليد كارشي، الأمين العام للشؤون الدينية بوزارة الشؤون الدينية والعدالة، الذي منحه ترخيصًا رسميًا لمواصلة التدريس، في ظل تشديد الحكومة على ضرورة حصول الدعاة على إذن رسمي.

وبعد التشاور مع بعض زملائه، وافق الشيخ على هذا الترتيب حفاظًا على استمرار الدعوة. وقد بدأت دروسه في مسجد "أربع ركن" بشكل محدود، لكنها سرعان ما تحولت إلى واحدة من أكبر التجمعات الدعوية للشباب في العاصمة. واستمر هذا النشاط حتى صدر قرار من رئيس جهاز المباحث بإيقاف الدروس، مع تهديد شديد للشيخ بعواقب وخيمة في حال عدم الامتثال.

ويذكر كاتب هذه السيرة أنه عاصر تلك الفترة، وكان حينها طالبًا في المرحلة الإعدادية، وقد حضر دروس الشيخ واستمع إلى تفسيره لعدد من السور، من سورة الحج حتى سورة الأعراف، حيث كان الشيخ قد بدأ التفسير من سورة الناس وصولًا إلى سورة الأعراف قبل إيقافه.

ورغم كل هذه الضغوط، لم يتوقف الشيخ عن الدعوة، بل واصل نشاطه في نشر العلم، ولكن بشكل سري وحذر، حيث كان يدرّس مختلف العلوم الشرعية، من فقه وتفسير وحديث ونحو، محافظًا على رسالته العلمية والدعوية في أصعب الظروف.

وبعد فترة، ومع ضعف قبضة الحكومة، استأنف الشيخ مريدي نشاطه الدعوي في العلن، فعاد إلى التدريس بنظام الحلقات العلمية المعروفة. وركّز في هذه المرحلة على تدريس عدد من الكتب، من أبرزها كتاب "تاج الأصول"، وذلك في مسجد "النبوي" بجوار دنوداج (Danwadaag). كما درّس علم النحو في عدة مساجد، منها مسجد بنكاريه في حي بولو حوبي، ومسجد شريف في حي ودجر، إضافة إلى مسجد مرواس في حي حمر ويني.

وقد اعتمد في تدريس النحو على كتب مثل: تحفة السنية في شرح الآجرومية، والعمريطي، وملحة الإعراب، والكواكب الدرية، وقطر الندى، وألفية ابن مالك. كما درّس علم الصرف من خلال كتب مثل: لامية الأفعال وفتح اللطيف، كما ذُكر سابقًا.

وعندما اندلعت الحرب الأهلية في الصومال وانهار النظام الحكومي، لم يتوقف الشيخ عن الدعوة، بل ازداد نشاطه. وفي هذه المرحلة، تركزت جهوده في جامع مرواس الكبير في حي حمر ويني بمقديشو، حيث أصبح إمامًا وخطيبًا وداعية. واهتم بتدريس العلوم الشرعية لتعليم وتثقيف الشباب، وعلى رأسها علوم التفسير والحديث، من خلال كتب مثل: عمدة الأحكام، وابن جمرة، ورياض الصالحين. كما درّس السيرة النبوية من خلال كتب مثل: الرحيق المختوم وصور من حياة الصحابة.

ويُذكر أن جامع مرواس كان يتكوّن من عدة طوابق؛ فقد خُصص الطابق الأرضي للصلاة والدروس والمحاضرات، بينما كان الطابق الثاني مقسمًا إلى قسمين: قسم لتحفيظ القرآن الكريم (خلوة) للبنين والبنات كلٌّ على حدة، وقسم آخر لمدرسة نظامية في المرحلة الابتدائية. وقد كان الشيخ مريدي هو المؤسس لهذه المشاريع التعليمية، سواء خلوة التحفيظ أو المدرسة النظامية التي عُرفت باسم مدرسة الإمام أحمد بن حنبل، والتي استمرت في عملها حتى بعد سفره إلى الخارج واستقراره في كينيا، وتحديدًا في مدينة ممباسا.

