Saturday, 20 May 2017





جهود أهل الصومال في خدمة المذهب الشافعي 7
في مجال الفتوى والإفتاء ( القسم الثاني )
تابع للفتاوي الصومالية عبر التاريخ:
د. محمد حسين معلم
من ناحية أخرى كانت تصل إلى أهل العلم في الصومال بعض المسائل الفقهية والشرعية المستعصية من أقطار إفريقية أخرى أو من أطراف بلاد الصومال الكبير، كما حصل ذلك للعلامة الشيخ علي بن محمد بن صديق بن عثمان المشهور بالشيخ علي ميه الدرقبي البكري المركي بحيث كانت له مراسلات واتصالات بينه وبين سلاطين سلطنة زنجبار الإسلامية الذين ينحدرون من أصول عمانية من آل البوسعيدي، وقد بعث الوالي البو سعيدي في زنجبار إلى الشيخ علي ميه في مدينة مركه الساحلية في جنوب الصومال رسالة تحمل في طياتها بعض الأسئلة يطلب فيها السلطان إجابة لسؤال نفاذه الحيّ أفضل أم الميت؟ وذلك أن أحد القساوسة النصاري جاء إلى هذا الوالي في زنجبار فطرح عليه هذا السؤال فأجاب الوالي الحيّ أفضل من الميت، فقال القسّ إذاً عيسى أفضل من محمد، لأنّكم تقولون إنّ عيسى حي لم يقتل بل رفعه الله و أنه سينزل في آخر الزمن ، ومحمد مات ، فتحيّر الوالي، ثم راسل  إلى الشيخ علي بن ميه رسالة يستفسر الأمر ويطلب منه إجابة شافية في المسألة. فشرع الشيخ يجيب رسالة السلطان ولكن عن طريق كتابة علمية كتب فيها رسالة لطيفة يجيب فيها عن هذا السؤال، و قد أطلق رسالته هذه ( وردية الليب في فضل الحبيب ) فبدأ الشيخ حديثه يذكر معنى الفضيلة ومدولها مازجاً كلامه بالمنطق وعلم الكلام ، وناقش الأفضلية حيث بحث المسألة برمّتها في منظور حسّي ، واستدل الشيخ علي بن ميه في ذلك من الكتاب والسنة وبعض أقوال العلماء كالشيخ أحمد بن حجر الهيتمى والشيخ جلال الدين السيوطي والشيخ محمد البوصيري والشيخ إبراهيم بن محمد البيجوري. والرسالة مازالت مخطوطة في 12 ورقة في كل ورقة 13 سطراً. 

وهناك واقعة مماثلة حدثت مع الشيخ علي بن حاج عبد الرحمن فقيه المشهور بشيخ علي المجيرتيني، ولكن من داخل القطر الصومال الكبير وذلك عند ما وصلت إلى فضيلته رسالة مكتوبة من أقصى الحدود الصومالية من ناحية الغرب مع الحبشة  تسـأل عن بعض المسائل ليجيب عنها ويعطي جواباً شافياً ومقنعاً لمن استفتاه . فما كان الشيخ علي إلاّ أن يجيب على هذه الأسئلة عن طريق كتابة علمية أيضاً فدوّن الأسئلة وإجابتها في كتاب سماه ( الأجوبة الغيبية للسؤلات الغربية )، ومع إجابة الشيخ بهذه الأسئلة الدينية ارتفعت مكانته العلمية، وأصبح الناس يعجبون بغزارة علمه وقدرته في الفتيا، وبالتالي لم تنقطع الأسئلة تصل إلى مقر الشيخ ومجالسه العلمية، وحينما انهالت العديد من الأسئلة الدينية علي الشيخ  وكثر من يستفتى إليه، شرع في مشروع ديني عبارة عن تأليف رسالة علمية يجيب فيه عن بعض هذه الأسئلة ويضع بعض قواعد للفتيا والمستفتى له فسمى كتابه هذا: (فتح الوليّ في أجوبة الشيخ علي).
وهكذا كان دور أهل العلم في الصومال، وخاصة الفقهاء الذين برعوا في الفقه وفاقوا أقرانهم، حتى لجأت الأمة إليهم تستفتيهم وتسأل عن أمور دينهم . ولا شكّ أنّ هذه النماذج من أهل العلم ودورهم في الفتوى تؤكد مدى اهتمام العلماء والفقهاء باصلاح الأمة وأداء رسالتهم الإسلامية بين الناس، إحساسا بالمسؤلية الكبيرة الملقاة على عواتقهم تجاه مهمتهم المنوطة إليهم، ابتغاءً بمرضاة الله سبحاته وتعالى دون اعتبارات اقتصادية وسياسية أخرى، خلافاً لما نشاهد اليوم في أوساط الدعاة والوعاظ.
 إرشاد الطالب إلى أحكام الشارب
 وهناك كمّ هائل من الأسئلة تستفتي أهل العلم وتطلب منهم الإيضاح والتبيين في بعض أمور دينهم، وقد أجاب العلماء لهذه الأسئلة ولكن أجوبة العلماء جاءت على قالب أدبي موزون تجيب عن الأسئلة الدينية التي وجهدت إليهم، بمعنى أنّ الأجوبة جاءت عن طريق الشعر المقفى ليسهل الناس بالحفظ، كما كان يفعل فضيلة الشيخ عبد الله إسحاق الدراويّ البارطيريّ، ويقال أنّه نظم مسائل فقهية في أبواب العبادات والبيوع والديات. وكان الشيخ عبد الله إساق هذا يركز على الجوانب العقدية ثم الفقهية. وقد بلغني أنّ الشيخ أحمد السوداني بمدينة منديرا في كينيا من عشيرة الشيخ لديه  مخطوطة عبارة عن قصائد الشيخ مكتوبة بالحرف العربي ولكنها بلهجة قبائل الرحنوين.
نماذج من شعر الشيخ عبد الله إساق حول العقيدة باللهجة الرحنونية. 

