أسد سرمان
ووديانه مختار روبو الرحنويني (2)
| د/ محمد حسين معلم |
![]() |
| الشيخ مختار روبو |
محطات ومطبات عبر الطريق نحو القيادي أبو منصور روبو:
وصلتُ بسلامة الله وحفظه إلى ضواحي مدينة مقديشو
وبالذات منطقة الآبار Ceelasha برفقة شيخين كريمين فضيلة الشيخ محمد ياسين
عبد الواحد الداعية المعروف ورئيس جمعية حنين الخيرية، والشيخ الفقيه معلم مصطفى شيخ إسحاق آدم الليساني وذلك في أواخر الأيام من شهر يوليو
عام 2011م بعد أن سلكنا الطريق البري لأنّه لم تكن في هذه الفترة رحلات جوية محلية
بين بيدوا والعاصمة بسبب سيطرة حركة الشباب على أغلب المناطق في جنوب البلاد. وفي
الطريق وخاصة مدخل مدينة بورهكبة رأينا جثة ميت مكفن ملقات على حافة الطريق وقالوا
لنا إنّه رجل ارتكب بالزنا فقتل حداً وألقي في الطريق ليكون عبرة لغيره، وقد سألتُ
وأين المرأة الزانية – إذا كان الخبر صحيحاً- وهل هناك شهود أربعة عاينت العملية
أم أنّ الرجل اعترف بنفسه، وكان الجواب" إنّ هؤلاء لا يسأل عما يفعلون"،
بالإشارة إلى قوات تابعة للحزب الإسلامي ذات الإتجاه السلفي " المكون من
الجبهة الإسلامية ومعسكر الفاروق "عانولي"، ومعسكر رأس كيامبوني، وزعامات
من جناح أسمرة والمدعومة من أتباع حسن طاهر أويس ويوسف محمد سياد إندعدي، علماً
أنّ الأخير صاحب أكبر عدد من المليشيات للحزب، ومهما كان فإنّ الحزب كان يسيطر على
مدينة بور هكبة المذكورة ويرى بأنّهم أصحاب السلطة الشرعية رغم أنّهم كانوا في حوض
حركة الشباب وتحت رحمتهم، ومع ذلك كانوا يلتزمون بتنفيذ الحدود – وليتهم تركوا ذلك
واقتصروا على حفظ الأداب الإسلامية والمظاهر الحسنة والتهذيب والمحافظة على
المصلحة العامة فقط مع التأديب – كما أوصى ذلك العلماء في العالم الإسلامي أكثر من
مرة - حتى لا يظلم الناس باسم الدّين
الإسلامي أو يساء الإسلام وتعاليمه الحسنة – ومن الغريب كان يرى هؤلاء الشرعية
التامة على الأمة المنهمكة بالحروب والنزاعات في ظل استمرار الفوضى، مع أنّهم لم
يوفروا الاستقرار التام والعيش الكريم، بل استولى الأمر عنوة بدون الرضا، فضلاً أنهم
لم يكونوا ذات شوكة قوية يستطيعون دفاع البلاد والعباد من العدو الحبشي وغيرهم.
