Friday, 2 December 2016


أسد سرمان ووديانه مختار روبو الرحنويني
6
الرهينة الفرنسية وميناء كسمايو:
 وفي الحلقة الماضية أشارنا إلى قول أبي منصور مختار روبو واعتباره بالأسير الفرنسي - الذي كان في حوزة حركة الشباب بعد اختطاقه - وميناء  كسمايو - التي كانت تحت سيطرة الحركة - بأنّه من أهم العوامل التي تجعل الحركة موحدة ومتماسكة ظاهرياً... غير أنّ بعض القراء طلبوا مني التوضيح في ذلك الأمر وفهمه، وكيف يكون هذين أمرين سبباً قوياً في تماسك الحركة المهلهلة ومختلفة في قضايا جوهرية!، وأعتقد أنّ ما ذكر القائد الميداني لحركة الشباب كان واضحا،ً واللبيب يفهم بالإشارة وكان قصده أن يشير إلى أنّ العامل الاقتصادي هو الذي يلعب دوراً  كبيراً في سير الحركة التي كانت تتناغم بالجهاد والتضحية، لأنّ ميناء كسمايو كان له – وما زال – مردوده اقتصادي بحيث تشهد حركة تجارية رهيبة بين الأقاليم الصومالية في الجنوب، وكذلك بين الصومال وبين دول الجوار مثل كينيا وإيثوبيا، بل ويقال أن البضائع الصومالية التي تأتي من هذا الميناء الكبير وغيره تصل إلى بعض الدول في وسط وجنوب وغرب إفريقيا بسبب انعدام نظام جمركي منضبط يضع ضرئب على البضائع والسلع، بالإضافة إلى أنّ الحدود غير مراقبة ومفتوحة على مصراعيها، مما جعل مركز ميناء كسمايو ينشط ويعود للحركة مردود اقتصادي هائل – كما هو اليوم - وهذا الدخل المالي الكبير وغيره يتقاسمه الولايات الإسلامية التي أنشأت الحركة في أراضي شاسعة بدءاً من مناطق مدغ ووسط الصومال وحتى على الحدود الصومالية المتأخمة مع كينيا وأخرى مع إيثوبيا.
أما الأسير الفرنسي المدعو دينيس ألاكس كان لدى حوزة حركة الشباب فكان أصله ضمن ضباط فرنسيين الذين كانوا يساندون الحكومة الصومالية في عهد الرئيس شريف شيخ أحمد في النواحي الأمنية، وقد استطاع ثلة من مسلحي حزب الإسلام اختطاف اثنين من هؤلاء الفرنسيين في فندق الصحفي بعاصمة مقديشو في يوليو / تموز عام 2009م، وعلى إثر هذه العملية أقيل وزير الداخلية في ذلك الوقت الشيخ عبد القادر علي عمر، أما الأسيران فقد استطاعت حركة الشباب أن تأخذ أحدهما عنوة وتحت التهديد من قبضة أتباع حزب الإسلام واحتفظت وساقت إلى معسكراتها السرية، فأما الأسير الآخر فأعلن حزب الإسلام بعد فترة بأنه فرّ وانفلتَ عن أيديهم، ولكن يظهر بأنّه حصل صفقة سرية غير معلنة بين الحزب وبين جهة مجهولة عبارة عن وسيط بين الحزب وفرنسا، وهو ما كانت تخاف حركة الشباب أن يحصل لأنّها كانت تراه  – أي الحزب – ضعيفاً وهشاً وعلى أرضية غير صلبة، وفيهم انتهازيون وقبليون، في حين كان الحزب يحتاج في تلك الفترة كما يبدوا أموالاً طائلةً لاستمرار كفاحه في سبيل تنفيذ برامجه السياسية والعسكرية لأنه لم يكن لديه دخلٌ ثابتٌ مثل حركة الشباب بسبب عدم سيطرته على مرافد اقتصادية مثل مواني ومطارات وكذلك طرق تجارية كبيرة.
محاولات دولية في تحرير الرهينة وانتظار الحركة بتقسيم الكعكة ( الغنيمة):
لقائي مع الشيخ أبي منصور مختار روبو الليساني في شأن الرهينة الفرنسية كان طريفاً ومليئاً بالعجائب، وفي الشأن محاولات بعض  الجهات الداخلية والخارجية لتحرير الأسير وحصول حريته قال أبو منصور " هناك جهات عديدة حاولت أن تكون وسيط بين الحركة وبين فرنسا وأهم تلك الجهات دولتا قطر والسودان.." فقلتُ السودان تقول السودان!؟ فقال: " أي نعم والله، وكانت أسوأ وأغبى وسيط عرفناه حتى الآن، فدولة قطر كانت تستخدم طاقماً ماهراً له حجمه الدبلماسي وثقته بالنفس، وحسب علمنا لم يكن لديهم مآرب سياسية قوية ما عدا الدعاية الإعلامية لتحرير الأسير، مقابل خلق العلاقة فيما بيننا ودفع 20 مليون دولار، ولكنّ المبلغ  كان أقلّ مما طلبت الحركة .. "، فقلتُ: فيا ترى كم  كان مطلب الحركة لتحرير الرهينة؟، فأجاب باقتصار" 25 مليون دولار".