وقد حظيت هذه المدرسة بدعم مادي ومعنوي من عدد من الجهات الخيرية، منها: لجنة القارة الإفريقية التابعة لجمعية إحياء التراث الإسلامي في الكويت، وهيئة الإغاثة الإسلامية العالمية في السعودية، ومجمع العلماء الصومالي.

وخلال مسيرته الدعوية والعلمية، تتلمذ على يد الشيخ عدد كبير من الشباب، الذين أصبحوا لاحقًا من حملة العلم والدعوة. ويذكر كاتب هذه السيرة أنه كان من بين هؤلاء الذين نهلوا من علم الشيخ، إلى جانب عدد كبير يصعب حصره.

والمجهود العلمي والدعوي الذي بذله الشيخ مريدي لم يقتصر في داخل الأراضي الصومالية فحسب، وإنّما امتدّ أيضاً إلى آفاق شرق إفريقيا، لا سيما بعد نزوحه إلى ممباسا، المدينة الساحلية لدولة كينيا، أو في نيروبي العاصمة، بحيث لم يفارق الشيخ الدعوة إلى الله ونشر العلم.

مؤلفاته – كتاب النحو

كان للشيخ مريدي اهتمام بالتأليف، ومن ذلك كتابه في علم النحو، الذي كان مخطوطًا حين التقى به كاتب هذه السيرة في 21/8/1995م الموافق 25/3/1419هـ في نيروبي – كينيا، ولا يدري إن تم طبعه أم لا. ويتناول هذا الكتاب علم النحو وما يتصل به، وقد استلهمه المؤلف من كتاب الآجرومية لابن آجروم (المتوفى سنة 723هـ).

ورغم أن الشيخ اشتهر بعنايته بالقرآن الكريم وعلومه، ولا سيما علم التفسير، فإنه كان متمكنًا أيضًا من علوم الآلة، وخاصة النحو والصرف. وكان يرى أن المفسر لا يمكنه أداء مهمته على الوجه الصحيح دون إلمام راسخ بهذين العلمين، وهو ما يفسّر اهتمامه بوضع مؤلف في هذا المجال.


 


Sunday, 23 February 2025

 

وفاة الشيخ أحمد عثمان الشاشي المقدشي الصومالي


مات في هذا اليوم الأحد الموافق  23 فبراير عام 2025م في مدينة مقديشو – الصومال عَلَمٌ من أعلام أهل الصومال، الشيخ العلامة أحمد عثمان بن محمد الشاشي المقدشي المشهوربـ " الشيخ أحمد منير"، وقد بذل الشيخ جهدا ً كبيرا ًفي خدمة الإسلام والمسلمين... ونحن بدورنا نتقدم بخالص العزاء لأسرة الشيخ وتلاميذه ومحبيه والأمة الإسلامية ، سائلين الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته. الجدير بالذكر أنّ سيرة الشيخ ودوره في خدمة العلم المفصلة جاءت في كتاب " معجم المؤلفيين الصوماليين في العربية ". فمن هو الشيخ؟

هو العلامة الشيخ أحمد بن عثمان بن محمد الشاشي المقدشي الملقب بأحمد منير، عالم ومتمكن في علوم كثيرة، حتى استطاع أن ينجز مؤلفات عديدة. لأنه نشأ في بيت علم وعلماء، وخاله فضيلة الشيخ محمد أحمد المعروف بشيخ أبا رحمه الله، كما أن – أي الشيخ أحمد – متزوج ببنت خاله هذا. وقد تربى على حجر خاله حتى أنه لم يكن يفارق في حله وسفره، وكأنه أراد أن يكون خليفته في بيبت الشاشي. وحينما تعرفُ فضيلة الشيخ أبا في منتصف التسعينات كنتُ أرى الشيخ أحمد ملازما ومرافقا مع شيخه، سواء في الجلسات التي كان يعقدها في بيته أو مع تلك الجلسات والحلقات العلمية والتربوية التي كانت تجري في مسجدهم في حي حمروين بمقديشو. ومن هنا فقد استفاد أستاذه وخاله وشيخه الشيخ أبا علوما كثيرة مثل : اللغة العربية وأذابها، الفقه أصوله، القرآن وعلومه ، الحديث وعلومه ، إضافة إلى علم الطب وما يتعلق بالطب الشعبي المعروف بالطب العربي. وبعد وفاة الشيخ أبا أصبح الشيخ أحمد بن عثمان  شيخ الشاشية وغيرهم ، وكأـن صار كما كان يحب خاله وشيخه في وراثة البيت ، وقاد السيفة إلى بر الأمان، حتى وافته المنية صبيحة اليوم الأحد 24 شعبان عام 1446ه الموافق 23 فبراير عام 2025م في مدينة مقديشو – الصومال.