وعلى طول الطريق كان الشيخان الشيخ محمد ياسين ومعلم مصطفى يناقشان بعض المسائل الفقهية، وكنتُ أستفيذ من هذا التبادل العلمي، ولاحظتُ في هذه الرحلة
مدى قوة ذاكرة ابن عمنا الشيخ مصطفى وإلمامه بالمسائل الفقهية الموجودة في الكتب
الشافعية، ورغم صلة القرابة التي كانت فيما بيننا إلا أنني لم أكن أعرف بهذا
المستوى العلمي، علماً أنّه أخذ الفقه من أبيه الشيخ إسحاق أدم الذي تتلمذ على
الشيخ حسين عدي الأبغالي، والأخير درس الفقه علي يد فقيه مقديشو وقاضيها الشيخ محي
الدين معلم مكرم آل فقي والذي تلقى العلم علي يد العلامة الشيح أبيكر المحضار
المدفون بقرية ورشيخ، في حين كنت أعرف المستوى العلمي للشيخ محمد ياسين وإلمامه في
التفسير والحديث وفي الفقه المقارن، بحيث أنّ الشيخ محمد من بين الدعاة القلائل الذين
ألزمو أنفسهم مواصلة الدعوة وإلقاء الدروس العلمية في المساجد بمقديشو في السنوات
الأخيرة بعد أن زهد الدعاة عن الساحة الدعوية خوفاً من الحالة الأمنية، وانشغالاً
في الذينا وأحوالها، وبعد هذه الرحلة
الفقهية والمناقشات العلمية وصلنا إلى مدينة أفجويي، وفي نقطة التفتيش في بوابة
المدينة أوقفنا شاب صغير على حدود 16 سنة من عمره تقريباً وطلب منا النزول وإقامة
صلاة الظهر، وقلت له نحن مسافرون وانطلقنا من مدينة بيدوا ونريد أن نواصل السفر
إلى مقديشو، فردّ عليّ بلطف شديد يا عمي إنّ الصلاة لا تأخذ منكم وقتاً طويلاً،
فكان ردّي شديداً بحيث صرختُ عليه قائلاً " حبذا لو تركتنا نأخذ رخصة الله
ونلتزم هدي نبينا صلى الله عليه وسلم أم تريد أن تجبرنا على أوامرك؟ ألم تسمع قول حبيبنا محمد صلي الله عليه وسلم : ( إن
الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه ، كما يكره أن تؤتى معصيته ). فقال: إذا كان الأمر
هكذا واصلوا سفركم وعلى بركة الله، ثم سألتُ الفتى على أنّه من (رجال الحسبة) ومن
يراقب على آداب الإسلام وسلوك الأمة،
فأجاب نعم.. فقلتُ له إذاً إلزم في الأسواق وأماكن العامة وليس على الطريق حتى لا
تعرقل المسافرين، فكان جوابه هادئا قائلاً "إن شاء الله يا عمي وسامحوني إذا
ضايقتُ عليكم". والحق أنّه كان من المفروض أن يكون مثل هذا الفتى المسكين
جالساً على مقاعد التعليم والتربية بدلاً من إيقافه على قارعة الطريق، في حين ربما
بعض قادته ومن دفع إلى الميدان في فلة أو شقة وتحت مروحة يشرب الماء البارد وأولادهم
وذويهم لعلهم في المهجر يتلقون التعليم والتقدم الحضاري بينما هو وأمثاله معرض
بالأخطار والضياع، وباقي الأمة أسيرة بمخططاتهم الجهنمية الرهيبة.. نسأل الله له
ولغيره ولنا السلامة والعافية... والعجيب لم يتدخل الشيخان الفاضلان بكل ما كان يجرى
بيني وبين ذاك الفتى البار، غير أنّه لما ذهب قالوا لي " يا محمد أنت مستعجل جداً
ولا يناسبك العيش والمكوث هنا في الصومال فعليك أن ترجع سريعاً من حيث أتيتَ ، فهل
تظن هنا بلاد النرويج ألا تخاف ردة فعل غير محمودة، ومن حسن حظك أنّ الرجل ربما ظنّ
أنّك من كبار القوم وقادتهم". وبعد رتلاً من الأسئلة والعتاب أدركتُ الأمر
وعرفتُ خطورة الموفق مع أن كلامي لم يكن مخططاً بحيث خرج مني عقوياً وفجأةً وبدون
تفكير ووعي، وكأنني ما زلتُ في بلاد الحرية والكبرياء، ولكن من فضل الله ربي ستر،
نسأل الله أن يسترنا تحت الثرى وفوقها، وفي الدنيا والآخرة.
والحديث له بقية، والبقية سوف تتناول اللقاء المرتقب مع
الأسد.

No comments:
Post a Comment