ومثل ذلك فعل فضيلة الشيخ على عبد الرحمن فقيه الذي أشرنا من قبل ودوره في الإفتاء، غير أننا نشير هنا إلى أن بعض فتاوي الشيخ كانت تتم بعض الأحيان من خلال الشعر والأدب السائر ، عندما كان يوجه إليه الأسئلة يجيب عليها الشيخ بالشعر وكان أغلبها تتم باللغة الصومالية، ليسهل فهمها ولاسيما العامة، لأنّ الأدب وخاصة الشعر ومناحيه أكثر تأثيراً وأبلغ فهماً من النثر في أوساط أهل الصومال في تلك المناطق وغيرها، ولكنّ من الأسف الشديد ما زالت أشعار الشيخ متفرقة في صدور الناس ، ولو حاول البعض جمعها ولملمتها لكان أحسن بدلاً من إضاعتها.
معالي الوزير سعيد حسين عيد

ومن المفيد أن أشير هنا إلى أن هذه النقطة تناولتُ مع معالي الوزير الأستاذ سعيد حسين عيد قبل 25 سنه بعد لقائنا في مقديشو عند ما كان معاليه رئيس تحرير مجلة رياغ التي كانت تصدر في مدينة جرووي في شمال الشرق الصومال، وكان على يد الأخ مخطوطة " الأجوبة الغيبية للسؤالات الغربية ( أجوبة الغيبية في أسئلة الغربية ) وحينها وعد الأخ محاولة ذلك وعرض الأمر على ورثة الشيخ في إحياء تراث الشيخ وإنقاذه، ولا أدري ماذا حصل فيما بعد. كما تحدثتُ الأمر نفسه للمؤرخ الصومالي الكبير الراحل الشيخ جامع عمر عيسى – رحمه الله – وكان  الشيخ جامع هذا حافظاً عدداً من الأبيات الشعرية المنسوبة إلى الشيخ علي عبد الرحمن فقيه ، علماً أنّه كتب فيما بعد كتاباً حول الشيخ علي وتراثه.
مع الشيخ جامع في نيروبي 1998م
 