ونشير هنا إلى بعض أعمال الشيخ العلمية، لا سيما فيما يتعلق بالتأليف وتحقيق التراث.

-  إعانة  الطالب الناوي شرح إرشاد الغاوي في مسالك الحاوي ، لأبي عبد الله الحسين بن أبي بكر بن إبراهيم النزيلي

هذا الكتاب حققه فضيلة الشيخ أحمد بن عثمان بن محمد الشاشي المقدشي الصومالي بالاشتراك مع فضيلة الشيخ محمود عبد المتجلي خليفة - مبعوث الأزهر إلى الصومال وعضو لجنة الفتوى بالأزهر - كل منها ما يتعلق بها من معنى يوضحه ، وإشكال يعالجه ، واحتراز بذكره، ولفظ يحله ، والحاجة ماسة إلى مثل هذا الشرح الثمين، إذ يستعيد منه كل من صعب عليه فهم المتن لكنه يحتاج إلى مزيد من التحقيق والتصحيح، وخلال تحقيق الشيخ أحمج بن عثمان بن محمد الشاشي المقدشي لهذا الشرح النفيس اعتمد على ثلاث نسخ ليقابل بعضها علي بعض ، وبذل جهداً كبيراً في سبيل مراجعة الكتاب وعقيقه  وتصحيحه ، ولكن لم يكمل تحقيق كل الكتاب الذي بدأ أيام إقامته في مصر، حيث أحال ذلك على أحد الأعلام المصريين وزميله السابق فضيلة الدكتور الشيخ محمود عبد المتجلي خليفة ليكمل ما بقي من الكتاب تكملة لمراجعته ، وأن يعيد نظرة فيما حقق، وهو أهل لذلك ، حيث حقق – بدوره – أصول الكتاب وحرر ألفاظه ، واجتهد إخراج الكتاب على الصورة التي أراد مؤلفه ، وكلا الحققين كلفهما فضيلة الشيخ محمد أحمد محمود المشهور بالشيخ أبا ليقوما تحقيق الكتاب. ولا شك أن الشيخ أحمد بن عثمان قد قام بعمل جليل ووضع مقدمة مفيدة أعطى فيها نبذتة عن الكتاب ومؤلفه ونسخه ، والمنهج الذي اتبع به خلال تحقيقه وتصحيحه ، كما قام ترجمة ضافية للمؤلف، وتعريفاً لمؤلف المتن الإرشاد ، والكتاب يتكون من مجلدين ضخمين كبيرين وطبع بالقاهرة في مصر سنة 1415هـ الموافق سنة 1995م ، كما طبع على نفقة الشيخ محمد أحمد محمود ( الشيخ أبا).

- حاشية الشاشي

حاشية وضعها الشيخ أحمد بن عثمان ليكون هامشاً أو حاشية على إعانة الطالب الناوي في شرح إرشاد الغاوي ، لأبي عبد الله الحسين بن أبي بكر النزلي.

كشف المعاني الخافية شرح الجوهرة السامية

الكتاب عبارة عن شرح المنظومة وضعها العلامة الشيخ عبد الرحمن بن شيخ عبد الله الملقب بحاج صوفي الشاشي المسماة : " الجوهر السامية في علمي العروض والقافية"،  وقد أبدع الشارح في شرحه حيث كشف عن غوامض المنظومة ومكنون سرها ، وقرّبها لطالبها وسماها كشف المعاني الخافية. ويظهر أن المؤلف له إلمام كبير في علمي العروض والقافية ، حيث تجلت قريحته عن شرح المنظومة ، وقد استطاع أن يعرض شرحه بعبارات سهلة وأسلوب ميسر خلاب وألفاظ رقيقة تحوى المعاني الدقيقة. والحقيقة أن الشارح قد أجاد في شرح هذه المنظومة في أروع ألفاظ وأيسر شرح يفهمه العامة والخواص. وقد فرغ تبييض شرحه يوم الاثنين لخمس مضت من شهر صفر سنة 1408هـ من الهجرة النبوية الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة وأتمّ التسليم.