وفي شأن السودان وتصرفاتهم في سبيل تحرير الأسير قال أبو منصور " فأما جواسيس السودان فكانوا يريدون أن نتبادل هذا الأسير بمعتقل صومالي من حركة الشباب كان في سجونهم، وأنّ هذا الرجل كان مبعوثاً من قبلنا بحيث بعثناه إلى دولة إيران للقاء مع بعض الضباط الإيرانيين في عاصمة طهران، وفي طريق المبعوث إلى إيران عبر السودان اعتقل المخابرات السودانية بعد معرفتهم بوجود الأخ في خرطوم ثم قبضوا عليه، وعندما حاولتُ شخصياً إفراج الأخ والاتصال بهم طلبوا منا إفراج الرهينة الفرنسية أولاً مقابل الأخ المختطف، وقد استغربنا في ذلك الأمر... فهذه دولة السودان التي لها وجوه مختلفة، وتتلوَنُ بألوان النفاق ومتاجرة الإسلام وأهله، في حين أنّ دولة اريتريا المجاورة له – أي السودان - أكثر اخلاصاً ووفاءا ًلأهل الصومال على الرغم من أنّ قيادتهم مسيحيون ولكنهم أوفياء غير خونة، وقد عرفنا في ذلك عندما كنا في إريتريا أيام الكفاح وإخراج  االأحباش من عاصمتنا. واستمر حديث أبي منصور قائلاً: " الكل من قيادة الحركة  كان ينتظر نصيبه من القسمة بعد تقسيم الكعكة ". وهذا هو تفسير كلام الرجل في شأن ميناء كسمايو وأسير الفرنسي ودورهما في تماسك الحركة وتناسي النزاع فيما بينها. ولكننا نعرف بأنّ ذلك لم يكن حلاً مناسباً في حلحلة الخلاف أو علاجاً ناجعاً للجرح العميق الذي وصل إلى حد اتهام بعضهم ببعض بالعمالة، بل في بعض الأحيان إلى حد التكفير والإغتيال، كعادة أهل الأهواء والبدع والضلال.
أما في مصير الرهينة الفرنسية فكان ما لم يخطر ببالهم وخارج ما كان يتوقع قادة الحركة، وذلك عندما توفيت الرهينة تحت نيران القوات الفرنسية حسب ما ذكرت الحركة نفسها فيما بعد. وفي سياق ذلك ذكر أبو مصعب - الناطق العسكري بعد تراجع أبو منصور ابن روبو من الخط الالتماس وقيادة الحركة الميداني رغم عدم اعلانه من الانسحاب الكلي من الحركة – في بيان نشره لاحقاً في موقع " صومال ميمو" التابع للحركة إنّ الجندي الفرنسي الأسير لدينا وقد جرح خلال العملية التي نفذها القوات الفرنسية الخاصة على منزل في مدينة بولومرير Buulo Mareer  وقد توفي متأثراً بجراحه" وأضاف أنّهم سيعرضون قريباً جثة القتيل الفرنسي للإعلام المحلي، ومرة أخرى أشاروا إلى أنّ الرهينة الفرنسية الذي كانت تحاول باريس تحريره ما زال حياً وفي يد حركة الشباب. . وأشار أبو مصعب إلى أن الحركة سوف تقرر مصير حياة الرهينة الفرنسي وتصدر حكمًا عليه خلال اليومين المقبلين. ولم يصدر أي تعليق في هذا الأمر من جانب وزارة الدفاع الفرنسية... ولكن مما يظهر أن الرهينة توفي إثر الهجوم الفرنسي.