ولا ننسى فتاوي الشيخ علي حاج إبراهيم الإسحاقي – رحمه الله - أحد علماء الصومال المشهورين في مدينة بربرا الساحلية، وقد أشار فضيلته بهذه  الفتاوي وأنها جاءت عقب الأسئلة التي وجهها البعض إلى فضيلته كما جاء ذلك في كتابه ( الفتاوي والأسئلة الشرعية والعلمية )، وقد بين الشيخ في هذا الكتاب بعض الأحكام ا لشرعية التي طرحت في الساحة وأجوبته حسب كما كان يراه صواباً ، معتمداً على المذهب الشافعي الذي كان يجيد فضيلته رحمه الله.
 إرسال بعض الفتوى إلى الخارج:
وأحياناً إذا استعصى أمر الفتوى لظروف ما ، كان يضطر بعض  أهل العلم الاتصال إلى إخوانهم في العالم الإسلامي لكي يجدوا جواباً شافياً ومقنعاً  في مآربهم ظالما الأمر متعلق بديننا الحنيف، لأنّهم كانوا يرون في ذلك المسؤولية الكبيرة أمام الله سبحانه وتعالى خلافاً بما يحدث في زماننا  هنا وهناك التسرع بالفتوى مع عدم أهليتهم، نسأل الله سبحانه وتعالى العفو والعافية. وقد أشار بعض الباحثين إلى أن اهل الصومال كانوا أحياناً يلجؤون إلى أخوانهم في مصر، حيث كانوا لا يستغنون عن بعض المسائل التى تصعب عليهم ، لاسيما  علماء الأزهر، إذ كان الأزهر يلعب دوراً مهماً في إصدار الفتوى ويرسلها إلى الصومال ( كما ذكر ذلك الشيخ عبد الرحمن محمد النجار في كتابه الرحلة الدينية إلى إفريقيا ص 115 ).
ومهما كان الأمر فإنّ مقام المفتى كانت – ولا تزال – عالية بل ولا يكون أمره هيناً لدى العلماء الربانيين، وحتى ممن يطلق عليهم مفتى الديار في العالم الإسلامي في وقتنا الحاضر نراهم بأنّهم عبارة عن واجهة للمنصب  يحيث أنّهم يترأسون دار الفتوى للقطر ما، ويلتف حولهم كوكبة من أهل العلم والدراية لهم تخصصاتهم المختلفة ليس في علم الفقه وأصوله فحسب، وإنما في علوم أخري كالقرآن وعلومه والحديث وعلومه واللغة والأدب ، وعلم التاريخ. بل إنّ دار الفتوى أو مكتب المفتي علاقته مفتوحة إلى أهل الدراية في بعض التخصصات مثل الطب وغيره، وبهذه الطريقة تصون الشريعة ولا يحصل مخالفة كبيرة لإصدار الفتوى حتى ولو جانبوا الصواب، لأنّه من الصعب أن تجتمع الأمة على الباطل. وعلى هذا الوجه نرى في عصرنا الحاضر من يطلق عليهم مفتي الديار أو تعين الجهات الرسمية لبلد ما  مفتي عام.
علاقة الفتوى بالمذهب الشافعي:
فقد أشرنا من قبل أنّ الفقه عموماً ومجال الفتوى خصوصاً كان غالباً يتمحور حول المذهب الشافعي السائد في منطقة شرق إفريقيا ، غير أنّ التزام دائرة الإفتاء والفتوى على مذهب الإمام الشافعي لا يعني التقليد التام لاجتهادات فقهاء المذهب، بل للدائرة رؤية متقدمة في طريقة الاستفادة من جميع مفردات المذاهب الفقهية عند الضرورة كما هو الحال في قضية إرسال الزكاة إلى خارج البلاد. ومن الطبيعي أن يكون المذهب الشافعي مهيماً على الأروقة العلمية بعدد عوامل مثل عامل العلماء، لأن في البلاد عدد من العلماء الفقهاء من أهل الصومال تفننوا وتخصصوا بالفقه وأصوله على المذهب فقط دون غيره، وحتى العلماء المهاجرون الذين وصلوا إلى المنطقة أكثرهم كانوا فقهاء على مذهب الشافعي وكان لهم دروساً فقهيةً في حلقاتهم العلمية التي كانوا يديرون بها في المراكز والمساجد، كما أنّ المعلمين العرب فى المدارس كانوا شوافع. ويضاف إلى ذلك عاملاً آخر وهو طلبة العلم الذين نزحوا إلى اليمن والحجاز، وحينما وبعد انتهاء فترة طلب العلم عادوا إلى بلدانهم وهم شوافع وخاصة تلك الطلبة الذين كانوا في اليمن وبالذات منطقة زبيد، فقد عادوا المنطقة بحيث أصبحوا علماء ومفتين على المذهب الشافعي مثل العلامة المفتي داود بن أبي بكر الذي رحل إلى اليمن ثم الحجاز بجوار حرمي مكة والمدينة، وعاد إلى منطقة القرن الإفريقي بعد تحصيله العلمي. (انظر  عبد الله كديرأحمد: الهجرة وأثرها في انتشار الاسلام بإفريقيا (الحبشة نموذجا ( ص 165). وهناك عامل آخر يتعلق بنوعية الكتب بحيث أنّ معظم المصادر والكتب الفقهية التي كانت تأتي من الخارج  وخاصة من الديار المصرية واليمنية كانت على المذهب الشافعي، ومن هنا كان من البديهي أن استقى طلبة العلم على هذا المعين، وبالتالي برز في الساحة العلمية  كوكبة من الفقهاء الأجلاء اشتهروا في المنطقة وخاصة بجوانب الفقهية ، وهؤلاء كانوا منتشرين في أغلب المدن العلمية في الصومال ، كما انتشروا في أنحاء أخرى في العالم الإسلامي.  وقد أورد العلامة الجعدي بعضاً من هؤلاء الفقهاء من أهل الصومال
 Bilderesultat for ‫طبقات فقهاء اليمن‬‎
مثل : موسى بن يوسف ، وأبو القاسم بن عبد الله ، وإبراهيم بن محمد المثنى، وعبد الله بن عبد ، وأحمد بن المزكيان ، ثم أشار إلى أنّ هؤلاء نزحوا إلى اليمن  من مدينة مقديشو التي اشتهرت وبرزت في فترة من الفترات في الجوانب العلمية ،بل وقادت الحركة العلمية والثقافية في المنطقة (  أنظر فقهاء اليمن ص 209). إذاً فليست من الغرابة إذا زار بعض أهل العلم من الفقهاء الأجلاء إلى المنقطة لشهرة علمائها للفقه وأصوله، وممن زال المنطقة العلامة الفقيه والقاضي أبو عبد الرحمن حسين بن خلف المقيبعيّ - أحد فقهاء تهامة في اليمن المشهورين في القرن السادس الهجري - حيث زار مدينة زيلع سنة ست وخمسائة وكان فقيهاً فاضلاً عارفاً كاملاً أصولياً فروعياً  محدثاً ، كما أنه كان أحد فقهاء تهامة  المشهورين ، حيث اشتهر هذا الشيخ بعلمه الغزير وفقهه الواسع ( كما ذكر ذلك العلامة  الجعدي وأبو مخرمة).

No comments:

Post a Comment