ومما يمتاز هذا الكتاب فإن المؤلف قبل شروعه في شرح المنظومة بدأ بمقدمة مفيدة ذكر فيها عن مبادئ علم العروض وأعطى نبذة قصيرة عنه حيث عرف هذا الفن لغة واصطلاحا ، وكذلك ثمراته كما تحدث عن موضوع علم العروض وفضله ونسبته وواضعه ، وعرض بإيجاز اسم هذا الفن واستماده وحكمه ومسائل قضاياه. والشارع غاض في غمار الكتاب ولم يوصم بالإخلال ولا بالإسهاب. والكتاب يقع في 240 صفحة ، ويمتاز بأنه يضم في ذيله صورة من نسخة كاملة بمخطوط الكتاب وهي 14 ورقة يخط جميل رفيع وواضح في منتهى الروعة والجمال ، وطبع الكتاب  بدار الهدي في القاهرة – عام 1408هـ الموافق عام 1988م.

جواهر البحر المعين شرح القصيدة اللامية شجرة اليقين.

هذا الكتاب يشرح إحدى قصائد الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله الشاشي المقدشي المشهور بحاج صوفي أو الشيخ صوفي، وهذه القصيدة العصماء والدة البيضاء والروضة الفيحاء وردت  في ديوان الشيخ عبد الرحمن صوفي المسماة " دليل العباد إلى سبيل الرشاد".

وجاء اختيار الشيخ أحمد عثمان المنظومة اللامية حيث قام بشرح وتعليق عليها. والحق أن هذه المنظومة جديرة بالشرح والدراسة، وقدم بمقدمة " تريك أنك تقرأ كتابا بكل معنى الكتاب ، وتقرأ الأديب كبير له اقتدار على القول ، وسيطرة تامة على الصياغة الرقيقة ، والتراكيب الجميلة ، والمعنى الفحمة ، والفكر الناضج الحضب".

والشارح وضع هذا العمل لينتفع بها الطالب المحب ويفلح ، ويتخلق بالأخلاق المحمدية ، ويقتفي أثار سنته البهية ، وقام المؤلف شرح هذه النظم نتيجة تشجيع من شيخه محمد أحمد محمود المعروف " بشيخ أبا" وطبع الكتاب على نفقة الشيخ نفسه. والحقيقة أنّ المؤلف – رحمه الله - استطاع أن يبرز روعة شعر جده وفصاحة لسانه، ولم يقتصر عمله مجرد شرح إجمال للأبيات وإظهار خوافيها وإبداء معانيها .

ومن خلال قراءة الكتاب نلمح أن مؤلفه فيه الذكاء الفذ والخيال الخصيب ، والحكمة السديدة ، وحسن التصوير ، والتعبير وقد كمل شرح هذا الكتاب أوائل جماد الآخر من شهور سنة ثلاث وأربعمائة وألف من الهجرة النبوية الشريفة ، أما طبعه فكان سنة 1987م في الديار المصرية . ويقع الكتاب 306 صفحة.

