Sunday, 2 October 2016


لماذا نخاف الحديث عن الحركات الجهادية ورموزهم؟!
د/ محمد حسين معلم علي
بعد صدورر الحلقة الأولى من سلسلة مقالنا " أسد سرمان ووديانه الشيخ مختار روبو" اتصل بي كثير من الأصدقاء والأقرياء، بعضهم بعثوا التأييد والتهاني والتبريكات لهذه المحاولة الجريئة من نوعها – حسب رأيهم – وقالوا: " الأمر لا يكون شاذا عمّا كنت َتكتبه من قبل" ، بل ويطلب هؤلاء المزيد من الكتابة حول ذلك، وأن نلقي الضوء على هذه الشخصية التي اختفت عن المنظر عقدا من الزمن لكي يتضح الأمر ويكون للقارئ الكريم على معرفة تامة عن المحدث عنه. في حين يرى الأخرون ما لا يراه الأولون بحيث يخافون علىّ بأن أتورط بالمشاكل وما لا يحمد عقباه، وأن أمدح جماعة أو شخصاً ارتكب بالعنف والإرهاب وتبحثه العدالة العالمية لاسيما إنني مقيم في الغرب، فجزاهم الله خير الجزاء لكل من الفريقين، غير أنّ الفريق الأخير ينسى أو غاب عنه بأنني تناولتُ في الصيف لعام 2013م قرابة عشر حلقات عبارة عن سلسلة من المقالات لها علاقة بموضوع الإرهاب عبر شبكة الشاهد بعنوان " الغرب وقضية الإرهاب في أكثر من ثوب " وطرحت وجهة نظري في القضية بل وانتقدتً ممارسات الغرب وسبل معالجتهم في الأمر، كما عقدتُ دورات ومحاضرات في النرويج لها علاقة بالموضوع، وأشرتُ بأن يكون العلاج لهذا المرض العضال عن طريق الحوار والاتصال بالطرف الآخر ولكن بعيدا عن العنف وعن أروقة المخابرات العالمية أو الإقليمية.
أمر آخر ينسى هؤلاء هو أنّ الغرب يوم تحرر عن جبروت الكنيسة وغطرسة البابوية وكذا قبضة الجنرالات لم يعد يحجم الآراء والأفكار الصادرة والنابعة لأصحابها إذا لم يصاحبها بما يخل الأمن والاستقرار ويقدح الديمقراطية أو يخدش بالقيم الغربية، خلافاً لما يحصل لبلداننا والتي تعادي من يكون خارج السقف المرسوم وقبة الحاكم، بما في ذلك المجاميع الاجتماعية والكتل العلمانية وحتى الحركات التحررية والإسلامية فضلاً عن السلطات الحاكمة والذين يرون " لا صوت يعلو فوق صوت القائد والرئيس إلخ ". فليت شعري إذا لم نكتب نحن عن ما يجري في أوطاننا فمن يكتب ويبحث أو يفند؟ وإذا لم نلتق نحن بأهلنا وشبابنا ونعرف مشكلاتهم وما يعانون من المصائب ثم ندرس أو نبلور حتى نقدم حلولا مناسبة فمن يقوم هذا المقام  وخاصة في وقت تخلى عنهم الحبيب قبل الحاسد وبرئ من دفع إلى الميدان وشجع في مواجهة الأحباش ونيل الشهادة. وهل من المعقول أن يقدم غيرنا حلولاً سلميةً أو حربيةً لمعالجة الإرهاب وهم أطراف لها مغزى في الأمر ولا تراه انهاء المشكلة كليةً بل أحياناً تزيد الطين بلة، لغاية في نفس يعقوب.
وكم كانت دهشتي مدى الخوف والرعب الذي يصاحب كثير من أهلنا في الداخل وحتى في الخارج إذا تناول القلم بمواضيع لها علاقة بالحركات الجهادية، أو أن يسمع عبر هاتفه بعض الأسماء القريبة بالحركات الجهادية حينما يوجه إليه بعض الأسئلة، وكأنّ الغرب هو الناهي والآمر لغير الله في هذا الكون ويرسم حياتنا الفكرية والثقافية والدينية، ولو كان الأمر على ما يظنّ البعض لما هرولنا إلى الغرب ولجأنا إليه بحثاً عن الحرية والعيش الكريم نستنشق أريج الهواء ونستمتع بما افتقدنا في بلداننا الأصلية – من الأسف الشديد – و,لعل سبب ذلك يكون نتيجة بأننا ابتعدنا عن القرآءة وخاصة بأننا لا نقرأ بما يكتب غيرنا وإلا لعرفنا بأنّ زملاءنا الكتاب والباحثين في الغرب كتبوا مئات الكتب والبحوث في الموضوع، بل وأكثر من ذلك التقوا بقادة الحركات الجهادية وعلى رأسهم الشيخ أبي عبد الله أسامة بن عوض بن لادن قبل أن يقتله الأمريكان، سواء قبل مجيئه إلى أفغانستان أو بعدها، ومن بين هؤلاء الذين التقوا  قادة القاعدة الكاتب والصحفي البريطاني روبرت فيسك الذي يعتبر من المراسلين القلائل الذين حظوا بعدة فرص للقاء بن لادن.
روبرت فيسك 
وكتب عن هذه اللقاءات في كتابه الصادر في 2005 بعنوان''The Great War for Civilisation - The Conquest of the Middle East''.