المثل الرحنويني في حركة الشباب المجاهدين:
وإذا رجعنا إلى الحديث الذي دار بني وبين الشيخ مختار روبو في تلك الفترة، في الحقيقة أنّه لم يفارق على ذاكرتي علي الرغم من أنّه كان قبل خمس سنوات وبالتحديد في الصيف عام 2011م كما أشرنا من قبل، وكنتُ أسمع من الرجل بعض الأخبار لم يكن في الحسبان وبعض المفاجئات، وخلال حديثنا وصل الأمر إلى أن وجهتُ إليه سؤالاً نفاذها: إذا كنتَ تخالف رفقاءك في الدرب إلى هذا الحد فأي سلة تضعهم؟، وبعبارة أخرى فأين تكمن مشكلة حركة الشباب عموماً في رأيك؟ والحقيقة أنّ السؤال كان مقصوداً ولكنه غير مبرمج من قبل، لمعرفة مدى ما وصل الشقاق والنزاع الذي ذكر أكثر من مرة بينه وبين من كان يوصفهم بأنّهم صقور في الحركة بحيث أعاد أبو منصور هذا الخلاف أكثر من مرة، بالإضافة إلى  كشف حقيقة الأمر لهذا القائد الذي تربطوني صلة القرابة والدم، وهذا القصد كان هذفه ليبرز إلى الأفق حقيقة أمر الأسد وحيثيات فكره وحلمه في المستقبل، وخاصة إذا كان الخلاف عقدياً بما يتعلق بتعاليم ديننا الحنيف أو كان سياسياً بصورة التصفية بين نخب الحركة، وهو أمر يحدث في صفوف كل الثورات وبين رفقاء الدرب حتى وإن رفعوا علم الجهاد وتحرير البلاد.
فقال أبو منصور مجيباً بالسؤال هادئاً غير مشتئز: " بصراحة واضحة وبدون لف ودوران فإنّ أكبر مشكلة التي تواجه الآن حركة الشباب تكمن في قلة العلم الشرعي والوعي الديني رغم أنّ ربان سفينتها والمقربون إليهم لا يدرون في ذلك، ومع ذلك تراهم يحكمون على الآخرين بالردة والكفر.. وأنّ فلاناً ابتعد عن الجهاد أو أنكر... يتحدثون عن الجهاد الذي هو ذرة سنان الإسلام بهذا الشكل وبهذه السهولة دون أفق علمي أو حزام أمني يحميهم من الجهل والانحراف العقدي... ولا أخفي عليك يا دكتور بأني تحدثتُ هذا الأمر باللقاء الأخير الذي جمع بيني وبعض رموز الحركة بقيادة أحمد غدني، وهو اللقاء الذي تحدثنا فيما سبق، وقد ضربتُ له مثلاً رحنوينياً على  قالب لهجة ماي – احدى لهجات الصومال الكبير – وهذا المثل نفاذه:
Duhighan hanqaas laang ya ingshaltabee

المدرسة تفشل لعدم توفر المداد ( حبر)
كما ضرب أبو منصور مثلاً أخر يبين مصير الحركة قائلاً:
Olkung tubaaky laang ya ingjhabee
انهزم الجيش بعدم توفر التباك
والمقصود مما مضىى هو أنّ الحركة فشلت بل وستفشل لعدم العلماء فيهم، وسوف تكون نهاية الحركة إلى شرذمة من الخوارج وأنت شيخهم ويتقاتلون فيما بينهم..."، انتهى حديث مختار روبو علي.

No comments:

Post a Comment