كشف سر المخبأ في ترجمة الشيخ أبا

وقبل الحديث عن هذه الرسالة اللطيفة ينبغي أن أشير إلى أنني قمت زيارة علمية بحثية للشيخ محمد بن أحمد الشهور بشيخ أبا في صيف عام 1995م في مقديشو، وبعض حديث مستفيض وحوار علمي هادئ، طلبتٌ من فضيلته ترجمة حياته. غير أن الشيخ قال لي في حينه : « ألم يقل الله سبحانه وتعالى ( ولا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن التقى) ثم سكت". وبعد برهة قليلة قال لي بشر يا محمد سوف تجد بغيتك إن شاء الله. وحينما زرت المرة التالية أعطاني برسالة معنونة : كشف سر المخبأ في ترجمة الشيخ أبا. وهذه الرسالة كتبها الشيخ أحمد بن عثمان الشاشي، وهي مكتوبة بالحاسب الآلي ، وهي حتى الآن ما زالت مخطوطة غير مطبوعة. وعلى الرغم من أن الشيخ أحمد اجتهد في ترجمة شيخه وهو حي ، وكتبها حسب معرفته إلا أنه يظهر بأن شيخه أملاء بعض المعلومات الواردة في الرسالة.

ومن إنجازات الشيخ أحمد عثمان رحمه الله:  

- الاعتماد في حل ألفاظ الإرشاد

والكتاب في مجال الفقه حيث يشرح ويفسر بعض الألفاظ الواردة في كتاب الإرشاد في الفقه الشافعي.

وفي الختام، رحم الله شيخنا العلامة أحمد عثمان محمد الشاشي المقديشي وأسكنه فسيح جناته وألهم ذويه الصبر والسلوان، إنا لله وإنا إليه راجعون.

 


Monday, 2 December 2024

 

رحيل الكاتب عبد الله حسين حسن الصومالي

                                                                                  مع الراحل عبد الله حسين في غرووي عام 2017             

 بالأمس كان يوماً صعباً على أهل الفكر والثقافة في منطقة القرن الإفريقي ، فقد رحل عنا الكاتب الكبير والأديب الأريب صاحب الخلق والتواضع سعادة الدكتور عبد الله حسين حسن رحمه الله في مدينة غرووي الصومالية عن عمر يناهز 72 عاماً، فمن هو سعادته؟

الأستاذ عبد الله حسين حسن محمد فارح من مواليد مدينة قلافي التي تقع تحت الاحتلال الحبشي من إقليم الصومال الغربي في عام 1952م، وكان والده تاجرا مهاجرا من مدينة جالكعيو بوسط الصومال مسقط رأس جده، وترعرع في قلافي وضواحيها ، وقد توفيت والدته في نعومة أظفاره في قلافي وعمره شهور،. وكان قد درس القرآن الكريم في قلافي حيث حفظ أجزاء منه علي يد معلم حسن من قبيلة أوغادين  فرع مكاهي. ثم ارتحل مع والده إلي مدينة بلدوين من إقليم هيران في وسط الصومال، وعمره سبع سنوات. ولما وصل إلي بلدوين بدأ التعليم النظام في مرحلته الابتدائية حيث التحق بالمدرسة الابتدائية العربية النموذجية التي كانت تابعة للبعثة المصرية في الصومال في عام 1964م ثم التحق بالمرحلة الاعدادية بمدرسة بلدوين العربية التابعة للبعثة المصرية أيضا ، وبعد ذلك انتقل إلي عاصمة مقديشو حيث بدأ المرحلة الثانوية في مدرسة جمال عبد الناصر سنة 1968م ، واستمر حتى عام 1971م ، وبعد تخرجه من الثانوية التحق بوزارة التعليم ، وأصبح مدرسا في المدارس الثانوية والاعدادية مثل مدرسة هول وجاد ، ومدرسة 21 نوفنبر في مقديشو ، كما عمل مدرسا في إقليم شمال الشرق الصومالي ، لاسيما في مدرسة قرطو وبارغال وبوساسو واسكوشوبان. وبعد زهاء مدة طويلة التحق بكلية التربية لفولي سنة 1976م حيث تخصص بالغة العربية ومادة التاريخ، ثم تخرج منها عام 1978م ، ثم عاد إلى مهمته التدريسية وانخرط في مجال السياسة حيث أصبح عضوا بارزا في الأحزاب المناوئية للحكومة الصومالية وهي جبهة الخلاص الوطني                      وبعد انهيار الحكومة الصومالية استقر به المقام في دولة باكستان حيث حاز درجة الماجستير باللغة العربية من كلية اللغة العربية بالجامعة الإسلامية العالمية في اسلام أباد بباكستان ، في عام 1993م .ثم أصبح كاتبا ماهرا ومهتما بقضايا الإنسانية في الصحافة القطرية والخليجية ، وعمل مراقبا في إدارة الأعلام  والرقابة بوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة قطر من عام 1993م حتى عام 1998م . ثم بدأ سفريات حيث جال وصال في ربوع إفريقيا الخضراء في مناطق بغرب إفريقيا وشمالها لمدة ثلاث سنوات متتالية بهذف انماء الخبرة. وفي مجال التأليف والابداع، فقد ترك الراحل عدة مؤلفات بين مطبوع ومخطوط، ومن هذه الكتب والمؤلفات :