الجدير بالذكر أنّ السيد فيسك اجتمع بن لادن ثلاثة لقاءات مختلفة كان أولها في ديسمبر عام 1993م في منطقة نائية في صحراء السودان وهناك تعرف فيسك على بن لادن "الخجول"، واللقاء الثاني كان في أفغانستان وفي هذا اللقاء تعرف على "بن لادن" الغاضب الساخط على النظام السعودي، أما في اللقاء الثالث الذي تم في أفغانستان أيضا وجده غاضباً أيضا لكن هذه المرة كان غاضبا من الغرب وبخاصة الأمريكان في مارس عام 1997م. ولم يخف فيسك كونه مسيحياً وقال لابن لادن "أنا لست مسلم، أنا صحفي وعملي هو البحث عن الحقيقة"، مع ذلك كان يمدح قائلاً: "لديه ثقة بالنفس عالية جدا، كما أنه العربي الوحيد الذي التقيته ولا يغير رأيه بعد ذلك، ينتظر دقيقة ينظف خلالها أسنانه بالسواك ليجيب على السؤال".
 من الغربيين الذين التقوا أسامة بن لادن الصحفي الأمريكي سكوت ماكلويد في عام 1996م في الخرطوم ونشر قصته في مجلة التايم الأمريكية. مثله مثل الصحفي جون ميلر مراسل سابق لشبكة " إيه بي سي" التلفزيونية حيث التقى بن لادن في أفغانسان."  ومن الذين التقوا زعيم القاعدة أيضاً السيد بيتر ارنيت في عام 1997م من قبل شبكة CNN وذلك بعد أن أعلن بن لادن الجهاد على أمريكان.
عبد الباري عطوان
ومن أشهر من التقى الشيخ أسامة بن لادن السيد عبد الباري عطوان الصحفي الفلسطيني الأصل البريطاني الجنسية في عام 1996م في منطقة تورا بورا بأفغانستان. ولا يُخفِي عبد الباري عطوان إعجابه بأسامة بن لادن كما لا يرىضى إلا أن يناديه بالشيخ بل ويرى بأنّه " رجلا بسيطاً جداً ومتواضعاً جداً، يأسر القلب بأدبه وتواضعه وبلطفه الجم، كان خفيض الصوت لا يكذب أبداً، محب للشعر، بالإضافة إلى أنه قارئ جيد"
وممن التقى بن لادن نخبة من الصحفيين من باكستان الدولة المجاورة لأفغانستان مثل:  السيد بكر عطياني في قندهار الأفغانية، والسيد حامد مير الذي أجرى حواراً  قبل تنقله وهروبه الدائم بعد أحداث الحادي عشر سبتمبر. وكذلك الصحفي رحيم الله يوسف زاي الذي عمل مقابلة مع بن لادن وأيمن الظواهري.
تيسير علوني
أما تيسير علوني مراسل قناة الجزيرة نعرف بأنه التقى مع بن لادن وعمل معه مقابلة صحفية خلال عمله مراسلاً في أفغانستان بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وإن أدين فيما بعد بتهمة التعاون مع خلايا إرهابية وإجراء المقابلات والاتصال مع منظمة القاعدة
ولمزيد في الموضوع ارجع إلى "صحفيون "وجها لوجه" مع بن لادن" في شبكة دوت مصر.[1]
وحسب رأيي أنّه لا تكفي عقد مؤتمرات في الفنادق وأحياناً في المنتجعات السياحية ثم إصدار الشجب والاستنكار للتطرف الديني والإرهاب الذي أهلك الأمة وأساء دينها ، كما لا تكفي بعض كلمات تكون عبر الأثير دون أن ننزل إلى الميدان ونخالط الناس، وإلّا كيف يتفاعل الناس ممن ينادى الحوار والنصيحة وترامى على أحضان السلطة والأجانب وابتعد عن المساجد ومراكز العلم، بل وجلس على أحلاس المقاهي المصون بالسياج العسكر دون أن يبدلوا أقصى ما عندهم من المرونة والحيلة، ؟  كيف يمكن أن يثق الظرف الأخر مثل هؤلاء؟. والحق أنّه ما أحسن قول الإمام مالك رحمه الله: (لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها) ، وما أجدر بنا أن نتبع منهج صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وطريقة معالجتهم بالتطرف بحيث جلسوا مع من خرج على الجمع وخالف السنة مع توجيه النصح والإرشاد. ما أحسن أن نقتدي بهذه النجوم اللامعة وإن أدى الأمر إلى بعض المضايقات حتى يتمّ الحوار والمناظرة معهم ولكن دون مكاسب أو مآرب أخرى، ومن خلال هذه الجهود ربما يستيقظ البعض ويعرف ما لم يكن يعلم عندما يرون الحب والإخلاص من قبل المصلحين المخلصين كما حدث ذلك فعلاً لدى الصحابة مثل عبد الله بن العباس رضي الله عنه.
أعرف أنّ الأمر ليس سهلاً ولكننا ربما نستأنس تلك النماذج والجهود المباركة التي تحققت في عصرنا الحاضر على أرض الواقع في بلاد الحرمين الشريفين عندما بدل أهل الفكر والثقافة بما فيهم العلماء البحث عن معالجة التطرف ومقارعة الفكر بالفكر دون تدخل السلطات وبعيداً عن المخابرات والضغوط الخارجية، علماً أنّ أغلب الرموز التطرف الأوائل وقادتها كانوا من الخليج، ومع ذلك استطاعوا تحجيم خطره واستأصال بؤرءه بالعقلانية المصحوبةً بالرهفة والرحمة. أما الدبلماسية القطرية وما تقوم به تجاه الجماعات المشددة - رغم صغر حجمها - من الحوار والتوسط ثم الاستقطاب والاحتضان لمن يتخلى العنف والتطرف إلى اراضيها ما هو إلا احدى الاستراتجيات النموذجية لمعالجة المشكلة.


                                                   


No comments:

Post a Comment