القصة الصومالية وجذورها العربية

طبع هذا الكتاب في الدوحة – قطر ، بطبعة دار العلوم بعام 1996م ، ويقع عدد صفحاته حوالي 156صفحة.

الأدب العربي في القرن الإفريقي

هذا الكتاب عبارة عن رسالة الماجستير في اللغة العربية ، كلية اللغة العربية في الجامعة الإسلامية العالمية باسلام أباد في دولة باكستان، ونال الكتاب بهذه الدرجة من خلال هذا البحث النفيس عام 1993م. والكتاب ما زال غير مطبوع حسب علمي ، وهو على حدود 223 صفحة تقريبا. والبحث يتكون من مقدمة  وأربعة فصول وخاتمة، فجاء في الفصل الأول انتشار الأدب العربي في مدارس القرن الإفريقي مثل المدارس الأساسية هرر، جغجغا ، قلافي. وفي الفصل الثاني تحدث الباحث في مجالات الأنشطة الثقافية ، وشيوخها وأساتذتها ،مثل الشعر ، النثر ، الأمثلة  والقول المأثور. أما في الفصل الثالث: فتناول الباحث الروافد العربية والإسلامية التي أثرت انتشار التراث العربي في القرن الإفريقي. وفي الفصل الرابع تحدث عن الأطوار التي مر بها الأدب العربي في القرن الإفريقي ، حيث قسم الباحث الطور الأول  وهو طور المثقفين القدامى من العلماء والشعراء. الطور الثاني طور المدارس المحدثين ، وهم العلماء الذين قاموا بنشر الثقافة العربية في تشتى مدن القرن الإفريقي. والكتاب له أهمية قصوى ، نظرا لتناوله أفكارا جديدا تسلط الأضواء على مقاييس الأدب العربي ومدى قوته في ربوع القرن الإفريقي، وقلما تجد باحثا أو كاتبا تطرق على هذا الموضوع ، وقد بدل الباحث جهودا حثيثة من أجل التركيز على منابع ومصادر الأدب العربي في القرن الإفريقي.

     مع الأديبين د. أفرح، ود. عبد الله  رحهما  الله في ضوحي غرووي 

إفريقيا بين التطرف والاستبداد

هذا الكتاب ينقسم إلى ثلاثة فصول، الفصل الأول : تحدث المؤلف في مناطق التطرف في إفريقيا ومشاهد التطرف، وأساليبه. والفصل الثاني : تناول الاستبداد في إفريقيا ( قياداته وزعاماته) ، أما الفصل الثالث: فتكلم المؤلف أفارقة لهم فضل لا ينسى، وضرب مثالا في ذلك قائد ثورة الفاتح الرئيس معمر القذافي والرئيس نلسن مانديلا رئيس جمهورية جنوب إفريقيا السابق، وكذلك كوامي نكروما رئيس دولة غانا السابق، وصاحب فكرة الوحدة الإفريقية. وهذا الكتاب يتحدث كما يبدوا عنوان التطرف والمتطرفين الذين يستخدمون نهج التغيير وشوهون سمعة الإسلام الأعظم ، كما يسلط الضوء على سقطات وثغرات البعض الذين يسيئون إلى الإسلام، والحق أن المؤلف أخبرني أن كلية الدعوة الإسلامية بطرابلس الغرب في ليبيا طلبت منه نشر الكتاب في لمطبعة التابعة بالكلية ، وبذلك أصبح حقوق النشر والطبع على عاتق الكلية ، وكان ذلك في 16/7/2000م مقابل مبلغ معين.

غطرسة العميد جوحن وال

هذا الكتب صنف من النظم الروائي الحديث، ويتناول فيه الكاتب أحداثا مأساوية تتزامن مع الحرب الأهلية الصومالية ويركز على جرائم بشعة اقترفها عميد في رتبة جنرال استخدم العنف، وهناك أشخاص  مماثلة تشاركه  في العمليات الحربية . والرواية تدور رحاها في شكل روائي يقوم على أساس الحوار المتبادل بين شخصيات الرواية ، وإمكاننا  ضم هذا الصنف الروائي للروايات التي تنتمى إلى الروايات التراديديا ( المأساة) وفيها المزيد من الصور الرومانسية  ) Tragedy( والكتاب حد علمي ما زال مخطوطا ، وقد رأيته على يد المؤلف وهو على شكل أوراق بخط يده، غير أنه سمعت بأنه نشر في دولة القطر عام 2008م. هذا ويعتزم المؤلف استصدار مطبوعات أخرى على طريقها ومنها:


                                                                     معرض الكتاب في غرووي عام 2017   

بنين البحار والأنهار

وهو عبارة عن مغامرات في أسفار المؤلف دونها أثناء ترحاله في جيوب مختلفة في إفريقيا

- مقارنة القصص الصومالية والعربية 

كتاب تحدث عن بعض القصص الصومالية المشهورة مثل قصة ويل وال (wiil waal) ومعناه " ولد مجنون"، وكذلك بعض القصص العربية المماثلة وجه الاتفاق بينها ، ومدى تأثير الثقافة العربية على الصومالية ، كما تحدث بعض الأشعار الصومالية العربية حيث يعمد وجه المقارنة بين الأدبين. ويقع الكتاب 150 صفحة تقريباً ، وطبع بمطابع دار الثقافة القطرية في عام 1996م. ومن مؤلفاته:

- مذكرات عن رحلاتي

- الصومال إلى أين؟

- الصومال بين طورين

- أطوار النضال في شمال وجنوب الصومال

(رؤوس الأفاعي) وهو رواية أريد طبعها قريبا.

من غالكعيو إلى جوتنبيرج في السويد وهو قصة مهاجر.

الجدير بالذكر أنّ الراحل ينحدر من أسرة علمية، ويكفي أن نشير إلى أخيه الأستاذ عبد الرزاق حسين حسن رحمه الله 

كان أحد الأساتذة للجامعة الوطنية الصومالية ، ورئيس قسم اللغة العربية، صاحب المؤلفات القيمة مثل:

- المسح اللغوي في الصومال وتأثير اللغة العربية في اللغة الصومالية

- الألفاظ العربية الشائعة في اللغة الصومالية

- تأثر اللغة العربية على اللغة الصومالية 

رحمه الله جميعاً ، وأسكنهم فسيح جناته. 

 

Friday, 12 January 2024

الأمن الصومالي جزء من الأمن القومي العربي وليس جزء من الأمن الحبشي


ما من شك بأنّ الأمن الصومالي جزء من الأمن القومي العربي، كما أنّ الأمن العربي لا يستقر إذا كانت الصومال متوترة غير مستقرة، بل أكثر من ذلك فإن الاستقرار في الشريط البحري (الأحمر والمتوسط) كان عبر التاريخ بمثابة الحزام الأمني للمنطقة العربية برمّتها، كما شكلت الدول والممالك الإسلامية فيما بعد على شاطئ البحر الأحمر طرازاً إسلامياً تمثل جوهرة عقده مدينة “زيلع الصومالية”.

ومنذ محاولات الأحباش وهجمات قراصنتهم على سواحل جدة في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان المسلمون على حذر من هؤلاء، وقد أمر ابن الخطاب بإيفاد حملة بحرية للقضاء على نشاط القرصنة. أما في عهد خليفة عبد الملك بن مروان رحمه الله  فقد رأى محاصرة الأحباش على السواحل وبالتالي خطط على إبعاد خطرهم بحيث سيطر الأسطول الأموي على جزر دهلك الصغرى والكبرى لحدّ هجمات القراصنة لسفن المسلمين، وذلك حتى لا تعود هيمنتهم على المنطقة مثلما سيطروا على اليمن في فترة قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ومحاولاتهم بهدم الكعبة بقيادة أبرهة الأشرم.

وحينما غزت دولة البرتغال على منطقة شرق إفريقيا بعد دورانها حول رأس الرجاء الصالح بقيادة الملاح “فاسكو دي جاما” بغية الوصول إلى المحيط الهندي والتخلص من سيادة العرب للطرق التجارية التقليدية، وقد استطاع البرتغاليون الإتصال بالملك الحبشي المسيحي ليتعاون معهم في مشروع احتلال مكة والمدينة والزحف تجاه السلطنات الإسلامية المطرزة على طول الساحل.نعم كان هدف البرتغال الهجوم على الحجاز وهدم الكعبة ونبش قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، بالإضافة إلى الوصول إلى الهند والشرق الأقصى مباشرة دون الحاجة إلى توسط المسلمين في نقل التجارة، لسيطرة المياة الإقليمية ثم لتحقيق الحصار الاقتصادي على العالم الإسلامي من ناحية الجنوب، في ذلك الوقت كان الشعب الصومالي هو الشّعب الوحيد في منطقة شرق إفريقيا الذي اعترض الأسطول البرتغالي في مدينة براوي ولم تتمكن هؤلاء الاقتحام بالمدن الساحلية الصومالية على غرار ما فعلوا على ممباسه وكلوة ولامو ومليندا وزنجبار، وبمجرد وصول الأسطول البرتغالي إلى سواحل إفريقيا الشرقية قصفوا بمدافعهم ونيرانهم حتى أخضعوهم وأرغم السكان على دفع الضريبة لملك البرتغال.

أما عند محاذاة سفن البرتغال بمدينة مقديشو ققد خافوا منها لما رأو المنارات والمآذن الشاهقة ظناً منهم بأنها قلاع للحرب، واكتفوا فقط إطلاق المدافع عليها، ثم واصلوا الزحف نحو اليمن والحجاز واصطدموا مع الأسطول المملوكي اليمني في بحر العرب الذي انهزم أمام البرتغال، وبالتالي فرض الأسطول البرتغالي حصاراً قوياً عليهم لمنع السفن القادمة من الهند من الدخول إلى  البحر الأحمر والمواني العربية، كما أنّهم استخدموا أعنف أساليب القرصنة ضد التجار والحجاج المسلمين واستولى على بعض السفن العربية.

من هنا أخذت الخلافة العثمانية مسؤوليتها تجاه العالم الإسلامي وعلى رأس ذلك حماية الحرمين الشريفين، بل توغل الأسطول العثماني إلى المنطقة بعد أن تهيأ لمصارعة البرتغال وكونت الجبهة الإسلامية، ثم تأمين البحر الأحمر، لعمل الحزام الأمني حول الحرمين الشريفين، واستطاع العثمانيون كبح جماح البرتغاليين وعدم وصولهم إلى الأماكن المقدسة، ومن هنا فشلت جميع المحاولات البرتغالية الحبشية للوصول إلى الحرمين الشريفين. من ناحية أخرى استطاع بنو عثمان وقف الزحف الشيعي الصفوي الذي كان متعاوناً بالبرتغاليين مثلهم مثل الأحباش، وكان العثمانيون يرون بأنّ عليهم مسؤولية حماية المسلمين من الخطر المسيحي، كما تولّو مسؤوليتهم تجاه حماية المذهب السني من خطر الزحف الشيعي المتطرف..

وليس من الغرابة  في شئ أن تطمع إثيوبيا مرة أخري في عام 2024م، الإستيلاء علي ميناء زيلع للتلاعب بأمن المنطقة العربية خدمة لأجندات توسعية لايهدف إلا إلي القضاء على مقدرات الأمة العربية وفي مقدمتها الصومال . ولهذا يكون التساؤل الطبيعي ” ما أشبه الليلة بالبارحة، وكأنّ التاريخ يعيد نفسه.